
“النظارات والإدراك” ، بقلم: د. عبدالرحيم بوزية

هذه تسمى نظارات تلبس على رؤوس الدواب من حمير او بغال او ما شابه اثناء استخدامها للاشغال التي سخرت لأجلها، اجلكم الله ، فتوضع مثلا على راس ذلك الحمار كي لا يرى عن الجانبين فلا يجفل ولا يخاف من عوائق ما على اجناب مساره، وايضا لتجنيبه رؤية من خلفه ومن جانبه فيتحاشى بذلك ركلاته تلك الدابة التي البست مثل هذه النظارات لا تستطيع النظر والرؤيا الا بوجهة واحدة، امام اعينها فقط.

وهذه الاخرى نظارات ايضا، قد يسميها بعضنا نظارات شمسية، تقي من الأشعة الضارة والمزعجة، وتقي من الغبار والجسيمات المتطايرة وبعض الحشرات والشوائب العالقة والريح، يرتديها الناس لغرضها، حماية اعينهم، تشكل وقاية وحماية لاعينهم وعلاجا ايضا وهذا جيد وطيب لا باس ولا حرج فيه.
وهناك ايضا نظارات من نوع اخر لم اجد لها رسما محدداقد تتشابه قليلا مع الشمسية لكنها مختلفة في ادائها واستعمالها، يليق بها اسم نظارات الاخفاء، من صفاتها انها لا ترى منها الالوان والأشياء على حقيقتها، وهنا مربط الحمار، ولك ان تتخيل شخصا قد حباه الله بعقل، يقبل على نفسه ان يلبسه ويقمعه اياها احد ما ايا كان، ليجعله يرى الأشياء والامور وما يحيط به من حقائق واحداث ووقائع، بالالوان والأشكال والاخيلة التي يريدها هو، فقد يرى فيها الشروق، شروق الشمس وكانه غياب وقد يرى فيها النور النهار وكانه ظلمة وليل، ويرى الابيض وكانه اسود، ويرى الاحجام الكبيرة على انها صغيرة، وعلى عكس هذا يرى ايضا، فتختلف عليه الالون وتختلق عليه الرؤى، فلا يبصر الأمور على طبيعتها ولا على حقيقتها، بل تكون في عدسة نظاراته زائفة لا يبنى عليها ولا يعتمد، كلها خيالات ووهم، فلا يجد بعدها للحقيقة مكاناً ولا زماناً ولا لونا، ومع اعتياد استعمالها يبدأ عدم الادراك يظهر ويتجلى، فلا يعرف الصواب من الخطأ ولا الحقيقة من الوهم ولا الصدق من الكذب، اخيلة من الضباب في عينه، فهنا يبدأ استقبال الدماغ لهذه الحالة فهو سريع الاستجابة للعين ليخزن في جوفه أخطاء متراكمة واحدة تلو اخرى والوانا ونماذج وصورا واحداثا ووقائع، كلها ليست حقيقة ولا صائبة بل زائفة في كل نواحيها، ليمسي على القلب غشاوة فلا يعد يتدبر. والدمار كله في استجابة باقي جوارح البدن وحواسه لذلك، فتبدأ هي الاخرى مع ذلك الراس الاجوف والفؤاد الذي شابه التخبط بالاستجابة والرضوخ لتلك الصور ولتلك النظارات وما بني عليها من زعائم وزيف ووهم، لتجد صاحبها تارة ينعق بهذيانه، وتارة أخرى يتخبط بسفه اقواله وأفعاله. وهذا اصنفه نوع من انواع غسيل الدماغ، وهو نوع خطر جدا لسوء اثره وصعوبة علاجه، ففي مثل هذا، فان النظارات الاولى رغم ضيق زاوية الرؤيا فيها وانحسارها، الا ان الالوان ترى منها على طبيعتها بذات اللون والحجم والشكل على حقيقتها تماما. فهي بذلك اقل بلية واهون عقبى واضعف خطرا من الاخرى، التي تتيح الرؤيا لمنتعليها بكل الزوايا وتوهمهم النظر بحرية وتوهمهم رؤيا صائبة صادقة، ولكن بالالوان والأشكال والاحجام والأزمنة والاماكن . . . التي يريدها الناعل.
- – د. عبدالرحيم بوزية – طبيب اسنان – طب وجراحة الفم والاسنان
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .