6:27 صباحًا / 7 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح بين الثورة والسلطة : أي نهج نريد؟ ، التوازن بين النضال وإدارة الحكم ، بقلم : سامح الجدي

فتح بين الثورة والسلطة: أي نهج نريد؟ ، التوازن بين النضال وإدارة الحكم ، بقلم : سامح الجدي


( المقال الثالث من سلسلة مقالات أي فتح نريد)

منذ انطلاقتها عام 1965، شكّلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وقادت مسيرة الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي باعتبارها حركة تحرر وطني تستند إلى العمل الفدائي والنضال الجماهيري.

غير أن التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية، ولا سيما بعد اتفاق أوسلو عام 1993، أدخلت الحركة في معادلة جديدة جمعت بين دورها الثوري التاريخي ومسؤولياتها السلطوية بوصفها القوة الرئيسية في قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية. ومن هنا برز السؤال الجوهري: كيف يمكن لحركة فتح أن توازن بين كونها حركة تحرر وطني وبين كونها حزبًا حاكمًا يدير شؤون سلطة واقعة تحت الاحتلال؟ وأي نهج نريد للمستقبل؟


أولًا: فتح كحركة تحرر وطني


نشأت فتح في سياق عربي وفلسطيني اتسم بالإحباط بعد نكبة 1948، ورفعت شعار “الكفاح المسلح طريق تحرير فلسطين”. وقد تميّزت الحركة في بداياتها بقدرتها على استقطاب مختلف شرائح الشعب الفلسطيني، بعيدًا عن الأيديولوجيات الضيقة، مركّزة على الهوية الوطنية الجامعة. هذا الطابع الثوري منح فتح شرعية واسعة، وجعلها تقود منظمة التحرير الفلسطينية لاحقًا، وتصبح الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.


في تلك المرحلة، كانت فتح تعبّر عن روح الثورة: المبادرة، التضحية، والاستعداد لدفع الثمن في سبيل الحرية. وكان النضال، بأشكاله المختلفة، هو جوهر وجودها ومصدر قوتها. غير أن هذا النهج الثوري كان يقوم على معادلة واضحة: لا سلطة بلا سيادة، ولا دولة دون تحرير.


ثانيًا: التحول إلى السلطة وإشكالياته


مع توقيع اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، دخلت فتح مرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخها. فقد انتقلت، جزئيًا، من موقع الثورة والمعارضة إلى موقع الحكم والإدارة. هذا التحول لم يكن سهلًا، بل حمل معه إشكاليات عميقة، أبرزها التناقض بين منطق الثورة ومنطق الدولة (أو شبه الدولة).


فالسلطة الفلسطينية وُلدت في ظل الاحتلال، بصلاحيات محدودة، واقتصاد تابع، وأمن مقيد باتفاقات مع الطرف المحتل. ووجدت فتح نفسها مطالبة بإدارة شؤون الناس اليومية: التعليم، الصحة، الأمن، والاقتصاد، في وقت لا تزال فيه أهداف التحرر الوطني بعيدة المنال. هذا الواقع فرض على الحركة تبني خطاب وبرامج براغماتية، أحيانًا على حساب الخطاب الثوري.


ثالثًا: أثر السلطة على البنية التنظيمية والسياسية لفتح


أحد أخطر تداعيات الجمع بين الثورة والسلطة كان تأثيره على البنية الداخلية لحركة فتح. فقد أدى تداخل التنظيم بالسلطة إلى إضعاف الحياة التنظيمية، وظهور ظواهر سلبية مثل البيروقراطية، والمحسوبية، وتراجع دور الأطر القاعدية لصالح مراكز النفوذ المرتبطة بالسلطة.


كما ساهم هذا التداخل في تشويش هوية الحركة لدى الجمهور: هل فتح حركة تحرر تقود المقاومة الشعبية؟ أم حزب سلطة يركز على الاستقرار والإدارة؟ هذا الالتباس انعكس على شعبية الحركة، وفتح المجال أمام قوى أخرى لملء فراغ الخطاب المقاوم.


رابعًا: النضال في ظل الحكم – تناقض أم تكامل؟


السؤال المحوري هنا ليس ما إذا كان الجمع بين النضال والحكم ممكنًا، بل كيف يمكن تحقيق هذا الجمع دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فالتجارب العالمية لحركات تحرر تحولت إلى أحزاب حاكمة تُظهر أن الخطر الأكبر يكمن في فقدان البوصلة النضالية، والانغماس في تفاصيل السلطة على حساب المشروع الوطني.


في الحالة الفلسطينية، لا يمكن اعتبار السلطة هدفًا بحد ذاته، بل يجب أن تكون أداة في خدمة النضال. وهذا يتطلب إعادة تعريف دورها باعتبارها سلطة صمود ومقاومة، لا مجرد جهاز إداري. فإدارة الحكم لا تعني بالضرورة التخلي عن أشكال النضال السياسي والشعبي، بل يمكن أن تشكل رافعة لها إذا أحسن استخدامها.


خامسًا: أي نهج نريد لفتح اليوم؟


إن التحديات الراهنة، من استمرار الاحتلال، وتوسع الاستيطان، والانقسام الداخلي، تفرض على حركة فتح مراجعة شاملة لمسارها. وهذه المراجعة يجب أن تنطلق من أسئلة جوهرية: ما هو هدفنا النهائي؟ وما هي أدواتنا لتحقيقه؟ وكيف نعيد التوازن بين الثورة والسلطة؟


النهج المطلوب اليوم هو نهج يجمع بين الواقعية السياسية والثبات على الثوابت الوطنية. نهج يعيد الاعتبار للنضال الشعبي بكافة أشكاله، ويعزز المشاركة الجماهيرية، ويحرر الحركة من الارتهان الكامل لمعادلات السلطة. وفي الوقت ذاته، لا يتجاهل مسؤوليات الحكم ومتطلبات الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني.


سادسًا: استعادة البعد الجماهيري والديمقراطي


لا يمكن لفتح أن تستعيد دورها الريادي دون إعادة بناء علاقتها مع الشارع الفلسطيني، وخاصة فئة الشباب. ويتطلب ذلك تجديد الخطاب، وضخ دماء جديدة في القيادة، وتفعيل الأطر التنظيمية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية. فحركة تحرر بلا جماهير فاعلة تفقد جوهرها، وحزب سلطة بلا شرعية شعبية يفقد قدرته على الاستمرار.


كما أن الفصل النسبي بين التنظيم والسلطة يُعد خطوة ضرورية للحد من تضارب المصالح، وإعادة الاعتبار للعمل الوطني التطوعي والنضالي بعيدًا عن الامتيازات الوظيفية.


خاتمة


إن معادلة “فتح بين الثورة والسلطة” ليست معادلة صفرية، بل معادلة تتطلب وعيًا سياسيًا عميقًا، وإرادة حقيقية للإصلاح. فالتحدي ليس في الاختيار بين النضال أو الحكم، بل في كيفية توظيف الحكم لخدمة النضال، والحفاظ على روح الثورة في ظل تعقيدات الواقع السياسي.


فتح اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تعيد تعريف ذاتها كحركة تحرر تقود مشروعًا وطنيًا جامعًا، مستخدمة السلطة كأداة لا كغاية، أو أن تستمر في حالة التذبذب التي تُفقدها دورها ومكانتها. والنهج الذي نريده هو ذاك القادر على تحقيق التوازن الصعب، لكنه الضروري، بين الثورة والسلطة، من أجل فلسطين حرة ومستقلة.

شاهد أيضاً

7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس

شفا – أصيب سبعة مواطنين، بالاختناق والضرب خلال اقتحام قوات الاحتلال بلدة عقابا شمال طوباس. …