
“حين تحدّثت الحجارة… واستيقظت البلاد” ، بقلم : د. منى ابو حمدية
ثمانٍ وثلاثون سنة مرّت، وما زال ذلك الصباح الفلسطينيّ يطلّ علينا بملامحه الحادّة، يذكّرنا بأنّ الحريّة ليست نشيداً يُنشد، بل فعلُ إرادةٍ خرج من الأزقة الضيّقة إلى فضاء العالم.
في مثل هذا اليوم من عام 1987، لم تكن الحجارة مجرد قطعة صامتة من تراب الوطن؛ كانت نداءً مختصراً، مكثّفاً، عصيّاً على الانطفاء.
انطلقت الانتفاضة الأولى، فاهتزّت الأرض، وتغيّر وجه القضية، وارتفع جدارٌ جديد في الذاكرة: جدارٌ من صمود الشعب، لا من إسمنت الاحتلال.
” حجر صغير .. وروح كبيرة”
لم تكن الحجارة سلاحاً بقدر ما كانت لغة.
لغة شعب حُرم من صوته، فاخترع له نبضاً آخر.
وقف الأطفال، والنساء، والعمّال، والطلاب يواجهون إحدى أقسى منظومات القوّة، لا بثقل الحديد، بل بخفّة الإيمان بأنّ الحقّ إن ضُرب عاد أقوى.
” الانتفاضة… حين يصبح الشارع كتاباً مفتوحاً”
تحوّلت الأزقّة إلى دفاتر،
والمخيمات إلى نصوص،
والبيوت إلى فصول من الإرادة اليومية؛
فكل حجر كان جملة،
وكل متراس كان فاصلة،
وكل شهيد عنواناً جديداً لفصلٍ يعلّم الأجيال معنى الوقوف مهما طال الليل.
” المرأة الفلسطينية: نبض الانتفاضة وسِرُّ صمودها”
في الخلفيات المضيئة للانتفاضة،
كانت المرأة تُدير مطبخ الانتظار،
وتُخيط علم الوطن،
وتُخفي الوجع في صدرها كي لا يتسع الجرح.
لم تكن شاهدة، بل شريكة في الفعل، تُشعل الإضرابات، وتدير اللجان الشعبية، وتُبقي البيت قائماً حين كانت الدنيا تميد.
” الاقتصاد المقاوم: حين يصبح الامتناع موقفاً”
لم تكن الانتفاضة فعلاً ميدانياً فقط؛
كانت مقاطعة، وتنظيماً ذاتياً، وخبزاً يصنع باليد كي لا يُشرى بثمنٍ يثقل على الوطن.
هكذا تحوّل الاقتصاد إلى ساحة مقاومـة، تُعيد للشعب زمام قراره اليومي.
” التحوّل السياسي: تغيير ميزان اللغة أمام العالم”
كانت انتفاضة الحجارة منعطفاً في الوعي الدولي.
لم يعد الفلسطيني مجرد رقم في نشرات الأخبار، بل إنسانٌ خرج إلى الشارع ليقول:
“أنا هنا… وهذه أرضي.”
أجبرت الانتفاضة العالم على الإنصات، وعلى قراءة القضية من جديد؛ خارج ضجيج الروايات المفبركة.
ثمانية وثلاثون عاماً، وما زال الغبار الذي ارتفع مع أول حجر يغطي ذاكرة الوطن بلمعة الفجر.
لم تكن الانتفاضة حدثاً عابراً؛ كانت ولادة جديدة لفلسطين، تثبت أنّ الشعوب حين تُدرك ذاتها تصنع معجزاتها الصغيرة، تلك التي تعاند الزمن وتبقى.
واليوم، لا نعود إليها لنندب الماضي، بل لنستعيد الدرس:
أنّ الحقّ لا يشيخ، وأنّ الروح حين تنهض، تُوقظ حجارة الأرض وتُطلقها في وجه الظلم.
“رسالة إلى الجيل الجديد … لا تيأسوا “
يا أبناء فلسطين اليوم،
أنتم امتدادٌ لصوتٍ قديم حمله شهداءٌ، وأسرى، وأمّهات، وأطفال في زمنٍ حاول العالم فيه أن يطفئ الضوء في عيونهم.
احفظوا روايتكم… فهي سلاحكم.
وتذكّروا أنّ انتفاضة الحجارة لم تكن حجراً يُرفع، بل وعياً يُبنى، وكرامة تُكتب، ووطنٌ يتعلّم كيف ينهض كلّما حاول أحد إسقاطه.
كونوا كما أراد لكم الذين سبقوكم:
أقوى من اليأس،
وأصفى من الغبار،
وأقرب إلى الحقّ من أيّ وقت.
- – د. منى ابو حمدية – اكاديمية وباحثة
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .