5:52 مساءً / 26 فبراير، 2021
آخر الاخبار

تراجع كتابة المقال في الوطن العربي ، بقلم : د. انتصار البنا

تراجع كتابة المقال في الوطن العربي ، بقلم : د. انتصار البنا

سنجد المهتمين بالحركة الأدبية والثقافية يناقشون كثيراً تراجع الشعر والقصيدة في الأدب العربي المعاصر مقارنة برواج الرواية وتطور تقنياتها.

ومناقشات أخرى حول زيادة الإنتاج الروائي مقابل تدني جودة النص وتكراره وبعده عن القضايا الجوهرية، هذا الاهتمام والجدال لم أطلع على ما يماثله في تتبع إنتاج (المقالات) وتقييمها، ودراسة واقعها من رواج وتطور وما تواجهه من تحديات، فهل أصبح المقال بصفته منتجاً أدبياً غير مهم؟ أم هل تغير موقعه الثقافي كي لا يحظى بالاهتمام ذاته الذي تحظى به باقي المنتجات الثقافية؟

في جميع مصنفات علم الأدب يُعرف المقال بأنه (جنس أدبي) له مواصفات بنيوية، وله محتوى خاص يميزه عن باقي الكتابات النثرية غير الأدبية، وهو فن حديث استقدمه العرب من الكتاب الغربيين، غير أن البعض يرى أن له جذوراً في الثقافة العربية كالمراسلات والرسائل الأدبية مثل رسالة الغفران والزوابع والتوابع.

وقد ارتبط ظهور المقال العربي وتطوره بظهور الصحافة وتطورها، وشكّل المقال واحداً من المحركات التي غيرت في كثير من مسارات الكتابة العربية، وأثرت النقاشات في موضوعات شائكة وحساسة تاريخياً وواقعياً.

فنشأة كتابة المقال الحديث تزامنت مع انتقال العرب من الأطوار القديمة بتحررهم من الحكم العثماني، وبدء حركات الابتعاث والترجمة والتأثر بالغرب، وتزامنت كذلك مع حركات الاستقلال من الاستعمار الغربي الجديد وتشكُل الاتجاهات الفكرية والأحزاب السياسية الجديدة في المنطقة.

كل القضايا الشائكة المتشابكة السابقة وما نتج عنها من آثار اجتماعية ونفسية وتجارب ذاتية، عبّر عنها الأدباء والمفكرون في مقالاتهم، لذلك امتلأت الصحافة بكتابات كبار الكتاب عبر التاريخ العربي حينها، كالكواكبي والرافعي وطه حسين والعقاد وزكي نجيب محمود وغيرهم.

أسس بعضهم صحفاً ومجلات خاصة ببعض الاتجاهات، مثل شعراء المهجر، وانجرف بعضهم في معارك وخصومات فكرية كانت ساحتها أوراق الصحف التي شكلت حالة ثقافية مميزة في الثقافة العربية كان لها أثر بالغ في تشكل الوعي العربي، وكان أهمها المعارك التي خاضها طه حسين مع الرافعي أولاً، ثم مع العقاد، وأخيراً مع عبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم.

هذا الثراء الثقافي والإنتاج الإبداعي والحوارية المثمرة، جعل للمقال مقاماً سامقاً في الثقافة العربية المعاصرة، وجعل من الشروع في كتابة مقال تجربة تستدعي التفكير والتردد، وهو على عكس ما نراه اليوم في الكثرة الكثيرة من المقالات، إذ تزايد المتطفلون على كتابة المقالات، وتدنت لغة الكتابة، وانفصلت مادة الكتابة عن الواقع، وصارت الموضوعات آنية تتبخر بتبخر مناسبتها.

شاهد أيضاً

إصابة طفل بعيار “إسفنجي” وعشرات المواطنين بالاختناق خلال قمع الاحتلال مسيرة كفر قدوم

شفا – أصيب طفل بعيار “إسفنجي”، وعشرات المواطنين بحالات اختناق، اليوم الجمعة، خلال قمع قوات …