3:36 مساءً / 17 سبتمبر، 2019
آخر الاخبار

الخطيئـــــة بقلم : نبيلة ساسي

السعادة الحقيقية هي التي نصنعها بجدنا وكدّنا ومن سيل عرقنا، فالسعادة مفهوم نسبي متأرجح بين عدة أشياء قد تكون مبعثرة هنا أو هناك، نستجمعها ونصنع منها ما قد كتب لنا أن نصنعه، فيكون ذلك تاريخنا المشرف أو المميت فإما أن يرفعنا نحو الأعلى وإما أن يضعنا على عتبة الطريق ليداس علينا كما تداس الطريق بالسيارات…

 الإنسان وليد أفكاره و معتقداته و ما يهضمه من مجتمعه وكذا ما يكونه خلال كل تلك السنوات التي يعيشها، فهو مثل الوعاء الفارغ يمتلئ شيئا فشيئا لكنه بعكسه تماما فهذا الأخير ينضح بما فيه أما الإنسان فتبقي أسراره و دفاتره مخزونة يخرجها عند الحاجة، وتظهر بما يسمى تكوين الشخصية، أما الانحراف أو الطريق السديد لا يمكن أن نقول أنّ كل الناس بلا أخطاء أو بلا هفوات، لكن الهفوة تختلف باختلاف كل شخص، يمكن لهذه الخطيئة أن تكون غير مؤذية ويمكن أن تكون مميتة أو حتى أنها تقضي على مجتمع بأسره، وهذا ما نحن بصدد مناقشته هنا، وهو قضية الخطيئة.

يسكت عمي محمود قليلا و يجلس على مقعده بعد أن طاف بالأولاد دورة كاملة،  وأتبع حديث الحكاية، لأن رغبة الأولاد، قد ازدادت لمعرفة ما جرى منذ زمن غابر، وبالرغم من أنه كان ممن يرى أن ندع الماضي و شانه، لكن زوجتي العزيزة هي من اقترح علي أن احكيها  لأحفادها حتى لا يكون هناك لبس أو أدنى شك حول تلك الوقائع. يتكلم:” على العموم لن أطيل هذا معكم حدثت الحكاية حينما بدأت قوة الاستدمار تنهار شيئا فشيئا، كان ذلك في عهد  الجنرال ديغول، كانت زبيدة ذات السابعة عشرة سنة تعيش مع إخوتها الأربعة عيشة عزيزة كريمة،  وقد وهبها الله جمالا أخاذا”، التفت على يمينه وقال:” أنتِ تشبهينها كثيرا يا رشا و أشار لابنته الصغرى، لقد كانت عنيدة جدا شجاعة مفعمة بالحياة لها تأثير على الآخرين، هي  مثلك تماما”، ابتسمت رشا ابتسامة بريئة احمرت لها وجنتاها، واصل محمود كلامه:” المهم كانت محط أنظار  شباب القرية، وأبى الكل إلا أن يخطبوها، لكنها كانت ترفض كل من بتقدّم لخطبتها، لأنّ لديها طموح تريد بلوغه، فقد استطاعت أن تتعلم القراءة والكتابة  على يدي والدها و أصول الفقه و تلاوة القران على يدي جدها الذي كان أمام القرية آنذاك وغير أنّه توفي إثر انفجار  قنبلة في المسجد، حزنت زبيدة كثيرا على وفاته لكنها ثابرت على أن تقتات العلم و تنهل منه  لتزداد معرفتها و يزداد معها شغف التطلع للعلم، و محاولة فهم الواقع  المرير، وتحين الساعة التي التحق فيها إخوتها الأربعة بالمجاهدين، وتتمنى هي أن تكون معهم لكنهم ينهونها عن فعل ذلك بحكم أنها امرأة، امتعضت إلى هاته الإجابة ولم تتوقع أن يكون هذا الكلام صادرا عن إخوتها، لكنها تمنت لهم التوفيق وإلى كل مجاهد، فأبوها انتفض  ضدّ الاستدمار و جابهه، من هنا بدأت المعاناة مع البوليس الفرنسي، ففي كل مرة تكون فيها مداهمات للبيوت و للأحياء يقع جندي منهم، فيكون على القرية دفع ثمن ذلك، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي ذبح فيه والدها أمام عينيها، في محاولة لهم في استخراج كلمة من جوفه، لكنه فضل الموت و الاستشهاد على الخيانة، فقام الجندي بذبحه كالشاة ليلحق به ابنيه أمام مرأى الجميع ومرأى ابنته التي كانت تقاوم تلك الدموع التي تكاد تنهمر من عينيها وهي ترى عيون والدها متسمرة نحوها وابتسامة الاطمئنان عليها، لتزرع السكينة على تلك الفتاة المرعبة، بأنّ كل شيء سيكون على ما يرام جثت في مكانها ولم تتحرك حتى أنها لم تذرف دمعة واحدة أمام الجنود، لا لشيء وإنما حتى لا تمنح العدو اللذة التي كان يرجوها. يسكت الأب للحظة ثم يكمل:”لا أدري لماذا لم يتعرضوا لها في تلك المرة؟! بالرغم من أنهم يعلمون جيدا أنها ابنته أظن أنها العناية الإلهية لحفظتها من ذلك..”و استرسل في الكلام:” أين توقفنا؟ “،ردّ الابن الأكبر :”عند مقاومتها للدموع “، رد الأب:” أجل، أجل ترك الأب  غارقا في بركة من الدماء وابنيه، و رحلوا بسيارتهم مهددين بأنّ كل من يتجرأ على مساعدة المجاهدين سوف تكون له نهاية مأساوية ونفس المصير، وعندما تغطوا عن الأنظار هرولت زينب إلى أبيها وعانقته عناقا حارا والدموع تنهمر من مقلتيها، ودوى صراخها في كل أرجاء الجبال، فأمسكها أهل القرية وأبعدوها عنه  ودوت من جوفها زغرودة الشهيد وامتلأت الدنيا بتهاليل الرجال وتكبيراتهم.

دفن الأب في نفس النهار وعرضت كل البيوت في القرية أن تكون زينب معهم يكفلونها، لكنها رفضت وأبت إلا أن ترجع إلى بيت أبيها دونما الشعور بالخوف ولا الحزن، بل كان شعورها مليء بالكره والرغبة في الانتقام، بقيت زينب في بيت أبيها مدة ستة أشهر كاملة لم تخرج منه أبدا، وخاف الناس عليها بأن تكون مريضة أو بها علة  أو أنها لم تستحمل الصدمة القوية، لذلك قرروا إرسال شيخ القرية مبعوثا لهم ليطمئن عليها و يعرف ما آلت إليه حالتها النفسية، ذهب الشيخ وعند محاولته دق بابها تفاجأ به مفتوحا، أخذ ينادي عليها باسمها، لكنه لم يسمع أيّ ردّ أو جواب، ولا حتى حركة منها، تردد كثيرا في الدخول، لكن تملكه الخوف بأن يكون قد حدث لها مكروه ما فتقصى الأمر و دخل فرأى منظرا مرعبا اقشعرّ له بدنه، فزينب الفتاة قد تحولت إلى رجل فجأة، قصت شعرها وجعلته مستويا و لبست لباس أحد إخوتها وكانت تمسك بسكين رسغها مصنوع من الخشب و منقوش عليه اسم والدها، وكانت على بعد مسافة ثلاثة أمتار هناك بالغرفة لوحة بها آثار تلك السكين، لم يكن بوسع الشيخ النطق بأي كلمة سوى ذلك الانبهار والتعجب من التحول المفاجئ لها، من فتاة رقيقة المشاعر إلى فتاة تعلو وجهها سحابة من الكآبة والحزن و التصميم الذي لم يره إلا في وجه الشباب المتعطش لأن يكون جزءا من خريطة التاريخ في تحرر بلده…، جلس الشيخ بجانبها في محاولة منه لاستدراك ما فاته بعد أن يستجمع قواه ويجد الكلمات المناسبة، فقد خيّل له أنه سيجد فتاة ذليلة مهانة مكسورة الجناح إلا انه تفاجأ بامرأة صلبة قوية تعلو جبهتها تكشيرة اللبؤة عندما تحس أن عرينها يتعرض للخطر، قاطعته هي ووضعت حدّا لتلك المخاوف التي سكنت الشيخ والنظرات الزائغة التي كان ينظر بها إليها، لترحب به في بيت أبيها وتقوم من مكانها لتقوم بواجب الضيافة، وتكرمه أحسن الكرم، طهت له قهوةً طيّبة المذاق وأتت له بصحن من الرغيف ووضعته أمامه، محاولة بذلك التحدث إليه وكأنه هو من تعرض لتلك المصيبة التي حلّت بها، وليست هي، تبدلت الأدوار ولم يعرف الشيخ أنه هو الذي أصبح ضحية الأقدار وليست هي قالت له:” سيدي الشيخ أعرف  لما أنت هنا ؟ أشكركم على ما فعلتموه من أجلي، لكني يا شيخ أحس أني هنا بينكم غريبة جدا، أحسن أنه لا مكان لي بينكم بعد الذي جرى لي، فأرجو أن تلبي طلبي هذا وهو أن تتصل  بالمجاهدين وتتوسط لي بالالتحاق بهم” قال الشيخ:” ابنتي، أعلم أن مصيبتيك عظيمة لا يتحملها أحد من الناس ونحن نراعي مشاعرك و ونقدّر إحساسك بالحزن، لكن لا يمكن أن نرضى بهذا دائما لك، أرجوك حاولي أن تكوني أكثر عقلانية وثبات من هذا، فالجهاد ليس لك بل للرجال، لكن يمكنك أن تساندينهم بالأكل والملبس، أما غير ذلك فمستحيل لا يمكننا أن نرمي بمعتقداتنا عرض الحائط،  فهل قلّ الرجال وجبنوا حتى ندفع بنسائنا إلى مسرح الحرب، كوني عاقلة يا ابنة الشهيد عمي محمود، حاولت أن أتفهم شعورك بالحزن و الأسى وكذلك تركناك تفعلين ما تشائين، لكن آن الأوان أن يكون هذا آخر يوم لك كعازبة إما أن تختاري لك زوجا أو أختار لك بنفسي”.

لم تقدر زينب على النطق ولو ببنت شفى واكتفت بالتحديق إليه، وبعد صمت انتفضت من مكانها ورّدت بكل برودة وقوة:” يا شيخ أنا تزوجت و وزفت عروسا في يوم ما، يوم قتل أخي وأبي، لبست الكفن معهم وما بقي لي غير اللحاق بهم، لا حياة لي و لا رغبة لي في شيء آخر بها. الأمر الوحيدة الذي جعلتني أعيش حتى اللحظة، أمنيتي بالانتقام لأبي وأخواي والاستشهاد في سبيل الله من أجل نصرة وطني”، غضب الشيخ و تكدر وجهه غيضا، ورد عليها:” أنت لا حشمة لك لم تأبهي لكلامي ورميته خلفه ظهرك، اخجلي من نفسك يا طفلة وارجعي لعقلك. أنتِ بنت والبنت ليس لها سوى الزوج يسترها ويقوم على شؤونها. أجابته:” يا شيخ كلامك فوق رأسي لكني وهبت حياتي كاملة لرب العباد، و إذا أبيتَ أن تساعدني سأذهب لأخوالي ومن هناك ستكون انطلاقتي الفعلية”، التفتت إليه و في عينيها بريق تصميم و مثابرة و أمسكت بيده وقالت:” عندما أراك، أرى أبي فيك ملامح وطيبته، فأنت من اعز أصدقائه، وكنت أظنّ أنّك ستكون أول المرحبين والملبين  لرغبتي”، قطاعها قائلا:” أنتِ أمانة في أعناقنا لن أتأخر في تلبية أيّ طلب لك وفِعل أيِّ شيء يجعلكِ تكونين على أحسن ما يرام”، انصرف وتركها واقفة. غادر الشيخ المكان مباشرة إلى بيته و هو غاضب على ما آلت إليه الأمور، و دخل على زوجته في حالة يرثى لها حتى ظنّت أن في الأمر سوءا، فحاولت أن تتقصى منه الأمر، فأخبرها بشق الأنفس، كل الحديث الذي جرى بينهما.

بعد أن سمعت الزوجة  لكلامه ناشدته بأن يزوّجها ويختار لها بنفسه عريسا يسترها ويحفظ ما وجه عائلتها الشريفة من كل تلك الأقاويل، وحتى لا يظن بها ناس القرية السوء، وعرضت عليه، ابن أخيها رشيد  الذي هو بدوره يتيم الأبوين و يكبرها بخمس سنوات، كما أنّه إنسان مثابر وخجول وعلى خلق،  فكر الشيخ برهة وابتسم فقد نال اقتراح زوجته إعجابه، وخرج مسرعا  من البيت واتجه إلى حيث يشتغل رشيد، كان رشيد مثال الرجل المجتهد والمهتم بعمله، له أرض يشغلها، يقوم على شؤون إخوته الأربعة وينفق عليهم بحكم أنه الرجل الوحيد في عائلته، بعد وفاة والده. وصل الشيخ إلى الأرض التي يشغلها رشيد، فوجده منهمكا في عمله كعادته، فبادره بالتحية، ردّ رشيد عليه واستقبله بحفاوة و ترك ما في يديه ليسرع إلى شيخ القرية ويطلب إليه أن يتفضل بالجلوس للاستراحة، و قد كانت المكان الذي جلسا فيه عبارة عن أعمدة مصنوعة من خشب الجبل مغطى بالقش وكانت هناك بعض الأواني وبقايا أكل، إلى جانبها إبريق فوق جمر وبعض أعواد مشتعلة، عرض عليه رشيد القليل من الشاي وسكب له كأسا منه، سأله الشيخ عن أحواله وأحوال عائلته وكيف تسير أمور الشغل معه، وإلى أين وصلت  التحضيرات أخته الصغرى للعرس فقد اقترب موعده.

خيم السكوت عليهما لبرهة ثم بادر الشيخ بالكلام:” لعلك تتساءل عن سبب زيارتي المفاجئة لك، والحقيقة أنّ كل ما في الأمر أني وجدت لك عروسا على خلق وأدب كبير، كما أنّك تعرفها، هي زينب بنت عمّك بو جمعة”، سكت رشيد قليلاً ثم قال:” يا شيخ لا أظن أنها سترضى بذلك فكم من شاب تقدم لخطبتها وهو أفضل مني حالا، لكنها رفضت”، قاطعه الشيخ:” هذا الأمر لا يهمك، أتركه لي فأنا من يضمن لك ذلك، أنت فقط وافق  وقل يا رب و إن شاء الله ييسرها الله ويكون كل شيء على ما يرام”، ثم وقف وقال:”أتركك في رعاية الله و حفظه”  ورحل.

 مرّ أسبوعان على تلك الأحداث، فقرر الشيخ بعد صلاة الجمعة أن يزف الخبر إلى أهل القرية وكبارها، ويعلن أنّ يوم اكتمال البدر سيكون فرح رشيد بزينب، أي بعد خمسة عشرة يوما من اليوم، كانت هذه المدة سانحة جدا لزينب كي تجهّز نفسها وتعدّ العدة وتفر إلى حيث تكون تلبية رغبتها وتنفيذ طموحها، وبالفعل استطاعت في ظرف يومين أن تهيّأ نفسها وتقنع رشيد أن يوصلها إلى هناك، لم تكن تتوقع أن يوافق على تلبية طلبها لأنّ هذا سيجلب إحراجا له، ويمكن أن تحطّ من سمعته وتكون بمثابة فضيحة له، أجل إنه زوجها المستقبلي الذي وعدها أن يأخذها حيث ستزف بثوب المجاهدة، كونها وهبت حياتها للجهاد في سبيل استقلال الوطن والانتقام ممن كان السبب في موت والدها وأخويها.

 وصل اليوم المنشود على الرغم من حالة رشيد النفسية المحبطة، فقد انتظر حتى يعم السكون القرية وتخف وطأة الحركة و تسلل إلى حيث توجد زينب فرمى حصى و انتظر برهة قصيرة، ثم عاود الكرة و هو يلتفت يمينا و شمالا، خاف أن تكون قد تراجعت عن قرارها، أو يراه شخص ما فيظن به الظنون وهو على تلك الحال، بقي يرقب المكان فإن به يحس أنّ شخصا يربت على كتفه ارتعب و تجمد في مكانه لكنه سرعان ما اختفى ذلك الخوف، حين سامع صوتها فالتفت إليها وقال:” لقد أفزعتني لا تفعلي هذا مجددا بي”،   فأضحكها ذلك الأمر واعتذرت إليه، تبتسم هو بدوره و أحسّ أنّ قلبه قد قفز من مكانه لأنّ ابتسامتها أثلجت صدره وأدخلت السرور في نفسه، و جعلته يشعر بإحساس لم ينتبه من قبل، وما لبث قليلا حتى طلب منها أن تتحرك بسرعة بالاتجاه الذي يشير إليه.

 سارا بسرعة حتى  توغلا بين الحشائش والأحراش وكانا لا يسمعان شيئا سوى صوت الذئاب المتعالي في الغابة ووطأ حوافهم المتسارعة و صوت الأعواد المتكسرة التي كانت تحتك بهم أثناء سيرهم، كلما توغلا أكثر فأكثر في الغابة زاد تشابك الغابة وأحراشها وصعب عليهما السير فيها، توقف فجأة وطلب من زينب الاختباء بين الأحراش،  فقد أحس بوقع أقدام تتبعهما، أمسك بالخنجر وسلّه من غمده المثبت  على خصره، وهمس إلى زينب بأن تكون متيقظة حذرة، وعند العد إلى ثلاثة يجب الإسراع والمراوغة بين الأحراش حتى يصلا إلى وجهتهما حيث يتمّ الالتقاء بالإخوة،  و هنا ازدادت  الحماسة و ازداد معها  الخوف بأن يكون جنود الاحتلال قد كشفا أمرهما، لكن هذا الخوف تبدد بمجرد معرفتهما أن من كان وراء تلك الأحراش هما اثنان من المجاهدين الأحرار جاءا لاستقبالهما والترحيب بهما، وقد كلفا بحراستهما ومراقبتهما لأنهم على علم بالأمر، ألقى عليهم رشيد التحية وعانقهما عناقا حارا تملؤه ابتسامة عريضة.

بعد أن تبادلوا العناق والتحية، واطمأن رشيد عليها بينهما وأوصاهم بها  خيرا، طلب إليها  أحدهما متابعة السير، هنا ودعها رشيد، ليكون هذا آخر لقاء بها، لم تدر زينب أنّ الفراق سيكون على تلك الشاكلة ولم تكن تحسب له هذا الحساب، فقد اغرورقت عيناها وامتلأت بالدموع حتى كادت تنهمر من مقلتيها لكنها تمالكت نفسها ولم تبد شيئا مما تحس به من حرقة الفراق أما رشيد فكانت الحسرة تملأ قلبه وهو يراها تختفي شيئا فشيئا أمام عينيه بين الجبال… وصلوا إلى مقرّ المجاهدين السرّي، فوجهوها حيث توجد النساء لتجلس معهم وتشاركهم أعمالهم، توالت الأيام و الأسابيع و أضحت تلك الأسابيع عاما، تعلمت زينب خلالها جميع فنون القتال وبرعت في التمريض، لم ترغب أن تبقى مساهمتها فقط لإسعاف الجرحى وتضميد جراحهم، بل كان طموحها محاربة المحتلّ الغاشم وقتاله ندّا للند، ارتبطت مساهمتها بين المجاهدين باسم الجسورة، هكذا كان يلقبها قائدها  فقد كان يعي أنها كفؤ لأي مسؤولية تلقى على عاتقها أيّا كانت.

 في هذا الوقت قرر رشيد أن يلتحق بصفوف المجاهدين فقد آن الأوان لذلك لأن رسالته الأخوية قد انتهت بزواج كل أخواته، لكنه لم يكن يعلم أن القدر سيجمعه مرة أخرى بمن أحبها قلبه وسكنت جوارحه، كان كل تفكيره منصب على شيء واحد هو أن يذود الحمى عن وطنه و أن يسعى جاهدا في تحريره  ومحاربة الاستدمار الذي عثا في بلاده فسادا، حتى ولو دفع حياته ثمنا لذلك، هذا ما قاله رشيد لشيخ القرية أنه سوف يرحل هو ومجموعة من الشباب إلى أعالي الجبال للالتحاق بالمجاهدين، فقد علم أنّ هناك مجموعة ليست بالهينة من المجاهدين تقبع في الأعالي. توجه نحو الجبال رفقة من معه من الشباب للانضمام إليهم، كانوا يسارعون الخطوات وتتسارع معها دقات قلوبهم، ساروا مسافة ليلة كاملة حتى لاحت تباشير الصباح ولاحت في الأفق تباشير يوم جديد،  وصلت المجموعة إلى وجهتها بقيادة رشيد وحين وصلوا استقبلتهم الأيادي و الهتافات مرحبة بكلمة ولا أعز منها “الله أكبر”، بعد ذلك طلب منهم أن الجلوس وأخذ قسط من الراحة  حتى يتسنى لهم مقابلة المسؤول عن التجنيد في صفوف المجاهدين. جلس رشيد قرب شجرة الزيتون ممسكا في يده عصى محاولا أن يستجمع قواه وفي نفس الوقت يستمتع بجمال المنظر الذي أبدع الله خلقه بين تلك الجبال المترامية هنا وهناك، وبينما هو كذلك إذ به يسمع وطأة أخفاف تدنوا منه وصوت رقيق يهمس له مرحبا به، التفت نحو الصوت ليرى، هل صحيح ما تلتقطه مسامعه أم أنّ الأمر مجرد توهّم فقط، ولما استدار لم يصدق ما تراه عيناه، تسارعت دقات قلبه وتثاقلت شفتاه عن الحكي وغلبت  الدهشة  عليه، إلا أنه سرعان ما حاول أن يخفي ذلك في نفسه ولا يبديه ، وقف من مكانه وراح يحييها، أجل إنها هي زينب، شاءت الأقدار أن تجمعهما مرة أخرى، تردد في محادثتها بادي الأمر، لكنه استجمع قواه وراح يحدثها، كانت ملامح الاستغراب بادية على وجهه، وقبل أن يتفوه بكلمه هو بادرته هي بسؤالها:” كيف أهل القرية؟ كيف حال شيخنا العزيز؟”بتلك الكلمات المسترسلة تنبع من فتاة مشتاقة إلى أهلها فتحت حديثها معه، رد عليها:” الكل بخير لكنهم اعتبروك ميتة واعتبروك فتاة ضالة” تبسمت و قالت:” وأنت هل تعتبرني كذلك؟” رد قائلا:” رأيي لا يهم البتّ، على العموم كيف حالك؟ وما المهمة المسندة إليك بين المجاهدين” ضحكت وردتك أنا مسؤولة عن هذه المجموعة التي انضممت أنت بدورك إليها، أنت الآن تحت قيادتي، قل لي هل صحيح ما تسرب إلينا من معلومات فقد بلغنا أن العدوّ يقوم بعمليات تمشيط واسعة وهو في طريقة نحونا، لذلك أمرنا القائد الأعلى أن ننتشر مجموعات على كل المناطق فيتسنى لنا تطويق المكان ومراقبته جيّدا والقدرة على نصب الكمائن للعدو ومباغتته”، يقاطع حديثهما أحد الإخوة:” لقد لمحنا مجموعة لا بأس بها من جنود العدوّ مدججين بالسلاح والعتاد متجهين صوبنا”، سألته وكلّها عزم وهمة:” هل علمتم كم عددهم؟”، أجابها:” أظن أنهم ثلاث مائة أو يزيدون، و أظن كذلك أن بينهم مقتفي أثار”. تسكت لبرهة و من ثمة بدأت  تلقي  الأوامر للتحرك بسرعة كبيرة و أن يخفوا آثارهم قدر المستطاع حتى لا يتسنى لهم تقفي أثرهم، وتطلب من سي محمد وتركي ووهاب البقاء رفقتها لوضع كمين مناسب للعدو لتطيح به، طلب إليها رشيد البقاء معها، لكنها رفضت ذلك وقالت:” لست مهيئا بعد”، و تنطلق المجموعة في التحرك و تبدأ هي بسرعة بداهتها و فطنتها وعلمها بالمنطقة في رسم خطة الكمين وضعه مع الإخوة. بعد أن تفرّغوا من ذلك نصبوا الكمين بإحكام، ثمّ تطلب منهم التحرك بسرعة حتى يتسنى لهم مواكبة إخوانهم،  متخذين المسالك الوعرة طريقا لهم، لكي يصعب على الجنود الفرنسيين تقفي آثارهم وملاحقتهم، بعد مشي دام ساعتين أو أكثر استطاعوا أن ينضموا بإخوانهم الذين سبقوهم في التحرك، ثم يسمع دوي انفجارات متتالية نظروا إلى بعضهم والرضا يملأ وجوههم، فقد نجحوا في نصب الكمين، هنأ بعضهم بعضا، التفت رشيد إلى زينب مبتسما وهنّأها مقرّا بذلك أنها فعلا أهل للقيادة والاحترام و التقدير، فازدادت مكانتها عنده، طلبت منهم التحرك ومواصلة السير نحو الجهة الشمالية الشرقية حيث يوجد هناك بعض الإخوة، يواصلون المشي قدما نحو المكان المحدد، ازدادت إعجاب رشيد بزينب وطادة و أضحى ذلك الإعجاب يكبر شيئا فشيئا، لكن الخجل و الحياء كانا يحولان دون البوح بمشاعرهما وكذا الوقت غير المناسب لذلك، حتى لا تضعف القلوب

 في هذه الليلة قرر قائد تلك الناحية أن يقسم المجموعة إلى فرقتين حتى تستطيع أن تتحرك بسرعة، فأضحى رشيد في كتيبة أخرى دونما زينب، اجتمع رشيد بزينب في تلك الليلة وجعلها تعده بأنها لن تكون لغيره، إن كتب الله لها النجاة والعودة سالمة، لم يسمع أهل القرية عن أخبارها شيئا، فقد أضحت نقطة شؤم أو من المحرمات التي لا يسمح بذرك اسمها بينهم فهم يظنون، أنها قد هربت و الهروب هنا معناه شيء واحد وهو الفضيحة، وتشاء الأقدار أن يدخل أحد الجرحى من المجاهدين بيت أحد أهل القرية حتى يسعف هناك ويختبئ من العدو، فيحكي له عن فتاة وهبت حياتها فداءً للوطن، فاقت شجاعتها شجاعة الكثير من الرجال، فتاة تدق لها الطبول ليس للرقص بل للحرب والفداء، وأخبره أنّ اسمها زينب وهي ابنة إحدى القرى التي تترامى هنا وهناك، ذهل الرجل لسماع حديث الجريح ليهرع بسرعة إلى بيت الشيخ وينقل له الخبر، اجل إنها زينبنا إنّها ابنتنا، إنها تربية قريتنا يسرع الشيخ إلى الكوخ ليرى الرجل  ويطلب إليه أن يحدثه أكثر عنها، ويطمئنه عن حالها، وهو يقول له :” أثلجت صدورنا وبشرتنا بالخير بشرك الله بالجنة، بعد أن ذهب بنا الظن إلى السوء بها وبعدما امتلأت قلوبنا غلا بها وطالت ألسنتنا عرضها، أظهرها الله علينا بالحق المبين، عندما تعود إلى هناك أخبرها أننا نطلب صفحها عنّا ومسامحتنا عما ظنناه بها وقلناه عنها.

انتهت الحرب التي خاضها الجزائريون رجالا و نساء، أطفالا وشيوخا، ودفعوا في ذلك الغالي والنفيس لتحرير أرضهم و إعلاء كلمة الله وكلمة الحقّ….، أما زينب فقد تزوجت رشيد وبدأت معه حياة سعيدة يملؤها الهناء ورغد العيش، بعد أن جمعها القدر به في المكان الذي بدآ منه.

 كثيرة تلك القصص التي لم ترو عن أبطال صنعوا مجد الجزائر ورفعوا راية التوحيد ولم يكترثوا لقلة عددهم  وعدّتهم أو ضعف ثقافتهم، لأن ما يغذيهم أكبر و أسمى صدق الإيمان وحب الوطن. جدتكم لم تذنب في شيء سوى أنها أحبت وطنها بكل جوارحها فانضمت إلى صفوف المجاهدين بطريقتها، حتى تكون لها يد في صنع النصر وتحرير الوطن، حتى و إن لم يكتب هذا التاريخ إلا انه سيبقى خالدا في ذهني و ذهن الكثير ممن عرفوا زينب وعايشوا مقاومتها وكفاحها.

نبيلة ساسي

 

شاهد أيضاً

حماس: نحمل الاحتلال تداعيات انتهاكاته بحق الأسرى بالسجون

شفا – قال المتحدث باسم حركة حماس إن حركته تحمل حكومة الاحتلال الإسرائيلي وإدارة السجون …