4:26 مساءً / 18 سبتمبر، 2019
آخر الاخبار

كيف التقيت بحسن مطلك بقلم : إيناس عبدلله

القراءة كالحب، جرثومة نلتقطها على مهل لتنتشر فيما بعد كالقدر الذي لا يحده سوى الانبهار والتسليم، وهناك كتاب نتخذهم من خلال كتبهم كالعشاق تماما،كأمراضنا الشتوية، ربما كالرصاصة التي قد تشلنا في حرب ما، شيئ سيبقى معنا كما يبقى العمر، و يعيش كما يعيش الشك معششا في الركن القصي من اليقين!
لم اكتب عن كاتب في حياتي، إيمانا مني بأن المشعوذين لا يشون بمؤامرات بعضهم البعض، ولا بقدسية وكرامة وعظمة ان يكون المرء كاتبا له خصوصية الانبياء او الممسوسين، ولكنني لم استطع منع نفسي، من الإعجاب بصخب، بكاتب مثل حسن مطلك.
انني عمليا اقيس تأثير أي كاتب في كقارئة، بمقياس الاستحضار الدائم لما قرأت، حين ارى الحياة تتماهى وتتشابه مع أدق لفتاتته وحين تتقاطع كل طرق الحكمة وتصل الى روما أحلامه ،حين أكون في صفه مئة بالمئة نعاني سويا وبزخم، من مضاعفات الجمال!
لطالما كنت كقارئة اولا وككاتبة ثانيا لا أؤمن بالوجودية ولا بالغوغائية او السوريالية.. وهي ان تجذرت بالفن فلقد اختلطت ايضا بعالم الأدب ولكني اومن بالفلسفة كركن مهم للإبداع الأدبي، واعتقد جازمة ان هذه الفلسفة هي ما قاله بالضبط كارل ياسبرز:
(جوهر الفلسفة يكمن في ان طرح الاسئلة أصعب من الاجابة عليها) لكن، من غير الكاتب قد يكون من طارحي هذه الاسئلة، وضحايا أجوبتها؟الكاتب الحقيقي سوف لن يجرؤ على رتق التمزق، بين السؤال والإجابة، إنه ينتقل الى خطة اخرى، أن يطرح السؤال والإجابة محاولا اقتفاء اثر الحقيقة في كل منهما وموازنته من اجل فهم افضل، ويقول حسن هنا:
(إن السؤال الكبير المهم….يجب أن يجد إجابة تغطيه)
لقد طرح حسن مطلك الكثير من الاسئلة غير التقليدية، عن الحياة العامة ـ الخاصة، وقد برع في ولوج كنه التداخل بينهما بروية وبحرفية عالية، من التفاعل الميتافيزيقي، مرورا بالعاطفي وحتى النفسي مع الانثى_المحيط ،هذا التفاعل ذو الحساسية غير العادية، والنظرة الشاملة العميقة بدا مثاليا الى حد كبير، إذ أن كل ذرة من المدينة هي ركن شاسع من العزلة المبهمة، وكل ذكرى لمسة من إمرأة حالمة، هي انشطار نووي عن القلب وانسلاخ بربري عن الحنان ،ذلك الحبل السري الخفي الذي لا يقطعه سوى الاغتراب والقطيعة!.
لقد أبهرنا احيانا بالنتيجة ومحاولة رتق ثغرة المسافة بين السؤال وجوابه ،إلا انه ككل الأبرياء وقف حائرا امام سؤال الكائنات الأزلي….. ما الحب؟!
إن حقيقة الحب كما أراها مثلا ليست ككل الحقائق، لان الوعي لا يبررها، بل هي برهان اللاوعي الغريب والقاطع.. لذلك لم تأت الاسئلة عند حسن على شكل إدانة ولا الإجابات على شكل تهديد أو تفويض ،ولذلك أقل وصف ممكن لأسلوبه العميق والتحليلي والجاد والمتحري للصدق حتى في أحوج اللحظات للكذب، بأنه مذهل وملهم!
برأيي ان القارئ روائي صامت وبأن الكاتب الذكي هو من يكتب للصمت بكل ما اوتي من صراخ،فنسمعه ونعيه تماما، وليست الفكرة بأن يتقولب الكاتب حسب باروميتر معين لاستقطاب الجمهور، بل أن يكسر كل المقاييس لترويض وكسب ذائقة القارئ مهما كان مستواه وترتيبه في الحياة او الأدب.وفي الكتاب نرى صراعا بين رغبة حسن في التوجه لجمهور وبين حساسيته ككائن يتعمد العزله،ولا يمكنه بأي حال سوى الشك دوما بقدراته كمبدع رغم كثرة البراهين، تماما كما فعل كل الكتاب الكبار قبله.
أسلوب حسن السهل الممتنع بهرني وكان بطلا أيضا من أبطال هذه المذكرات أو السيرة، فبين قوة الكلمات أمام ضلال الحياة وتكلسها في قعر النفوس، وبين الأيماءات التي تجعل القراءة بين السطور أوضح من القراءة فوقها نتوحد تماما في لذة الأنصات لهذا الأنسان غير العادي، غير المتملق والقادر دوما على قول الحق،حتى ولو كان همسا يزحف بروية من العالم الاخر.
في (ظلالهن على الارض) ثمة اسئلة مزعجة كموجة حرائق،ثمة قلق عنيف وحزن لا يليق بفارس كلمة، ثمة ظلم وحروب وفقر وخوف أي ثيمات الحياة الملاصقة للامعقول، ثمة بحث مضني عن الأمان ولو في الأحضان الأدمية الهشة المتقصفة كعيدان الشجر الجاف، ثمة عقل جبار وآسر،وشفافية عاشق حتى الرمق الأخير، ثمة روح لا تستوعبها عبثية الأيام.. ثمة سفر طويل ومتعب الى داخل الداخل حيث لا حدود تماما، ولا وصول نهائي!
نعم هذه مقدمة طويلة للتعريف بكاتب، لكن حسن مطلك لم يكن كاتبا فقط، بل فيلسوفا رفيع المستوى، عاشق من الطراز الاول واخيرا ضحية بريئة لم يكلف موتها الجلاد شيئا ،لكن ذلك الموت كان اكثر كلفة من إبادة شعب كامل، ذلك لأن الكاتب ضمير جمعي مضغوط في شخص واحد، ولأن العبقري البريئ دوما مسيح مؤجل يموت نيابة عن مؤمنين وأغبياء كثر!
كنت اتسكع في مكتبة نائية، وعادة ما اسخر كثيرا من الكتابات التي تؤرشف للحب، او تتسول حضور قراء يجبرهم فقرهم العاطفي على التعويض بالتهام الكتب والروايات العاطفية، حتى انني أقرأ كل شيئ لشكسبير عدا روميو وجولييت لكثرة ما استهلكت مثل علكة قديمة، حين لمحت كتاب (ظلالهن على الارض)….. لحسن مطلك
تأملت العنوان قليلا، و قرأت العبارة التالية:
(هكذا لا فرق بيني وبين ما افكر به…….. بما انني سقت نفسي بقسوة الى الاعتراف بعدم الكذب. انا والكتابة شيئ واحد)!
حسن يتبرأ من موهبة معينة بشكل خاص أي الكذب، بما ان كل كاتب وشاعر هو بالضرورة كاذب فطري موهوب، لكنه يتوحد مع الماهية القصوى لذلك الفعل أي الكتابة، لقد ملكني كقارئة عند جملة انا والكتابة شيئ واحد ولذلك لم استطع الفكاك نهائيا ليس فقط لأنني اتعاطف مع فعل الكتابة، بل لأن حسن يتيم العالم ليس له أبا غير الحرف، وحتما حين نتوحد في مطلق شيئ محدد فنحن نتيتم من كل شيئ عداه، ولا نرضى بغير تلك الأبوة المستحيلة!
الظلال خفوت محسوس وحاضر، والأرض تجسيد للشساعة فكيف يقبض ظل امرأة على الكرة الارضية هكذا الا اذا كان من ابتداع كاتب تماهى كليا مع كلماته، حد أنه أتخذها له كظل أبدي بحيث لم نعد نعرف الحدود التي قد يتبخر عندها الواقع ويبدأ فيها الحلم بالهطول!
كانت ستكون مذكرات هذا الرجل العاشق عادية لو انه أراد لها ذلك ولكنه وأراهن بكل قوتي على الرهان..
أراد أن يوجه صفعة حارة وحارقة لكل من تسول له نفسه، ان يرى الحب كما نراه اليوم او نكتب عنه ونحلم به اليوم ، شهوة فارغة تستنجد بالخيال الفضائحي والكلمات الاكثر ذلا كي تعطيها زخم الاستمرار، ولهاث مبني على فقر… إحساس وتدني او علو مستوى ادراك نظرة الجنس للجنس الاخر، وأحيانا مافياوية عاطفية دفينة في امتلاك اخر قلب يدق من اجلنا. لا ليس هذا الحب ولن يكون.
يقول حسن:
(لم افكر بالرضا إذا ما اصبحت مجرد مسطر حروف)
(جاءت تلك المعجزة فدخل الجمال كله الى الغرفة، ذهبت تلك المعجزة فخلفت سحابة من عطر، وبين المجيئ والذهاب سنوات من الشفاء والتخلي والحرية، إنها رعشة جسدية وضعت العاطفة في اكواب)!
(تناولنا قبلة…….سحبت نفس التاريخ)!
(اكاد اسمح لنفسي ان تعوم في هذا الهواء السلس والمتوتر، أن تكون مشروع لحلم إمرأة،واقول: إنني كنت محتاجا جدا بأن أٌستخدم هكذا بلا أية عوائق، وبلا شفقة على نفسي، وأن أغطس في الانهيار منقادا ومستسلما بكيفية تنتمي الى الهيولي إلى اللامحدود… انتزاع كل ثألول تاريخي كل ذكرى معاندة، ذلك أن العطر الأنثوي كان يدور حول الجسد من الخارج ولا يلمسه)
(حين ذهبت شعرت بأنني فقدت احد اعضائي)
كتاب حسن مطلك إذن:
هو لاهوت متكامل عن الايمان والمحبة والبغض والغيرة والالم كبطل في حياتنا،الصراعات المحيرة للانسان، ولصاحب العقل الذي لا يهدأ، فالأذكياء غالبا، أناس يعيشون دوما في دوامة المعاناة القسرية، والعواطف البركانية، انه دليل جوعى الحب إلى الإشباع، ودليل الشك الى اليقين، أنه الصديق الأغلى في ليالي القحط العاطفي وغبار طلع الأحزان
وهو عن محنة الكتابة والحرية وسطوه الضمير المثقوب برصاصة العرفان، وما يجره من ويلات على صاحبه الهزيل.. عن القرى النائية في الفجر وجماليات الاستيقاظ عن طريق عصفور وعن بهجة الطين وممرات الكليات المعتمة والحبيبات اللواتي لا يذكرهن كما تذكر الحبيبات العاديات هن لسن حبيبات بل حيوات كاملة متكاملة!
يقول حسن:
(لم أنس عندما جلست على سطح بيت مهجور، في جبهة الحرب، في مكان لصيق بمياه شط العرب، المكان أشبه بشرفة معلقة في الهواء تطل على غبار العجلات المدرعة، وكانت أسرة الجنود تتشمس في ممرات غابة النخيل أو أوحي إلي أنني ألمس نينوى بأصابعي، وان رائحة المطر تتسرب إلي، في اليوم التموزي الأحمر، أزقة الحارات القديمة، حيث دجلة يشق المدينة عنوة لكي يفصلني عنها، وذهبت الى الشتاء الماضي، لأتسلى بانفجار فقاعات الهواء على سطوح غدران الماء)
كتاب عن الحياة حين تنقلب من مفهوم بارد الى دم ولحم، الحرقة والايمان والفخر بالوقوع بالحب، اشياءنا الصادمة حين نكتشف في انفسنا شايلوك تاجر البندقية اللئيم حين نضغط على عشاقنا ليبعونا مالا يقدرون عليه، ارضاءا لنرجسيتنا النهمة
حسن الذي لا يحب المراة التي تهزم وتذوب وتتوحد بل التي تنفصل بجدارة وتكون مستقلة حتى بالحب المجنون
إذ أن الحرية هي أصل كل ما هو خالد وجميل وصحيح!
يقول:
(رميت عنها حمل الماضي……. زرعتها في الثقة مباشرة…… قربتها الى الأمان)
(يكفي ان أغمض عيني، أنا مذنب بما انني رجل، ياللخسارة، لقد اضعنا ثقة الله ومسحنا المرأة بشهوة الدم وأقفال صناديق الزينة ورنين يوم العرس).
(لم يحدث ما حدث لي لو لم تتحداني براءتها)
(يا ربي، إنني أحبها بجنون لا يباح لأحد)
(لا بأس، عودي إلى قطيع الناس، وتزوجي وتقبلي الصفع والكلمات الجارحة، وانجبي الأطفال…ثم هيئي لنفسك كرسيا ذا عجلات لكي تكوني جدة عتيقة، مثل كبرى شجرات الزيتون)
هو كتاب عن تراجيديا الفتات من الحياة، عن أن اصغر اللفتات والضحكات واللمسات قد تخلق عظمة الكائن او سقوطه المدوي.
يقول:
(لم نعد من سكان هذه الأرض المصبوغة بالدم…… إننا من كوكب آخر لا تعني لديه كلمة موت أكثر من نكتة فارغه تثير الضحك)
(إن غرورها يبدأ،حين تقتل غروري)
(لا تعرف انها نظيفة بينبوع طيبتها، وان سلاستها سلاسة النافورة)
(قال أحد الأصدقاء لي…….إنك بحاجة لأمراة كبريت)
حسن الذي فهم عناصر الطبيعة الموجودة في ارض النساء من الذهب الى الكبريت، كاتب سحبني طوعا وبابتسامة لأخوض في الروعة النقية كطفل يتقلب سعيدا في الوحل، مطمئنا الى ان الكلمات هي من تجعل هذا العالم الموحش بيتا حميما أزليا ادخلني طوعا، الى الرؤى الشائكة والحريرية الملمس عن ان الحياة كلمة، والكتابة خلود، وقد فهمت بعد ذلك تماما لم مات حسن مطلك!
السياسة والديكتاتوريات والإنقلابات والمشانق لم تكن سبب موته الرئيسي بل الثانوي، رغم ان هذا الترتيب لا يعفيها من الجريمة المطلقة، بل الحرية التي قايضها حسن بالحياة تحت التراب، هي السبب!
كلمة أخيرة:
انني افهم تماما.. والان، ومن بين أنياب الأسف على غيابك ومتعة قراءة حرفك الحساس يا صديقي حسن، ان ما تخطه الروح الوثابة الرابضه كالشمس في نواحي الافق، لا يمكن وبأي حال ان يمحو اثارها دود المقابر، إذ ان الشمس عمليا لا تغرب بل الارض الجاحدة التي نحن عليها هي التي تدير ظهرها للنور!
إنني أكرر قراءتك يا صديقي كما تكرر المقبرة روادها ولا أمل ولا امتلئ، انما تجتاحني الحيرة المجيدة والعنفوان الصارخ، والرغبة في ان اصبح إمراة اخرى لا جلد لي سوى حريتي وبلا ملامح كالصدق، روح لا يمكنها المضي والتطهر بغير الأنغماس المطلق بالمسالم وبالبهي من الأرواح!
أنني أراك بهيا حتى في الإغماضة الاخيرة للمشنقة، ونقيا مثل ينبوع نئى عن السيول، وحارسا لبوابة الحرف والعاطفة.. والحراس لا يموتون، يبقون شيئا من خوفهم وشكهم وبكائهم عند العتبات دوما………
لن امنع نفسي من الحب، لكن ليس قبل الوله بالحرية، التي قايضتها انت ببرود الطريق الآخر.. البعيد، حيث رحلات القلب، التي لا تنتهي بزمن ……. بل بيقين.
وصدقني حين أقول، لم أكن أعرف، أن هناك رجالا يشبهون الأبد بحد ذاته، إلا حين قرأتك!.

إيناس عبدلله

شاهد أيضاً

إستشهاد فتاة بزعم محاولتها تنفيذ عملية طعن على حاجز قلنديا

شفا – أعلنت وزارة الصحة استشهدت سيدة فلسطينية، صباح اليوم الأربعاء، إثر إصابتها برصاص الاحتلال …