3:35 مساءً / 16 سبتمبر، 2019
آخر الاخبار

كعك العيد تراث عربي صمد في وجه محاولات طمس التاريخ

شفا – كتب د ناصر إسماعيل اليافاوي – رغم قسوة الحياة وكثرة الفقر في غالبية المجتمع العربي، إلا أن العرب لا زالوا يحتفظوا بتراثهم وتقاليدهم الرائعة التي كتبوها عبر المديد من العصور، ليعلن رغم النائبات والتداخلات أن العربي لا زال متمسكا بتاريخه وجذوره، ومن هذه الشواهد على صحة زعمنا هو موسم صناعة كعك العيد التي نشم رائحته الفواحة في كافة بيوت العرب تقريبا، ولا سيما في مصر وفلسطين، وفى كافة البيوت الميسورة منها والفقيرة، واستكمالات لحلقات كنا كتبناها حول تراثيات رمضانية، ارتأينا أن نكملها اليوم بكتابة تاريخية عن كعك العيد

الكعك في عصور ما قبل الإسلام
كانت البداية الحقيقة لظهور كحك العيد منذ ما يقرب من خمسة آلاف سنة تحديدا أيام الفراعنة القدماء، فقد اعتادت زوجات الملوك على تقديم الكعك للكهنة القائمة لحراسة الهرم خوفو في يوم تعامد الشمس علي حجرة خوفو، وكان الخبَّازون في البلاط الفرعوني يتقنون صنعه بأشكال مختلفة مثل: اللولبي والمخروطي والمستطيل والمستدير، ووصلت أشكاله إلى 100 شكل نُقشت بأشكال متعددة على مقبرة الوزير “خميرع” من الأسرة الثامنة عشر، وكان يُسمى بالقُرص حيث كانوا يشكلون الكعك على شكل أقراص على شكل تميمة الإلهة ( ست ) كما وردت في أسطورة إيزيس وايزوريس، وهي من التمائم السحرية التي تفتح للميت أبواب الجنة، وكانوا يتقنون بتشكيله بمختلف الأشكال الهندسية والزخرفية كما كان البعض يصنعه على شكل حيوانات أو أوراق الشجر والزهور، وكانوا يرسمون على الكعك صورة الشمس الإله رع مما يؤكد أن صناعة الكعك امتداد للتقاليد الموروثة فهو لازال على نفس هيئته حتى الآن..

دلائل من التاريخ القديم
واكتشفت صور لصناعة كعك العيد تفصيليًا في مقابر طيبة ومنف، من بينها صور على جدران مقبرة (خميرع) من الأسرة الثامنة عشر، التى تشرح أن عسل النحل كان يخلط بالسمن، ويقلب على النار ثم يضاف على الدقيق ويقلب حتى يتحول إلى عجينة يسهل تشكيلها بالأشكال التي يريدونها، ثم يرص على ألواح الإردواز، ويوضع في الأفران كما كانت بعض الأنواع تقلى في السمن أو الزيت، وأحيانا كانوا يقومون بحشو الكعك بالتمر المجفف (العجوة)، أو التين ويزخرفونه بالفواكه المجففة كالنبق والزبيب، ووجدت أقراص الكعك محتفظة بهيئتها ومعها قطع من الجبن الأبيض وزجاجة عسل النحل..

وعندما زار هيرودوت مصر في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد تعجب؛ لأن المصريين يمزجون عجين الكعك والخبز بأرجلهم في حين يمزجون الطين بأيديهم ..

الكعك في التاريخ الإسلامي

في عهد الطولونيين من سنة 868م لسنة 904م.
ويذكر التاريخ الإسلامي أن تاريخ الكعك يرجع إلى الطولونيين الذين كانوا يصنعونه في قوالب خاصة مكتوب عليها “كل واشكر”، وقد احتل مكانة هامة في عصرهم، وأصبح من أهم مظاهر الاحتفال بعيد الفطر

في العهد الاخشيدى
(323-358هـ/935-969م)
أما فى عهد الدولة الإخشيدية كان أبو بكر محمد بن علي المادراني) وزير الدولة الإخشيدية صنع كعكا في احد أعياد الفطر، وحشاه بالدنانير الذهبية، وأطلقوا عليه وقتئذ اسم ‘أفطن إليه’ أي انتبه للمفاجأة التي فيه، ولكن تم تحريف الاسم إلى “انطونلة”، وتعتبر كعكة “أنطونلة” أشهر كعكة ظهرت في هذا الوقت وكانت تقدم في دار الفقراء على مائدة (200 متر وعرضها 7 أمتار

في العهد الفاطمي
1171- 909
وفى عهد الدولة الفاطمية كان الخليفة الفاطمي يخصص مبلغ 20 ألف دينار لعمل كعك عيد الفطر؛ فكانت المصانع تتفرغ لصنعه بداية من منتصف شهر رجب، وملأ مخازن السلطان به، وكان الخليفة يتولى توزيعه بنفسه. ويذكر أن مائدة الخليفة العزيز الفاطمي يبلغ طولها 1350 مترًا وتحمل60 صنفًا من الكعك والغريبة، وكان حجم الكعكة الواحدة في حجم رغيف الخبز، وأطلق على عيد الفطر “عيد الحُلل” لأنه كان يُخصص 16 ألف دينار لإعداد ملابس لأفراد الشعب بالمجان، وخصصوا من اجل صناعته إدارة حكومية تسمى دار الفطرة، كانت تقوم بتجهيزه وتوزيعه، وكان الشعب يقف أمام أبواب القصر الكبير عندما يحل العيد ليحصل كل فرد علي نصيبه واستمر هذا التقليد حتى أصبح حقا من حقوق الفقراء ..

ومن أشهر من صنعت كعك العيد هي ‘حافظة’ التي كانت تنقش عليه عبارات مختلفة مثل تسلم ايديكي ‘يا حافظة’ أو ‘بالشكر تدوم النعمة’. ولم يكن يأكل منه إلا المحظوظون من ضيوف الخليفة، ومن أفضل المظاهر على الإطلاق، أوقاف البر والإحسان التي كان يصرف من ريعها علي صنع الكعك وتوزيعه علي الفقراء في عيد الفطر واليتامى،
ومن أشهرها وقفية الأميرة ‘نتر الحجازية’ والتي تقضي علي توزيع الكعك الناعم والخشن علي موظفي مدرستها التي أنشأتها عام 748هـ

في العهد الأيوبي
(1169 – 1260 )

وقد حاول صلاح الدين جاهداً القضاء على كل العادات الفاطمية ولكنه فشل في القضاء على عادة كعك العيد وباقي عادات الطعام التي ما زالت موجودة إلى اليوم، واستمرت صناعة الكعك وتطورت بعدهم في العصر المملوكي

في عصر المماليك

(1250- 1517م
واهتم المماليك أيضاً بصناعة كعك العيد ويقدمونه الى الفقراء والمتصوفين وكانوا يعتبرونه صدقة،

واهتموا بتوزيعه على الفقراء، ، واعتبروه من الصدقات، وتهادوا فيه بعيد الفطر

العهد العثماني

1516- 1917م
استمر المحافظة على صناعة الكعك في العصر العثماني، واهتم سلاطين بني عثمان بتوزيع الكعك في العيد على المتصوفين والتكيات والخانقات، المخصصة للطلاب والفقراء ورجال الدين،
وظل التراث العربي معبرا عن حاله حتى يومنا هذا وخاصة بمصر وبلاد الشام بحكم الارتباط الجغرافي والتاريخي ..

وفي متحف الفن الإسلامي بالقاهرة في مصر توجد قوالب الكعك عليها عبارات “كل هنيئًا واشكر” و”كل واشكر مولاك” وعبارات أخرى تحمل نفس المعنى .

تأسيسا لما سبق، نقول إن كنا حافظنا على تراثنا العربي ثابت، ألا بإمكاننا أن نحافظ على وحدتنا وثوابتنا، ونجمع أهدافنا في بوتقة واحدة، لنواجه الاحتلال والعولمة والاغتصاب لكرامتنا، فهل نحتاج إلى كعك من نوع آخر لنتلف حوله ؟ أم سننفض غبار التبعية والذل، هذا سؤال بت انتظر إجابته منذ عام 1961 م، زمن الانقلاب على الوحدة السورية المصرية

 

شاهد أيضاً

بالصور.. لجنة اللاجئين بحركة فتح ساحة غزة تنظم وقفات لدعم الأونروا

شفا – شارك المئات من المواطنين في وقفة أمام مقرات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل …