3:24 مساءً / 31 أكتوبر، 2020
آخر الاخبار

أردوغان وحکایة إنتهاء مدة صلاحیة معاهدة لوزان! بقلم : جبار قادر

أردوغان وحکایة إنتهاء مدة صلاحیة معاهدة لوزان! بقلم : جبار قادر

تغنی الکمالیون علی مدی القرن الماضي بالمکاسب الکبری التي تحققت لترکیا علی ید زعیمهم مصطفی کمال في معاهدة لوزان والتي عقدت بین الدول المنتصرة في الحرب العالمیة الأولی وترکیا المهزومة وذلك في تموز عام ١٩٢٣ بمدینة لوزان السویسریة. وکانت بنود المعاهدة حقا نصرا کبیرا للأتراك في ظل سیطرة القوی الإستعماریة الکبری المعادیة لهم علی المنطقة والعالم. کما أن الظروف الدولیة المعقدة التي سادت منطقة الشرق الأدنی کانت في تضاد مع طموحاتهم القومیة المشروعة وکذا أطماعهم التوسعیة العدوانیة. حدث ذلك في وقت کان السلطان/ الخلیفة العثماني، والذي یتغنی أردوغان وأتباعە بنظامە القروسطي المتهرئ دون أي إعتبار للمعطیات والحقائق التاریخیة المعروفة، قد إستسلم کلیا لمطالب القوی الإستعماریة الکبری وتحول هو وبابە العالي الی ألعوبة بأێدیهم.


یشیر أردوغان خلال خطاباتە الیومیة والتي یلقیها علی أسماع ڕعایاە في الداخل الترکي وخارجها الی حکایة هو إختلقها ولکثرة ما کررها بدأ یصدقها، الا وهي أن مدة صلاحیة معاهدة لوزان ستنتهي عام ١٩٢٣ و”ستتحرر ترکیا من القیود التي فرضتها علیها بنود تلك المعاهدة وعند داك ستعمل علی إستعادة أمجاد العثمانیین في العدید من دول الأقلیم”. یدغدغ عبر هذە المزاعم مشاعر القومیین والإسلامیین المتطرفین الأتراك. ویزین لهم أحلامهم التوسعیة وأطماعهم في أراضي الغیر ویؤکد بأن بلادهم ستدخل مرحلة جدیدة في تاریخها الملئ بالبطولات وستتحول الی قوة کبری یحسب لها ألف حساب علی صعید العالم وسوف لن تحل قضیة في المنطقة بل وفي العالم دون أن تؤخذ مصالحها القومیة بنظرالإعتبار.


یعمل أردوغان من خلال هذا الخطاب السیاسي الإنتهازي القومي المتشح بصبغة دینیة مزیفة الی تحقیق أغراض متناقضة. فهو یحمل من ناحیة مصطفی کمال وأنصارە مسؤولیة القبول ب”البنود المکبلة لحریة ترکیا وفقدان ولایات عثمانیة غنیة” بموجب بنود تلك المعاهدة. کما یتهمهم بأنهم قبلوا بهذە الجغرافیا الصغیرة المعروفة الیوم بالجمهوریة الترکیة، فترکیا، علی حد تعبیر أردوغان في أکثر من مناسبة، أکبر بکثیر من هذە ال (٧٨٣٥٦٢)کم٢ الحالیة. یکرر هذە العبارات والإشارات بصورة یومیة تقریبا وبطریقة عدوانیة تثیر شهیة الأوساط التوسعیة في ترکیا وتثیر مخاوف الشعوب المجاورة لها. الحدیث المتکررعن عام ٢٠٢٣ کعام لتصفیة الحسابات التاریخیة، خلق نوعا من البارانویا وتتحمل تأویلات عدیدة لدی عدد کبیر من الناس بأن ذلك العام سیشهد نهایة تلك المعاهدة وستتحرر ترکیا من أي قید یحد من نشاطاتها التوسعیة في سوریا، العراق، لیبیا والبحر المتوسط وغیرها، وسیکون النفوذ الترکي حاضرا في کل البلدان التي کانت یوما ما جزءا من الدولة العثمانیة.

ولکن هذا الخطاب یحمل في نفس الوقت في جنباتە إنتهازیة سیاسیة مقرفة لأردوغان وأتباعە، إذ یعمل في نفس الوقت لإرضاء القومیین المتطرفین الأتراك من الکمالیین وجماعات الذئاب الغبرمن خلال تمجید الذکری المئویة لقیام الجمهوریة الترکیة علی أیدي مصطفی کمال وأنصارە ویتعهد بأنە سیجعل منها دولة قویة یهابها ویحترمها الجمیع، وبذلك سیحقق أحلام الذین عملوا وضحوا من أجل تأسیسها. التناقض الصارخ في ‌هذا الباب یکمن في أن الخطاب السیاسي – الدیني لأردوغان وأتباعە یقوم علی التغني بالمیراث العثماني، بینما قامت الجمهوریة علی أنقاضها وعلی أسس مناقضة لها تماما. وهذا برأیي منتهی الإنتهازیة االتي یمارسها هذا الرجل. ولایخفی علی أحد بأن هذا الخطاب الذي یتبناە أردوغان یهدف في محصلتە النهائیة الی تقویض الأسس العڵمانیة التي قامت علیها الجمهوریة الترکیة عام ١٩٢٣. إذ لایخفی علی أحد أن الدستور الترکي الحالي والذي یحکم بموجبە أردوغان وحزبە البلاد منذ ١٨ عاما وفرضوا خلالها نمطا إسلامیا سیاسیا علی جزء کبیر من المجتمع الترکي، لایزال یتضمن حزمة الأسس والمبادئ العلمانیة التي تبناها مصطفی کمال وحزبە، حزب الشعب الجمهوري في العشڕینات والثلاثینات من القرن الماضي. و‌هذە الحقیقة تقض مضاجع الأردوغانیین الذین یحلمون بالتخلص نهائیا من ذلك الإرث العلماني الدکتاتوري الکمالي لیفرضوا دکتاتوریتهم السیاسیة – الدینیة الجدیدة بدیلا لها. هنا لابد من الإشارة الی مثال معبر عن هذە الحالة، فرغم حلم أردوغان بإطلاق تسمیة دینیة علی حزبە کالإخوان المسلمین مثلا، إلا أنە لایستطیع ذلك لأن الدستور یمنع تأسیس الأحزاب علی أسس دینیة أو عرقیة أو مناطقیة.


یستثمرأتباع أردوغان في الدول العربیة والإسلامیة هذا الخطاب الشعبوي للترویج له وإقناع أوساط واسعة من الناس بصحته وذلك في تناقض صارخ مع الحقائق التاریخیة المعروفة. ولا یقتصر هذا علی الأنصار فقط، بل أصیب حتی جزء من اللذین یعادون أفکارە بهذە العلة وصدقوا الحکایة ورکبهم الخوف والقلق من هذا السلطان الشبح.
لا تستند هذە الأسطورة علی أي أساس قانوني أو تاریخي، فنصوص معاهدة لوزان منشورة في المئات من المصادر التاریخیة الرصینة وبمختلف اللغات، کما یمکن الإطلاع علیها في العدید من المواقع علی الشبکة العنکبوتیة العالمیة، مع ذلك تری عددا کبیرا من الناس یصدقون هذە الأکذوبة ویقومون بنشرها والدعایة لها أو ضدها. لعن اللە التطرف والتزمت الآیدیولجی، الدینی، المذهبی، القومی…الخ فهو یعمي الإنسان من رؤیة الحقیقة. لعل هذە الحکایة المختلقة تمثل نموذجا صارخا لهذە الظاهرة المدمرة.
تتألف معاهدة لوزان من ١٤٣ مادة ولا تشیر في جمیع موادها بکلمة واحدة الی موعد إنتهاء صلاحیة المعاهدة. کما أن جمیع الوثائق الملحقة بها والمتعلقة ببنودها من إتفاقیات، بروتوکولات، ملاحق ومواثیق لاتشیر الی شئ من هذا القبیل. وبعکس ما یشاع بأن هناك مواد سریة لم تنشر، لا توجد أیة مادة سریة لهذە المعاهەدة. لایعقل أن تبقی مواد سریة لمعاهدة وقعت علیها دول عدیدة وصادقت علیها برلماناتها وتناولتها الصحافة في حینها وأصبحت مادة للدراسات التاریخیة علی مدی قرن من الزمان. الأنکی من ذلك أن النظام الدولي الذي کان سائدا آنذاك ونقصد بها نظام عصبة الأمم قد زال من الوجود وحل محلها نڤام جدید بعد الحرب العالمیة الثانیة عندما تأسست منظمة الأمم المتحدة دشنت معها مرحلة جدیدة من العلاقات الدولیة وورثت المنظمة الجدیدة بطبیعة الحال مجمل العهود والمواثیق السابقة. هل یعقل أن لا یفکر الناس بکل هذە المعطیات ویسیرون خلف دعایات سیاسیة مغرضة. في العادة تشیرالإتفاقیات والمواثیق التي توقع بین دولتین أو أکثر الی طریقة تجدیدها أو إعادة النظر في بنودها أو إلغائها أو إنسحاب طرف أو أکثر منها، إلا أن شئیا من هذا القبیل لا یوجد في مواد معاهدة لوزان، وهذا أمر مفهوم، إذ أن إنهاء حرب کونیة وتثبیت مبادئ السلام وفرض نظام دولي جدید لا تبنی علی أسس وقتیة قابلة للتلاعب بها من قبل الدول والکیانات المارقة.
تصوروا معي کم من الدول والإمبراطوریات زالت من الوجود مع نهایة الحرب العالمیة الأولی وکم من الدول والکیانات السیاسیة الجدیدة ظهرت علی الخارطة الدولیة منذ ذلك الوقت؟. کم من الکیانات السیاسیة یجب أن تمحی من علی الخارطة وفق هذا الخطاب الدیماغوجي؟ وکم من الإمبراطوریات المنقرضة یجب بعث الحیاة فیها من جدید؟ وکم من الإتفاقیات الدولیة والأحلاف والمواثیق المنظمة للشؤون العالمیة یجب أن تلغی أو تعاد صیاغة بنودها ؟. فوفق هذا السیناریو الخیالي یجب أن یعدل کل هذا لأن سلطانا نرجسیا جدیدا ظهر في آسیا الصغری ویحلم بتزعم العالم الإسلامي من جدید. في حالة واحدة فقط یمکن أن یجري تغییر بعض الأمور في منطقة الشرق الأوسط، ونقصد بذلك إندلاع حرب کونیة جدیدة تکون ساحتها الرئیسیة بلدان هذە المنطقة.
لو کانت ترکیا تملك قوة عسکریة وإقتصادیة کبیرة وتستطیع فرض شروطها عڵی الدول العظمی لکان بإمکانها طبعا المطالبة بإعادة النظر ببنود معاهدة لوزان قبل نصف قرن أوأقل أو أکثر من ذلك وتفرض صیاغة بنودها بالطریقة التي ترغب فیها، إلا أنها لم تملك مثل تلك القوة ولاتملکها الآن لتفرض ما ترغب فیە علی الدول العظمی. إمکانیات ألمانیا أو الیابان الإقتصادیة والسیاسیة أضعاف إمکانیات ترکیا فرضت علیهما شروط جد قاسیة بعد الحرب العالمیة الثانیة، لا الحرب العلامیة الأولی أي قبل ٧٥ عاما لا مائة عام تقریبا، لم تطالبا بتغییر بنود الإتفاقات التي أنهت الحرب کما لم تحاولا التملص من تنفیذ بنودها حرفیا من خلال التهدید بالقوة أو الخطب الشعبویة والشعارات الرنانة.
یبدو أن الهدف من هذە الدعایات الأردوغانیة وأتباعە هو خلق دکتاتور جدید تحت عباءة خلیفة المسلمین في الشرق الأوسط وإشغال شعوبها المغلوبة علی أمرها بجولات أخری من الخراب والدمار بعد حروب القاعدة وداعش والملیشیات الدینیة من مختلف الأصناف.

شاهد أيضاً

اجهزة السلطة تغتال القيادي البارز في كتائب شهداء الاقصى حاتم ابو رزق بمخيم بلاطة شرق نابلس

شفا – افادت مصادر خاصة باغتيال الاجهزة الامنية للقيادي البارز في كتائب شهداء الاقصى والاسير …