
شتاء غزة الأول: حين تتحول الغيمة إلى اختبار قاسٍ للكرامة الإنسانية ، بقلم : منى سامي موسى
ما إن هطلت أولى زخات المطر إيذاناً ببدء فصل الشتاء، حتى سقطت الأقنعة وبانت سوءات الواقع الإنساني المأساوي في قطاع غزة. لم يكن الشتاء هذا العام ضيفاً ثقيلاً فحسب، بل كان عاصفة اجتاحت ما تبقى من مقومات الصمود البشري، لتتحول الشوارع والخيام في ساعات معدودة إلى برك من الوحل والمياه، ولتتجسد المعاناة بأقسى صورها مع إعلان حالة الطوارئ القصوى في قلوب عائلات بأكملها وجدت نفسها بلا مأوى آمن.
في الليلة الأولى للعاصفة، غرقت الخيام تماماً وتسللت المياه الباردة لتغرق الفراش والأغطية، وبات الأطفال وهم يرتجفون من البرد والقهر، بعد أن غمرتهم المياه وصاروا يصارعون البلل والبرد القارس. أما من حظي بسقف جدارٍ بدل الخيمة، فلم يكن حظه بأفضل حال؛ فالبيوت المتداعية أصلاً بفعل الدمار السابق لم تتحمل رعداً ولا ريحاً، فانهارت على ساكنيها مع أول اختبار حقيقي للطقس، ليجد الجميع أنفسهم في العراء بالشارع، لا يعرفون إلى أين المفر ولا كيف يحمون أطفالهم.
لقد طارت الرياح العاتية بكل ما يملكون، وتطايرت الأشجار فوق خيام النازحين، لتكشف مجدداً عن هشاشة الحلول المؤقتة التي تقدمها المؤسسات والجهات الإنسانية مع كل موسم شتاء. فكل عام، تتكرر الاسطوانة ذاتها؛ تدخلات إسعافية آنية، توزيع خيام بالاستزادة، وفرشات وحرامات تُعد كمسكنات مؤقتة، لكنها لا تكاد تصمد أمام شتوية واحدة حتى يغرق كل شيء ويتبدد في مهب الريح.
إن هذه الدورية القاتلة من المعاناة تعيد العائلات إلى نقطة الصفر مراراً وتكراراً؛ لتجد الأسرة الواحدة نفسها مطالبة باحتياجات كفيلة بإعادة تأسيس حياتها من الألف إلى الياء: من مأوى حقيقي، إلى أغطية جافة، وملابس، وخدمات أساسية معدومة.
إن ما يجري يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الحلول الترقيعية وتوزيع المساعدات الموسمية المحدودة قد استنفذت أغراضها ولم تعد تفيد شيئاً. إن غزة بحاجة ماسة وخطيرة إلى تدخلات جذرية واستراتيجية واسعة النطاق، تسبق هطول المطر لا أن تأتي متأخرة على وقع الكارثة. تتطلب المرحلة خطط طوارئ حقيقية، وبنى تحتية واقية، ومساكن إيوائية صالحة ومقاومة للطقس تحفظ للإنسان كرامته وحياته، قبل أن تحصد البرودة والرياح ما تبقى من أرواح الأطفال والآمنين.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.