11:58 صباحًا / 6 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

الإبداع اللبناني المعاصر حوار الحبر والزُرقة: رحلة في كوامن الحرف مع الشاعرة لينا ناصر

شفا – الإبداع اللبناني المعاصر
حوار الحبر والزُرقة: رحلة في كوامن الحرف مع الشاعرة لينا ناصر- ج 1
حوار:عطا درغام:


في زمنٍ يضج بالآلية وتتشابه فيه الأصوات، يأتي صوت الشاعرة اللبنانية لينا ناصر كحالة انسيابية خاصة؛ تجمع بين عاطفة وجدانية جارفة وبين وعي حاد ببنية النص. هي لا تكتب لتملأ بياض الورق، بل لتعيد رسم ملامح المشاعر الإنسانية، فتجعل من “القلب أزرق” تارة، ومن “الحب في زمن الحرب” وثيقة بقاء تارة أخرى. في هذا الحوار، نبتعد تماماً عن كواليس البدايات التقليدية، لنعبر مباشرة إلى مطبخها الشعري، ونفك طلاسم الحرف والروح في قصائدها.

المحور الأول: سيكولوجية اللون والرمز (قراءة في نص “حين صار قلبي أزرق”)
1.في نصكِ الشهير ربطتِ بين تحول القلب إلى “اللون الأزرق” وفلسفة الحب؛ لماذا اخترتِ الأزرق تحديداً رغم رمزيته الباردة أو السماوية، ولم تذهبي للرماد أو السواد للتعبير عن الخذلان أو التغير؟
لم أختر اللون الأزرق بدافع الخذلان أو رغبةً في التعبير عن التغيّر، كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ وكما ورد في سؤال حضرتك كما أظن أن القناعة التي منحت الحب اللون الأحمر هي نفسها التي جعلت الأزرق محاطًا بهذه الرمزية الباردة، لكنني حين ذهبت إلى الأزرق كنت أنطلق من رؤية مختلفة تمامًا.
أردت أن أمنح الحب لونًا يشبه اتساعه، ويليق بماهيته الأولى قبل أن تتدخل التجارب في تشكيله وقبل أن تثقل روحه خيبات الحياة وتأويلاتها.إذا عدنا إلى الحب في طفولته الأولى إلى براءته حين يكون الشعور خالصًا من الحسابات، وسألنا طفلًا: كم تحبني؟ قد يجيبنا بعفوية:( قد البحر، أو قد السماء) وهذه العبارة التي نسمعها كثيرًا في لهجتنا اللبنانية تختصر في بساطتها فلسفة عميقة فالطفل لا يقيس الحب بقدر القلب، ولا بكمية الدم، ولا يربطه بلون محدد، بل يستعين بالبحر والسماء، لأنه يرى فيهما اتساعًا لا يُحاط به، وعمقًا لا يُستنفد، وأفقًا لا تقف عنده الحدود…
من هنا جاء اختياري للأزرق. فالسماء زرقاء، والبحر في امتداده الأزرق يشبه ذلك الشعور الذي لا تكفيه المقاييس، ولا تستوعبه الكلمات. رأيت في هذا اللون مساحةً تتسع للحب بدل أن تحصره في رمزية جاهزة، ورأيت فيه قدرةً على احتواء ما لا يمكن للعاطفة أن تختزله..لم أرد للأزرق أن يكون نقيضًا للأحمر، ولا أن يكون إعلانًا عن انطفاء الحب أو برودته أردته أن يكون انتقالًا من لون الشعور إلى فضائه، من حرارة التعبير عنه إلى رحابته..أردت تخليصه من حدود الرمز إلى ما لا تحدّه الرموز…
فالحب في تصوري لا يُقاس بشدة اشتعاله وحدها،إنما بما يملكه من قدرة على الاتساع والاحتواء. ولهذا اخترت الأزرق، لأنني أردت أن أرى الحب كما يراه طفل حين يفتش عن أكبر ما يعرفه في هذا العالم ليصف به شعوره فيجد البحر والسماء، ويمنحنا من حيث لا يدري تعريفًا للحب يتجاوز كل الألوان.
2.هل يمثل “القلب الأزرق” في قصيدتكِ حالة تصوّف وزهد في العاطفة، أم أنه إعلان عن ولادة عاطفة جديدة تجاوزت المفهوم التقليدي للحب؟
لا يمكن لقلب يرى الحب باتساع السماء وعمق البحر أن يزهد فيه أو ينسحب من رحابته إلى برودة العاطفة التي يُتَّهم بها اللون الأزرق. فالأزرق في رؤيتي لم يكن لونا للانطفاء، ولا ستارًا أخفي خلفه خيبةً أو انسحابًا وإنما أراه مساحةً أعدت فيها اكتشاف الحب خارج حدوده المألوفة….أنا لا أرى في القلب الأزرق قلبا تخلص من الحب ربما أراه قلبا تحرّر من القوالب التي اعتاد الناس أن يحاصروه داخلها. قلبًا لم يعد يقيس الحب بحرارة الاشتعال وحدها ولا يختزل صدقه في اللهفة والاحتراق، بل يراه في قدرته على الاتساع، وفي عمقه الذي لا تستنفده التجارب، وفي أفقه الذي لا تصادره المسافات.ومن هنا، أعلن بكل ثقة ولادة جديدة للحب عبر اللون الأزرق أو بمعنى أكثر دقة إحياءه عبر فتح آفاق أخرى أمامه يتجاوز فيها اللون دلالته التقليدية، ويتحوّل من مجرد رمز إلى رؤية فلسفية للعاطفة دون أن تنفي ما عرفناه عنه.فإذا كان الأحمر قد عبّر عن الحب في اشتعاله، فإن الأزرق عندي يعبّر عنه في امتداده. وإذا كان الحب قد عُرف بحرارته، فإنني أردت أن أكتشفه في سعته أيضًا لأن بعض المشاعر لا تحتاج إلى أن تحترق كي تثبت وجودها، يكفيها أن تكون عميقة إلى الحد الذي لا تستطيع فيه الأشياء العابرة أن تبلغ قاعها.إن القلب الأزرق، كما أردته في نصي قلب يجرؤ على منح الحب تعريفًا جديدًا، ويعيده إلى صورته الأولى، حيث لا حدود لما نشعر به، ولا مقاييس لما نستطيع منحه، تمامًا كما يرى الطفل الحب بحجم السماء، وبعمق البحر.
3.إلى أي مدى تخدم الألوان في نصوصكِ الحالة النفسية لكِ كشاعرة، وهل تعتقدين أن القارئ يلتقط الرمز اللوني كما أردتِ صياغته تماماً؟
أجمل مرحلة يمرّ بها النص، في رأيي، هي مرحلة التأويل، حين تتعدد القراءات وتختلف الرؤى من قارئ إلى آخر. فعندما أكتب، أكون صاحبة القرار في اختيار لغتي وأسلوبـي، وفي بثّ شيء من روحي داخل النص وفق الرؤية التي أريدها له. لكن ما دام النص في عهدة قلمي وقرطاسي، فإنه يبقى ضمن دائرتنا الثلاثية الضيقة: أنا، والقلم، والنص. وما إن يغادر هذه الدائرة إلى فضاء القرّاء الرحب، حتى يصبح كيانًا مستقلًا، تتعدد فيه الاحتمالات وتتوالد المعاني، ولا يعود من حقي أن أفرض على القارئ زاوية واحدة للرؤية، أو تأويلًا واحدًا للرمز.ويسعدني جدًا أن أرى اختلافًا في وجهات النظر والقراءات، وأفرح حين أجد تأويلًا مغايرًا لما قصدته لحظة الكتابة فقد يرى بعض القراء زوايا خبيئة لم تخطر لي على بال، أو يضيئوا في النص مساحات لم أكن واعية بوجودها أثناء الكتابة. وهنا تكمن دهشة الأدب وجماله، في أن يتجاوز النص صاحبه، وأن يصبح لكل قارئ نصّه الخاص الذي يولد من تفاعله مع الكلمات، ومن تجربته ورؤيته للعالم.أما الألوان، فأرى أن اللون المادي الملموس يسبقه لون معنوي، يشبه بصمة الإصبع التي تميّز كل كاتب عن سواه. إنه لون خفيّ يتشكّل من رؤيته للعالم، ومن حساسيته تجاه الأشياء، ومن طريقته في التقاط التفاصيل وإعادة تشكيلها باللغة. هذه البصمة هي التي تمنح النصوص هويتها، وتضع لونها الخاص على ملامحها، حتى قبل أن يستعين الكاتب بأي لون محسوس أو رمز بصري.أما حالتي النفسية، فهي تتأثر تلقائيًا بكل حالة أكتبها، لأن الكتابة في جوهرها تفاعل حيّ مع المشهد الذي يتخلّق في داخلي، لكنها لا تتحكم بقلمي ولا تملي عليّ حدود ما أستطيع كتابته. فالشاعر قد يكتب الفرح وهو غارق في الحزن، وقد يكتب الحرمان وهو في حالة اكتفاء، وقد يرسم سماءً مضيئة فيما تعبر روحه عتمتها الخاصة. وهنا يكمن ذكاء الشاعر وقدرته الإبداعية، في أن ينقل إلى القارئ الحالة التي يرسمها بمخيلته، لا بالضرورة الحالة التي يعيشها في واقعه.
فالكتابة ليست دائمًا مرآةً مباشرة لحياة الكاتب، قد تكون نافذته إلى عوالم لم يعشها ومشاعر لم يختبرها بالصورة ذاتها، واحتمالات تتجاوز حدود تجربته الشخصية. ولهذا لا أرى اللون في النص انعكاسًا آليًا لحالتي النفسية بل أراه اختيارًا فنيًا وجماليًا، يتداخل فيه الوعي بالحدس، والتجربة بالخيال حتى يولد النص بلغته اللونية الخاصة.
4.الانتقال من أحمر العاطفة القاني إلى أزرق الغياب؛ كيف تصنع لينا ناصر هذا التحول المفاجئ في ذهن القارئ دون أن تصدم ذائقته؟
قبل أن أجيب عن كيفية الانتقال من أحمر العاطفة إلى أزرق الغياب، أجدني أمام تساؤل يسبق الإجابة نفسها: من الذي منح الأزرق صفة الغياب؟ وهل ترون في زرقة نصي، الحاضرة بحضور البحر واتساع السماء، غيابًا حقًا؟
كيف يغيب البحر، مثلًا، وهو الذي يظل في مكانه، محتفظًا باسمه وامتداده، مهما تبدّلت اليابسة من حوله؟ وكيف تغيب السماء، وهي التي لم تنفصل يومًا عن الأرض، حتى حين تحجبها الغيوم أو يعجز البصر عن إدراك مداها؟ أليس ما نحسبه غيابًا أحيانًا مجرد عجز عن الرؤية، لا غيابًا في الوجود؟
من هنا، أتساءل: بأي حق نختزل الأزرق في الغياب، ونحمّله دلالة قد لا تكون له في ذاته، بل ألبسته إياها قراءاتنا وتراكماتنا الرمزية؟ ولماذا نسلّم بأن الأحمر هو لون العاطفة، وكأن المشاعر خُلقت محكومةً بألوان ثابتة لا يجوز للخيال أن يعيد النظر فيها؟
أنا لا أتعامل مع اللون بوصفه حقيقةً مغلقة، بل بوصفه مساحةً مفتوحة للتأويل وإعادة الاكتشاف. فما يمنح اللون دلالته هو السياق الذي يحضر فيه، والرؤية التي تستدعيه، والروح التي تعيد تشكيله داخل النص. لذلك لم أذهب إلى الأزرق لأعلن غياب الحب بل لأعيد مساءلة الصورة المألوفة التي اعتدنا أن نرى الحب من خلالها.وثمة مفارقة أخرى تستوقفني كلما فكرت في هذه المسألة فعندما ننظر إلى الأوردة تحت الجلد تبدو مائلة إلى الأزرق، على الرغم من أن الدم الذي يجري فيها أحمر. والمفارقة هنا ليست دليلًا علميًا على أن الحب أزرق، لكنها تمنحني صورةً تأملية جميلة: ما يبدو لنا من الخارج قد يختلف عما يجري في الداخل، وما نراه ليس دائمًا مطابقًا لحقيقة ما نعرفه. ولعل هذه المسافة بين الظاهر والباطن هي إحدى المساحات التي يشتغل فيها الشعر، حيث يستطيع الرمز أن يفتح بابًا جديدًا للرؤية.لهذا أرى أن فكرتي عن الحب الأزرق ليست مجرد انزياح لوني من الأحمر إلى الأزرق لأنني أراها محاولة لتحرير الحب من احتكار الرموز التقليدية. فإذا كان الأحمر قد استقر في الوجدان الجمعي بوصفه لون العاطفة، فما الذي يمنعني من أن أرى الحب أزرق، ما دمت أراه اتساعًا يشبه السماء، وعمقًا يشبه البحر، وامتدادًا لا تستوعبه حدود؟
أنا لا أستبدل لونًا بآخر لكنني أطرح سؤالًا عن حقنا في إعادة تعريف الأشياء التي نظن أننا عرفناها بما يكفي. فالأزرق في قصيدتي هو لون الحب حين يتجاوز حدوده المألوفة، ويغدو أوسع من أن يُختصر في اشتعال، وأعمق من أن يُقاس بحرارة وأرحب من أن تحاصره دلالة واحدة،فأين الغياب فيه؟
5.هل يصح أن نقول إن “الزُرقة” في شعركِ هي معادل موضوعي للمسافات والامتداد الذي لا ينتهي، أم هي مجرد محطة قطار عاطفي مضى؟
كما سبق أن أوضحت، ولكيلا أكرر ما أسهبت في شرحه، أرى في الزرقة امتدادًا نقيًا للمشاعر، واتساعًا يتجاوز حدود المسافات ودلالات الغياب. إنها عندي ليست محطة قطار عاطفي مضى، ولا أثرًا باهتًا لحكاية انطفأت، بل فضاء تتجدد فيه المشاعر خارج الأطر التقليدية التي اعتدنا أن نحاصر الحب داخلها.
المحور الثاني: جدلية العاطفة والخراب (تحليل “الحب في زمن الحرب”)
6.في “الحب في زمن الحرب”، تصبح المشاعر مشوهة أو خاضعة لقوانين الطوارئ. كيف نجت قصيدتكِ من الوقوع في فخ “المنشورات الحماسية” لتبقى في إطار الوجع الإنساني الخالص؟
ثمة فرق بين أن أخبرك أن الحرب تقيد الحب وتشوه ما نعرفه عن المشاعر، وتعيد تشكيل ما يسبق الاعترافات من كبرياء وتردد وخوف، وبين أن أجعلك تشعر بكل ذلك من خلال حرفي.فبطبيعة الحال، نحن الذين عايشنا الحب في زمن الحرب ندرك تمامًا أن الحروب لا تدمر القرى وتردم البيوت فحسب، بل تمتد أحيانًا إلى أعماق الإنسان، فتهزّ يقينه وتربك مشاعره وتضع أكثر لحظاته حميمية تحت رحمة الخوف والاحتمالات المفتوحة على الفقد.لكن الإنسان تحت وطأة الحرب لا يتحول إلى صخر، ولا يفقد بالضرورة قدرته على الإحساس. بل قد تزداد مشاعره رهافة، ويصبح أكثر تشبثًا بما تبقى له من أسباب الحياة كأن الخراب وهو ينتزع منه الطمأنينة، يدفعه إلى البحث عن ملاذ صغير يحمي فيه قلبه من التوحش المحيط به.
من هنا لا أرى الحب في زمن الحرب مجرد عاطفة محاصرة بل فعلًا إنسانيًا يقاوم المحو ومحاولة لاستعادة الحياة من بين أنياب الموت. نحن لا ننتظر دائمًا أن تنتهي الحرب كي نحب، ولا نؤجل مشاعرنا حتى تستعيد الأرض سلامها بل نحاول أن نصطاد الفرص من خاصرة الحرب، وأن نقتنص من شقوقها لحظات نستودع فيها أرواحنا للحب كأننا نخبئ شيئًا من إنسانيتنا في مكان لا تطاله القذائف.ولعل ما جنّب نصي الوقوع في فخ المنشورات الحماسية هو أنني لم أتعامل مع الحرب بوصفها شعارا يُرفع بل بوصفها تجربة إنسانية بكل ما تخلّفه في الداخل من خوف وارتباك وحنين وتشبث بالحياة. لم يكن همّي أن أشرح للقارئ قسوة الحرب، بقدر اهتمامي بأن أضعه في قلب الشعور الذي تخلّفه وأجعله يلمس الحب حين تحاصره الاحتمالات الأكثر قسوة..
7- هل ترين أن الحرب تعيد صياغة قاموسكِ اللغوي، أم أن الشاعرة داخلكِ تحتفظ بمفرداتها الرقيقة كنوع من المقاومة ضد قبح الواقع؟
الوردة لا تغيّر لونها لأنها محاطة بالشوك، ولا تتخلى عن عطرها لأنها نبتت بين الصخور..فهل يُفترض بالشاعرة أن تغيّر مفرداتها كلما احتدمت الحرب، أو أن تتخلى عن رقتها كي تعبّر عن قسوة الواقع؟
أنا أؤمن أن اللغة لا تُقاس بمدى خشونتها بل بقدرتها على النفاذ إلى المعنى وإحداث الفرق. فأحيانًا تأتي كلمة صغيرة بنصل أشد حدّة من حدّ السيف، ويكون لموقف هادئ من القوة ما تعجز عن بلوغه خطابات الغضب الصاخبة. فلكل امرئ طريقته في المقاومة، ولكل منا موقعه الذي يخوض منه معركته مع الحياة.أما الشاعرة، فحتى حين تقرر أن تحارب بقصائدها، لا تحتاج إلى أن تتعرّى من رقتها، أو أن تتخلى عن أنوثتها، أو أن تستبدل قاموسها الخاص بلغة تستعير قسوتها من ضجيج الحرب. تستطيع أن تعبّر عن غضبها، وأن تدين الخراب، وأن تواجه القبح بموقف شعري حاد، من دون أن تفقد ذلك الخيط الخفي الذي يصل لغتها بجوهرها الإنساني والجمالي.
فالرقة ليست نقيض القوة، كما أن الأنوثة ليست نقيض المواجهة. وقد تكون الكلمة الرقيقة، حين توضع في موضعها الصحيح، أكثر إيلامًا للظلم من صرخة عابرة لأنها تكشف ما يحاول القبح طمسه في أعماق الإنسان.
لذلك، لا أرى أن الحرب مطالبة بإعادة صياغة قاموسي اللغوي بقدر ما أراها اختبارًا لقدرة هذا القاموس على احتواء ما يفيض به الواقع من وجع. قد تتغير نبرة النص، وقد تشتد عباراته، وقد يصبح أكثر توترًا وحدّة، لكن ذلك لا يعني أن أتخلى عن هويتي الشعرية. فالحرب قد تفرض موضوعها على القصيدة، لكنها لا تملك بالضرورة أن تملي على قلمي كيف يكون.
فأنا لا أقاوم قبح الحرب بأن أصبح نسخة لغوية منه،فالوردة لا تنتصر على الشوك بأن تصبح شوكة بل بأن تبقى وردة محتفظةً بلونها وعطرها رغم كل ما يحيط بها.
8_عندما تتبدل قوانين الإرتباط تحت وطأة الظروف الصعبة في نصوصكِ، هل تنحازين للمرأة كضحية مزدوجة (ضحية الحرب وضحية الفقد)، أم تتحدثين بلسان الإنسان المطلق؟
أنا لا أتعامل مع الإنسان من منطلق جنسه ولا أكتب انطلاقا من انحياز مسبق لامرأة أو رجل.. أحرص على التوجه دائما بلسان الإنسان إلى أخيه الإنسان…
فالظروف حين تشتد، لا تميّز بين صوت أنثى وصوت رجل، لكنها تعكس ما في داخلنا من هشاشة أو قوة وتكشف قدرتنا على الاحتمال أو العجز أمام الفقد..
لذلك لا أرى المرأة ضحية مزدوجة لمجرد كونها امرأة تواجه الحرب أو الفقد فإن كانت ضحية، فهي ضحية إنسانية أولا، لا علاقة لأنوثتها بالأمر فالحرب لا تسلب المرأة وحدها أمانها، والفقد لا يختار جنسا بعينه..
كما أن الضعف ليس صفة أنثوية، ولا القوة امتيازا ذكوريا، قد نجد امرأة تقف في وجه العاصفة بثبات، ورجلا تنهكه وطأة الظروف، وقد يحدث العكس تماما فالمسألة لا تتعلق بالجنس بل بالتجربة وبطبيعة الإنسان وبما تخلفه الظروف في روحه..
أما نصوصي فبطبيعة الحال لا تحكم وجهتي هويات الشخصيات فلا فرق بين أنثى ورجل فالقلم يحتكم بما يحيط به من مشاعر ومفاهيم وتحولات تفرضها الظروف فلا يمكن أن أكتب لأمنح طرفا صفة الضحية ولا لأنتصر لجنس على حساب آخر و لا أكتب صوت المرأة لأنها امرأة، ولا صوت الرجل لأنه رجل، أكتب الصوت الذي تصنعه التجربة حين تعبر الروح، وحين يصبح الشعور أصدق من كل التصنيفات. فيتحول هذا الصوت إلى نص، أريده أن يتجاوز حدود الجنس، ليصل إلى الإنسان في جوهره، حيث تتشابه أوجاعنا وإن اختلفت حكاياتنا، وحيث لا تكون الضحية امرأة أو رجلا وإنما إنسانا أثقلته الحياة بما لم يكن مستعدا لحمله..
9- صراع البقاء مقابل صراع الحفاظ على الشغف؛ أيهما ينهك قصيدة لينا ناصر أكثر أثناء مخاض الكتابة؟
أعتقد أن الكاتب لا يستطيع أن يحتكم إلى حالة شعورية واحدة في جميع نصوصه فلكل نص مخاضه الخاص، ولكل تجربة مفاتيحها التي قد لا تشبه مفاتيح التجربة الأخرى.. أحيانا يحتاج الكاتب إلى ملامسة جراحه من جديد، واستحضار الحالة النفسية التي رافقت شعورا ما، كي يستعيد حرارة اللحظة ويمنح النص صدقه الإنساني… وأحيانا أخرى لا تكون التجربة من صميم معاناته الشخصية فيصبح مطالبا باستيعاب معاناة الآخرين، وإعادة تشكيلها وفق رؤيته وأدواته، حتى تبدو للقارئ وكأنها تجربة حية تنبض من داخل النص..وفي الحالتين، لا أرى أن الشغف يتعارض مع صراع البقاء، بل أراهما يتكاملان لصناعة الهوية الوجودية للقصيدة..
فالشغف هو ما يمنح النص حرارته، ويشد خيوط الشعور إلى اللغة، أما البقاء فهو ما يمنحه القدرة على تجاوز لحظة كتابته، والاستمرار في وجدان القارئ وذاكرته…
أحيانا أشعر بأنني بحاجة إلى استنفاد طاقتي الشعورية والإبداعية كاملة، وأن أفرغ ما يعتمل في روحي على السطر، حتى أصل إلى تلك اللحظة التي أشعر فيها بأن النص قد استوفى حاجته من داخلي..
لكن هذا الاستنزاف وحده لا يصنع قصيدة متكاملة فلو اكتفينا بتفريغ الألم دون أن نخلق للشغف مساحة في النص، فقد نكون أمام سرد لتجربة موجعة، لكنه يفتقر إلى ما يجذب القارئ ويجعله شريكا في الشعور..
وفي المقابل، إذا حافظنا على الشغف بوصفه انفعالا لحظيا، دون أن نمنح النص عمقه الإنساني وقدرته على البقاء فقد نحصل على كتابة لامعة في لحظتها لكنها سرعان ما تخبو بعد القراءة الأولى…
ولعل الإنهاك الحقيقي لا يأتي من صراع البقاء وحده، ولا من محاولة الحفاظ على الشغف وحدها فهناك مسؤولية تسبق الحالتين وهي التوفيق بين صدق الشعور وشروط الكتابة فالكاتب لا يريد أن يسرد تجاربه فقط ولا يكفيه نجاحه في إثارة انفعال القارئ، فهنا يكمن السر في كيفية تحويل التجربة إلى نص يمتلك مبرراته الفنية وقدرته على البقاء
وهنا يصبح الإنهاك جزءا من المخاض الإبداعي، وليس دليلا على غلبة أحد الصراعين على الآخر..
فلذلك أجد أن كلا الصراعين حاضر في مخاض كتابتي وإن اختلفت نسب حضورهما من نص إلى آخر، فالشغف ضروري كي تبقى القصيدة قادرة على الإدهاش والتأثير، والبقاء ضروري كي لا تنتهي القصيدة بانتهاء لحظة قراءتها..
فالقصيدة، في نهاية المطاف، ليست وحدها ما يسعى الكاتب إلى إنقاذه من عابر اللحظات إنه يسعى أيضا إلى إنقاذ التجربة من النسيان والشعور من التبدد والمعنى من أن يموت وربما هنا تكمن غاية الكتابة الأعمق..
10- هل الكتابة عن عاطفة محاصرة بالخوف هي محاولة لتوثيق الهزيمة النفسية، أم أنها إعلان انتصار للحياة برغم الركام؟
لا أرى أن الكتابة عن عاطفة محاصرة بالخوف تعني توثيق الهزيمة النفسية، كما لا أعتقد أن علينا أن نحولها في كل مرة إلى إعلان انتصار للحياة برغم الركام. بالنسبة إلي، لا أكتب بنهاية مقررة سلفا، ولا أفرض على النص موقفا مسبقا بل أترك للتجربة وظروفها، وللشرارة الأولى التي أشعلت في داخلي رغبة الكتابة، أن تحدد مسار العاطفة ومصيرها.
فقد تكون الحقيقة أقسى من أن تحتمل نهاية سعيدة، وقد تتخلص العاطفة من الخوف رغم كل ما يحيط بها وقد أذهب بالنص إلى رؤية تتجاوز الواقع الذي نعيشه فليس من الضروري أن تتشابه نصوص الكاتب لمجرد أنها تنطلق من مشاعر متقاربة إذ لكل تجربة خصوصيتها، ولكل نص منطقه الشعوري والإنساني.
ومع أنني لا أهرب من كتابة الهزيمة حين تفرضها حقيقة النص فإنني أميل بطبيعتي إلى التفاؤل والتأمل وأحب أن أترك للقارئ مساحة صغيرة يتنفس منها الأمل، حتى في أكثر الحكايات إيلاما.وليس ذلك تجميلا للواقع أو إنكارا لقسوته لكنني لأنني أؤمن بأن الاعتراف بالألم لا يستوجب الاستسلام له، فالعاطفة قد تخسر معركتها في الواقع، لكنها تبقى قادرة على أن تحتفظ بقيمتها المعنوية..
لذلك، لا أعتبر كل كتابة عن عاطفة محاصرة بالخوف توثيقا للهزيمة، ولا أحمّل كل قصيدة مسؤولية إعلان الانتصار.
أكتب الحالة كما أشعر بها ، وأترك لها أن تقول ما تستطيع قوله. لكنني، حين أمتلك الخيار الفني، أحب ألا أغلق الباب تماما فأجدني أترك دائما بقعة نور صغيرة تتنفس من خلالها القصيدة..
فأنا لا أفرض على القصيدة انتصارا لا يشبه حقيقتها، لكنني لا أرى في الاعتراف بالهزيمة سببا للتخلي عن الأمل فقد لا تنتصر العاطفة على ظروفها إلا أن الكتابة تستطيع أن تحفظ إنسانيتها من أن يهزمها الخوف إلى الأبد..
المحور الثالث: التناص الداخلي وبنية القصيدة المغلقة (تحليل “سوء ظن” ومجزوء الكامل)
11.اخترتِ بحر “مجزوء الكامل” لقصيدتكِ “سوء ظن”. هذا البحر يتسم بالحركة السريعة والقصيرة؛ كيف طوعتِ هذا الإيقاع الراقص لخدمة فكرة قائمة على الحذر والشك و”سوء الظن”؟
مجزوء الكامل إيقاعه راقص، نعم، لكنّه قد يرقص على الجمر أو على حدّ السكين أحيانًا. ولا أستطيع أن أدّعي التعمّد في اختيار البحر، فالقصيدة ، في تجربتي، هي التي تملي على الشاعر إيقاعها منذ المطلع، لا العكس. ومع ذلك، أرى أنّ هذا البحر كان ملائمًا لما أردتُ قوله.
فالحركة السريعة قد تخفي وراءها روحًا مذعورة وقلبًا ينتفض ، وليس كلُّ ما يرقص فرحًا كما نعلم وإلّا لكانت رقصة الطائر المذبوح أبلغ تعبيرٍ عن السعادة !
فلو كان الايقاع راقصاً حقاً ، فالسؤال أي رقصة أرادتها القصيدة، وعلى أيِّ جمرٍ كانت تتحرّك
ثم إنّ تلك الشكوك التي تساورنا قد تتخذ هذا الإيقاع المتسارع ، إذ تنطلق في النفس كطعنات متتابعة ، أو كوميضٍ متقطع يسلبنا طمأنينة اليقين. وفي نبضات مجزوء الكامل القصيرة ما يُحاكي اضطراب القلب حين تقتحمه الشكوك ، وتسارع الأفكار حين يستدرج بعضها بعضًا إلى هاوية التأويل.
وفي النهاية، إن كان الشاعر قد اختار بحرًا دون آخر عن قصدٍ ونيّةٍ مسبقة، فذلك اجتهادٌ فنّيّ مشروع وقابل للنقاش. أمّا أنا، فأميل إلى أنّ القصيدة كثيرًا ما تقود شاعرها إلى إيقاعها الخاص، وأنّ الحكم على ملاءمة الوزن لا يستقيم بالوقوف عند صفته الإيقاعية وحدها، بل بالنظر إلى كيفية توظيفه داخل النص، ومدى انسجام موسيقاه مع حركته الشعورية ودلالته.
12- في قصائدكِ المنظومة، هل تشعرين أن الوزن والقافية يشكلان جداراً يحبس تدفقكِ النثري الوجداني، أم أنهما يمنحان الفوضى الداخلية شكلاً أنيقاً؟
13- التردد بين النثر والشعر العمودي أو التفعيلة في نتاجكِ؛ هل هو انعكاس لحالة عدم استقرار عاطفي وفكري، أم هو بحث مستمر عن وعاء يتسع للفكرة؟
كل شعور يولد في داخلنا هو وليد جديد ينتظر منا أن ندثّره بدثار على مقاسه، وأن نمنحه الشكل الذي يليق بروحه وطبيعته. لذلك فإن ترددي بين النثر والشعر والتفعيلة أصنفه على أنه بحث عن الوعاء الذي يتّسع للفكرة ويحتضنها دون أن ينتقص من جوهرها.
فبعض الأفكار تأتي مقتضبة، مكتملة في إيجازها، لا تحتمل التوسّع ولا تقبل الاستطراد، فتقودني إلى قولبتها في خاطرة أو قصة قصيرة وبعض الحكايات تأتي متدفقة تتزاحم صورها وتتوالد معانيها فتسابقني إلى السطر وقد تتّسع لتصبح مقالا أو نصا نثريا مشبعا بالصور والدلالات…
وأحيانا تأتي الفكرة مترنّمة، تحمل في داخلها إيقاعها الخاص فأعانقها وأمضي بها إلى حلبة القصيد أراقصها وتراقصني تارة على إيقاع الفرح وتارة على إيقاع الحزن، وما الفرق ما دام المسرح في الحالتين سطرا، والترانيم شعرا، والروح هي من تقود الرقصة؟
أنا لا أختار الشكل الأدبي لأحتوي الفكرة، بل أترك الفكرة تختار شكلها الذي يليق بها. فالكتابة عندي ليست التزاما بقالب واحد، ولا ترددا بين أشكال متعددة، بل انحياز إلى حرية التعبير، وإيمان بأن لكل فكرة نبرتها، ولكل شعور لغته، ولكل نص موسيقاه التي لا تكتمل إلا حين يجد الوعاء الذي يشبهه.
فالشاعر الذي يمتلك أدواته لا ينبغي أن تحكمه حدود الشكل، بل أن يمتلك القدرة على العبور بين الأشكال جميعها، دون أن يفقد صوته أو يتنازل عن هويته. فالثابت عندي ليس شكل الكتابة، بل صدق الشعور، أما الأشكال فليست سوى نوافذ مختلفة تطلّ منها الروح على العالم
14قصيدة “سوء ظن” تبدو كأنها محاكمة باطنية؛ من هو المتهم الحقيقي فيها: وعي الشاعرة الحاد، أم اندفاع العاطفة؟
أستاذي الكريم، لا أعرف ما الذي أوحى لك بأن قصيدة (سوء ظن) تقوم على صراع بين وعي الشاعرة واندفاع عاطفتها فما أردته في القصيدة هو التعبير عن حالة وجدانية لعاشقة تتساءل عن حقيقة مشاعر الآخر، وتخشى أن تكون وحدها من يعيش الحب بكل هذا الاندفاع والاحتراق.
ربما كان اندفاع العاطفة هو ما أفضى إلى هذه التساؤلات، التي لا تتجاوز كونها محاولة لاستكشاف مشاعر الحبيب، والبحث عن اليقين في إحساس لا تستطيع العاشقة أن تجزم بأنه متبادل بالقدر نفسه
أما سوء الظن فهو احتمال يتسلل إلى القلب من نافذة الخوف ربما..الخوف من أن تكون اللهفة التي تسكنها غير منعكسة في قلب الآخر. لذلك جاء السؤال الأخير امتدادًا للحيرة العاطفية النابعة من رغبتها بمعرفة هل هو يبادرها الشعور ؟!
فالقصيدة، في جوهرها، مناجاة عاشقة تبحث عن إجابة تطمئن قلبها، وتكشف لها إن كان ما يضطرم في داخلها يجد صداه لدى الآخر، أم أن مشاعرها لا تزال معلّقة بين الشغف والشك.
15- كيف توازنين في بنية قصيدتكِ بين سلاسة المعنى السهل الممتنع وبين العمق الذي يتطلب من القارئ وقفة وتأمل؟
حين أكتب القصيدة لا أبحث عن المفردات الصعبة ولا عن اللغة المعقّدة لأنني أؤمن أن قيمة الشعر تكمن في قدرته على ملامسة الإنسان بأبسط الكلمات وأكثرها عمقًا. فالسهل الممتنع، في نظري، ليس سهولة في الكتابة وإنما هو ذروة الاجتهاد فيها أن تختزل فكرة واسعة في عبارة موجزة وتمنح الكلمة البسيطة أبعادًا تتجاوز ظاهرها، من دون أن تثقلها بالتكلّف.فأنا لا أريد للقارئ أن يقف أمام القصيدة كمن يحلّ معضلة، بل كمن يدخل تجربة شعورية وفكرية تتيح له فرصة الخيال لذلك أفتح له بعض مغاليق النص، وأترك بعضها الآخر مواربًا لأنني أؤمن أن المعنى لا يقتصر على مانكتبه بشكل مباشر فهناك معان أكثر عمقا تتشكل في وعي القارئ وتجربته .
ولعلّ أكثر ما يأخذ من اهتمامي هو الخاتمة التي تترك باب التأويل مفتوحًا فالشعر، في جوهره، ليس إجابة نهائية بقدر ما هو سؤال يوقظ أسئلة أخرى ولا هو معنى نستهلكه عند القراءة، بل عالم من المشاعر يبقى ويتّسع فينا كلما عدنا إليه .
لا أرى في الوزن والقافية جداراً يُحاصر الشعور، ولا قفصًا تُقصّ خلف قضبانه أجنحة القصيدة ولدي الكثير من التحفظات على هذه التهمة الرائجة في الأوساط الأدبية .
فحين تفرض القصيدة نفسها علي في لحظة الصفاء والإلهام، لا أستقبل الوزن والقافية بوصفهما شرطين ينبغي التخلّص منهما، أو قيدين عليّ الإفلات من قبضتهما، وإنما أراهما جناحين يعينان الشعور على التحليق، ويمنحانه إيقاعًا يضاعف أثره، ويهبانه من الموسيقى ما يجعل صداه أبعد نفاذًا في وجدان المتلقي .
وبالنسبة لي لا تأتي القصيدة دائمًا من قرارٍ واعٍ باختيار شكلها، وإنما قد تنبثق دفعةً واحدة ، مكتملة الشحنة الشعورية ، كأنها كانت تقيم في مكانٍ خفيّ من أرواحنا ، ثم آن لها أن تتجسّد . عندئذٍ أتعامل مع الوزن والقافية بوصفهما من أدوات هذا التجس وأستعين بهما على إخراج هذه الدفقة الشعورية إلى الضوء ، وأطوّعهما بما أملك من معرفة باللغة والعروض ، حتى يستقيم الإيقاع الخارجي مع الايقاع الداخلي للنص ، فلا يطغى عليه ولا ينتقص من عفويته . فحين يتمكن الشاعر من أدواته ، لا يعود مضطراً إلى التضحية بالشعور كي يستقيم الوزن ، ولا إلى كسر الإيقاع كي يحافظ على حرية التعبير الوجداني وصدقه ، إذ تبلغ الموهبة ذروتها حين يتظافر هذا كله، ويصبح القالب متَّسعًا لروح القصيدة لا عبئاً عليها .
ولعل الأمر يتضح بمثالٍ أقرب إلى المتلقي : لو سألتَ مطربًا يعتلي خشبة المسرح ويقف خلفه عازفون ينسجون له الألحان ، هل ترى في الإيقاع وفرقتك الموسيقية قيداً يحول بينك وبين الاندفاع الشعوري ، أم تراها أدوات تمنح صوتك امتداده وتمنح إحساسك قدرةً أكبر على النفاذ ؟
أظنّ أن إجابته ستكون قريبة من إجابتي ، فالإيقاع لا ينتقص من حرية الأداء ، بل قد يكون أحد أسرار قوته ، والموسيقى لا تُطفئ توهج العاطفة ، وإنما تفتح لها مسالك إضافية إلى وجدان المتلقّي. وكذلك الوزن والقافية إنهما حين يحسُن توظيفهما، لا يضيفان إلى القصيدة انتظاماً صوتياً فحسب، بل يمنحان التجربة طاقةً إيحائية هائلة تتجاوز حدود التعبير النثري .
ثم إن تراثنا الشعري العربي الممتدّ من المعلّقات إلى عصور الازدهار الشعري المتعاقبة ، شاهدٌ بالغ الثراء على أن الوزن والقافية لم يكونا عائقًا يحول دون اتساع التجربة الشعرية ، أو استنفاد أغراضها التعبيرية ، فقد طرق الشعراء أبواب الحب والفقد، والحرب والسلم، والمديح والهجاء، والحكمة والفلسفة، ووصف الطبيعة، ومساءلة الوجود، والخ .. واستطاعوا أن يودعوا هذه الأغراض جميع حاجاتهم التعبيرية حتى العادية واليومية منها ، وهذا يجعل ذلك التراث مكتبةً كاملة لأحوال النفس البشرية وتجلياتها الشعرية . ولم يمنعهم انتظام الشعر من بلوغ أقصى درجات الشجن أو التأمل ، كما لم يحل دون ابتكار الصور وتوليد المعاني واستحداث طرائق التعبير.
ولست في هذا كله بصدد الانتقاص من الأشكال الشعرية الأخرى التي تتخلا عن الوزن والقافية، أو إنكار ما تتيحه من إمكانات جمالية وتعبيرية ، فلكلّ شكلٍ شعريّ منطقته وطاقته ومغامرته الخاصة . إنما أعترض على تحويل الوزن والقافية إلى تهمةٍ جاهزة، وكأن وجودهما ينتقص حتمًا من حرية الشاعر، أو يجعل القصيدة أقل قدرةً على ملامسة تجربته الوجدانية . فالحرية لا تقاس بغياب الضوابط، كما أن الانضباط لا يعني بالضرورة الخضوع ، وقد تكون المهارة الحقيقية في أن تبلغ أقصى درجات التعبير داخل شكلٍ تعرف أسراره ، وتدرك إمكاناته، وتملك من الأدوات ما يجعلك تتجاوز المألوف فيه دون أن تفقده بنيته وركائزه .
وما أريده أنا من القصيدة ليس أن تتحرر من الموسيقى والإيقاع ، وإنما أن تعثر على موسيقاها التي تشبهها ثم تنطلق من خلالها.

الجزء الثاني

الإبداع اللبناني المعاصر
حوار الحبر والزُرقة: رحلة في كوامن الحرف مع الشاعرة لينا ناصر- ج 2
حوار:عطا درغام:

في زمنٍ يضج بالآلية وتتشابه فيه الأصوات، يأتي صوت الشاعرة اللبنانية لينا ناصر كحالة انسيابية خاصة؛ تجمع بين عاطفة وجدانية جارفة وبين وعي حاد ببنية النص. هي لا تكتب لتملأ بياض الورق، بل لتعيد رسم ملامح المشاعر الإنسانية، فتجعل من “القلب أزرق” تارة، ومن “الحب في زمن الحرب” وثيقة بقاء تارة أخرى. في هذا الحوار، نبتعد تماماً عن كواليس البدايات التقليدية، لنعبر مباشرة إلى مطبخها الشعري، ونفك طلاسم الحرف والروح في قصائدها.
المحور الرابع: شيزوفرينيا الروح والاغتراب (تحليل “غربة روح” و”أين أنا؟”)
16.في “غربة روح”، يتضح انفصال الأنا الشاعرة عن جسدها ومحيطها. متى تكون هذه الغربة ملاذاً امنة للكتابة، ومتى تصبح زنزانة خانقة للينا ناصر؟
المحور الرابع: شيزوفرينيا الروح والاغتراب (تحليل “غربة روح” و”أين أنا؟”)
16.في “غربة روح”، يتضح انفصال الأنا الشاعرة عن جسدها ومحيطها. متى تكون هذه الغربة ملاذاً امنة للكتابة، ومتى تصبح زنزانة خانقة للينا ناصر؟
أعتقد أن غربة الروح لا تأتي بقرار بالاغتراب، ولا تكون وليدة لحظة أو حدث عابر، بل هي عبارة عن مسيرة طويلة من التنازلات التي تتراكم في داخل الإنسان دون أن ينتبه إلى حجم ما يفقده في كل مرة.
ففي كل تجربة خذلان، تتنازل الروح عن بعض طيبتها، وعن مساحة من عفويتها، كما تفقد شيئا من حسن ظنها بالآخرين. ومع تكرار التجارب، تجد نفسها مجبرة على إعادة تشكيل شخصيتها، فتستبدل تلقائيتها بالحذر، وانفتاحها بالتحفظ، وربما تضطر إلى ارتداء القسوة كوسيلة دفاع ضرورية عما تبقى من براءة في داخلها، كي لا تتلقى المزيد من الأذى والخسائر.
بالنسبة إليّ، تكون الغربة ملاذا آمنا حين تمنحني مسافة أستطيع من خلالها الإصغاء إلى ذاتي، والابتعاد مؤقتا عن ضجيج العالم وتوقعاته، حين تتحول الكتابة إلى مساحة أستعيد فيها ما تبعثر مني، وأعيد ترتيب مشاعري وأسئلتي بعيدا عن الأحكام والتبريرات.
فالكتابة لا تلغي الغربة، لكنها تمنحها شكلا يمكن احتماله، وتحول الوجع من عبء صامت إلى معنى قابل للبوح.
لكنها أحيانا تصبح زنزانة خانقة حين لا تعود المسافة اختيارا، وحين أفقد القدرة على العودة من عزلتي، وأكتشف أنني ابتعدت كثيرا عن نفسي.
عندها لا تكون الغربة اغترابا عن المكان أو الأشخاص فقط وهنا تكمن المعضلة حين نغترب عن ذواتنا، عن شخصياتنا المألوفة لدينا..فلعل أقسى أنواع الغربة أن تستيقظ ذات يوم، فلا تتمكن من التعرّف إلى نفسك.
17.سؤال الهوية الحائر في “أين أنا؟”؛ هل هو تفتيش عن مكان جغرافي مفقود وسط الصراعات، أم هو ضياع في خارطة الذكريات الشخصية؟
سؤال يراودني في كثير من الأحيان، فمن منا لا يحمل في أعماقه حنينا إلى شخصيته القديمة، وربما حتى إلى الشخص الذي كانه بالأمس القريب؟ فنحن مع كل يوم يمضي نزداد نضجا، وتتبدل فينا أشياء كثيرة، وكلما اختلينا بأنفسنا وعدنا إلى ماضينا، ونبشنا في خزائن ذاكرتنا، استيقظ فينا الحنين إلى تلك البراءة التي كانت تسكننا، وإلى عفوية كنا نمارس بها الحياة دون أن ندرك كم كانت تمثلنا..
ثمة لحظات يبلغ فيها اغتراب الإنسان ذروته، حين يفقد الطريق إلى نفسه، وهذا تحديدا ما أردت ملامسته في النص تلك المسافة الغامضة التي تتشكل بين الشخصيات الماضية التي كناها، والشخصيات التي صرنا إليها. وأكثر ما يعيدنا إلى ملامحنا الأولى تجوالنا في الأرشيف الذي صنعناه لأنفسنا، سواء بالحروف أو الصور، فكل ذكرى تحتفظ بنسخة خاصة منا، ربما كانت أكثر عفوية وصدقا، وهذا ما يوقظ فينا حنينا عميقا إلى استعادتها. وحين نعود إلى كتاباتنا القديمة، ونصادف أرواحا كانت تسكننا بكل عنفوانها، نكتشف كم ابتعدنا عن حرارة حضورها، وكم أصبحنا غرباء عن تلك اللهفة التي كانت تتدفق منا دون استئذان.
كنت أكتب بشغف امرأة لا تحتاج إلى مناسبة كي تزهر، كانت التفاصيل الصغيرة كافية لإشعال مواسم كاملة في داخلها، وكانت الكلمة لديها كائنا حيا يتنفس من رئتيها، وتتحول الكتابة في حضرتها إلى حالة من التماهي بين الجسد والوجدان، حتى يغدو الحرف امتدادا لنبضها، وتصبح القصيدة مساحة أخرى تتجسد فيها روحها. أما اليوم، فأقف أمام تلك المرأة كما يقف المرء أمام نافذة أغلقت منذ زمن يتذكر الضوء الذي كان يعبرها، ويتأمل عتباتها الصامتة، محاولا استعادة النوافذ التي كانت تتفتح في داخله كلما تسلل إليها الضوء.
ولست ممن يؤمنون بأن الزمن يمحو ما نعجز عن احتماله فالزمن لا يمتلك دائما سلطة المحو، بقدر ما يمتلك قدرة إعادة توزيع الأوجاع في طبقاتنا الداخلية. ما نعيشه لا يغادرنا وإنما يغير موضع إقامته فينا بعضه يستقر في الذاكرة، وبعضه يتكلس في الوعي، وبعضه يتوارى في تجاويف الروح، ليعاود الظهور عند أول إشارة عابرة، وكأنه كان ينتظر لحظة استدعائه منذ الأزل.
لهذا لم تكن كلمة (غريبة)صفة عابرة في النص، وإنما كانت خلاصة صدام بين ذاكرة تعرفني جيدا وواقع لم أعد أتعرف فيه إلى ملامحي. فالإنسان قد يتصالح مع فقد الآخرين، وقد يتعلم العيش بعد انطفاء الأمكنة، لكنه حين يفقد ألفته مع ذاته، يدخل أكثر أشكال الاغتراب قسوة إذ يصبح مطالبا بالتعرف إلى نفسه من جديد، وكأنه يلتقيها للمرة الأولى.
وربما كان السؤال الأكثر إيلاما في النص هو: (كيف استطعت أن أبقى هنا بكل هذه الملامح، بينما غادرتني المرأة التي كانت تمنح هذه الملامح معناها؟)
فثمة أشخاص نشتاق إليهم رغم أنهم ما زالوا على قيد الحياة، وثمة صور قديمة منا نرثيها رغم أنها لم توار الثرى لأنها توقفت عن الحضور في تفاصيلنا، وانسحبت بهدوء من يومياتنا، تاركة خلفها أثرا لا يمحوه الزمن، وذاكرة لا تكف عن مناداتها، كأنها تنتظر عودتها من غياب لم يُعلن عن نهايته بعد.
18.عندما تبحثين في كوامن النفس والذاكرة، هل تجدين أن الذاكرة وسيلة إنقاذ للقصيدة، أم أنها عبء يثقل كاهل الحاضر ويمنعكِ من التجديد؟
الذاكرة هي ذلك المخزن العميق الذي نودع فيه جواهر مشاعرنا القديمة والمتجددة، ونحتفظ بين طبقاته بتفاصيل تجاربنا وانفعالاتنا وما تركته الحياة من ندوب وتفاصيل لذلك يصعب أن نمنحها صفة مطلقة فنعتبرها دائما وسيلة إنقاذ للقصيدة، أو عبئا يثقل كاهل الحرف فدورها يتبدل تبعا للحالة الشعورية التي ننطلق منها، وللمساحة التي نمنحها لها داخل النص.
قد تكون احيانا طوق نجاة حين نقرر الكتابة باستحضار شعور قديم، أو حين يتسلل الحنين إلى وجداننا فيستدعي تفاصيل كنا قد دفنّاها أو ظننا أنها انتهت فنجد فيها مادة شعورية خصبة تعيد إحياء التجربة وتمنح الحرف حرارة وصدق
أما حين ننطلق من أفكار متجددة ومشاعر آنية، فقد تفاجئنا الذاكرة باستدراجنا إلى دهاليزها، وتعيد إلى السطح أثقالا ماضية لم نكن ننوي استحضارها، فتتداخل الأزمنة داخل النص، وتزاحم التجارب السابقة انفعالات اللحظة، حتى نشعر أحيانا بأننا نحمل على جوارحنا أعباء لم نكن نريد العودة إليها…ومع ذلك، أرى أن المسألة تكمن في قدرتنا على إدارة علاقتنا بالذاكرة، وانتقاء ما نسمح له بالعبور إلى القصيدة فليس كل ما نتذكره يستحق أن نكتبه، وليس كل ما نكتبه ينبغي أن يكون امتدادا لما عشناه…فالذاكرة تمنحنا مخزون التجربة، والحاضر يهبنا متعة الاكتشاف، وبينهما تقف موهبة الكاتب في إعادة تشكيل مشاعره وصياغة رؤيته.
19.كيف تنجحين في تحويل المغترب الداخلي الخاص بكِ إلى حالة عامة يشعر بها كل من يقرأ نصوصكِ ويتماهى معها؟
ببساطة بالغة، أكتب بعمق، وأقرأني وأنا أكتب أتنقل بين حالتي الكاتب والقارئ، فأعيش النص من جهتيه، وأمنح الحرف شيئا من أعماق روحي، وأجعله يتنفس من رئتي.
لا أتعامل مع الاغتراب وحده بهذه الطريقة، بل مع كل حالة أو مشهد أختار أن أصوره في كتابتي أحاول أن أتلبس الشعور، وأن أعيش تفاصيله بكل ما يحمله من انفعال وصدق، حتى تصبح المفردة امتدادا لما أشعر به، والصورة انعكاسا لما يعتمل في داخلي.
أؤمن أن القارئ قد يختلف معي في التجربة، لكنه يستطيع أن يلتقي معي في الشعور، وهذا ما أحرص عليه أن أمنح الحرف صدقه أولا، ليجد طريقه إلى صدق الآخرين…فأنا لا أكتب لأصف الحالة، بل لأعيشها في الحرف، وحين أصدق في معايشتها، أترك للقارئ أن يجد فيها شيئا من نفسه..
20.هل تعتقدين أن الوصول إلى إجابة لسؤال “أين أنا؟” قد ينهي الدافع وراء كتابة الشعر لديكِ، وأن الحيرة هي الوقود الحقيقي لحرفكِ؟
مطلقا، لا أعتقد أن هناك ما يمكنه إنهاء شغفي بالكتابة أو استنفاد رغبتي في ممارستها. كما أنني لا أظن أننا نكتب أسئلتنا بحثا عن إجابات شافية ونهائية لها؛ فقد أجد اليوم إجابة لسؤال ما، ثم أعود في الغد لمساءلته من زاوية أخرى، وربما أكتشف فيه أبعادا لم تكن حاضرة في وعيي من قبل.
فالكاتب بطبيعته لا يتوقف عن التنقيب في دواخله، والبحث عن أفكار متجددة وحالات ومشاعر تستفز وجدانه، فيعيشها ويعيد تشكيلها ويصورها في حروفه. والكتابة بالنسبة لي مساحة مفتوحة للاكتشاف والتجدد، تتعدد فيها الأسئلة بتعدد التجارب والتحولات.
ومهما كانت إجابة (أين أنا؟) مهمة، ومهما كان الوصول إليها غاية شعورية وفكرية لحظة كتابة النص، فإنها تبقى محطة ضمن رحلة حياة كاملة، ولا تختصر مسيرتي الأدبية أو تحدد ملامحها بمفردها. وأنا لا أقلل من شأن أي محطة من محطات هذه الرحلة، فلكل نص ظروفه الشعورية والفكرية التي منحته وجوده وخصوصيته. لأنني أتعامل مع نتاجي الأدبي كما أتعامل مع أولادي لا أمنح أحدهم امتيازا على حساب الآخر، ولا أنتقص من قيمة نص لأن نصا آخر نال حضورا أوسع أو مكانة أكبر لدى القراء. قد تتفاوت النصوص في وقعها لدى المتلقي، وقد يجد قارئ في أحدها ما لا يجده في سواه، لكنني أمنح كل نص حقه من المحبة والاعتزاز، لأنه يحمل جزءا من رحلتي ومرحلة من تشكل وعيي…فأنا لا أكتب لأصل إلى نهاية الأسئلة، ولا أرى في أي نص نهاية لما قبله، بل أؤمن أن قلمي قادر على ابتكار أسئلة جديدة مع كل بداية، وأن كل تجربة تمنحني احتمالا آخر للكتابة، وكل إجابة تفتح أمامي أفقا جديدا للتساؤل.
المحور الخامس: كواليس الشاشة والمنصة (تفكيك الوعي الإعلامي والثقافي)
21.في إدارتكِ للمنتديات الثقافية الرقمية، كيف توازنين بين “شراسة” خوارزميات منصات التواصل التي تنحاز للاستهلاكي والسريع، وبين “رصانة” النص الأدبي الذي يحتاج لمهل وتأمل؟
أعتقد أن الموازنة تبدأ من إدراك طبيعة كل طرف وفهم إيقاعه فالخوارزميات لها ديناميكيتها الخاصة التي تفرضها، والقارئ المعاصر بات محاطا بتدفق هائل من المحتوى المتسارع الذي يستنزف انتباهه ويتنافس على استقطابه، في حين يحتاج النص الأدبي إلى فسحة من السكون والتأمل، وإلى زمن يسمح له بالتغلغل في الوجدان وترك أثره المعرفي والجمالي.
ومن موقعي في إدارة العمل الثقافي الرقمي، أرى أن علينا امتلاك وعي بأدوات المنصات وآليات اشتغالها، دون أن نسمح لها بإعادة صياغة هويتنا أو إخضاع ذائقتنا لمعاييرها الاستهلاكية. فلسنا مضطرين إلى ابتسار المحتوى أو تسطيح خطابه سعيا وراء الانتشار، كما أننا لسنا مطالبين بالانكفاء عن أدوات العصر بذريعة الحفاظ على رصانة الأدب فالمسألة تكمن في حسن توظيف الوسيلة مع الاحتفاظ بأصالة الغاية.
أحاول أن أحقق هذه الموازنة من خلال العناية بآليات تقديم النص، وتنويع النوافذ الثقافية، وابتكار مساحات تفاعلية تستثير فضول القارئ وتحفزه على التوقف والتأمل والمناقشة، بدلا من الاكتفاء باستهلاك المحتوى مرورا عابرا أو ترك تعليق مقتضب لا يلامس جوهر ما قرأه. فالتفاعل الذي أطمح إليه هو تفاعل معرفي وجمالي يضيف إلى النص ويثري تجربة كاتبه وقارئه معا.
وأؤمن أن مسؤولية الإدارة الثقافية تتجاوز تنظيم النشر وتوزيع المساحات فهي مسؤولية في تشكيل الوعي، وصقل الذائقة، وإتاحة المنابر للأقلام كي تجد فرصتها في الظهور والتطور، فضلا عن ترسيخ ثقافة القراءة المتأنية، وتعويد المتلقي على احترام النص ومنحه الزمن الذي يستحقه. فالمساحة الثقافية الحقيقية لا تكتفي بعرض الإبداع، وإنما تسهم في صناعة البيئة التي تحتضنه وتساعده على النمو.
ولهذا أرى أن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هوية ثقافية متماسكة وقادرة على الصمود داخل هذا التسارع، وفي بناء جمهور يمتلك من الوعي ما يجعله يدرك أن القيمة الأدبية لا تختزل في أرقام المشاهدات ومؤشرات التفاعل، وأن بعض النصوص تحتاج إلى قراءة ثانية وثالثة حتى تنكشف طبقاتها الدلالية وتبوح بما تخبئه بين سطورها.
فنحن لا نملك إبطاء إيقاع العالم الرقمي، لكننا نستطيع أن نصنع في قلب تسارعه مساحات تستعيد للحرف هيبته، وتمنح القراءة معناها، وتعيد إلى المتلقي متعة التمهل فليس كل ما يمر أمام أعيننا يستحق أن نستهلكه، وبعض ما يستحق أن نقرأه يحتاج منا أن نتوقف عنده طويلا..
22.حاورتِ العديد من الشعراء العرب؛ متى يتدخل “وعي الشاعرة” في توجيه دفة الحوار الإعلامي، ومتى تجبرين الشاعرة داخلكِ على الصمت لتتركِ المساحة كاملة للصحفية المحايدة؟
حين تتصالح مع ذاتك، وتمنح كل مقام تمثله حقه، لا يصبح الفصل بين الأدوار التي تؤديها أمرا يحتاج إلى الكثير من الجهد؛ لأنك ببساطة تدرك طبيعة كل دور، وتؤمن بالشخصية التي تظهر من خلاله، وتعرف كيف تمنحها حضورها المستحق.
أنا أؤمن بكل شخصية أقوم بها، وأعرف كيف أكون سيدة الحرف حين أمسك بقلم الكتابة، وأتقن في الوقت نفسه فن الإصغاء للآخر حين أكون في موقع المحاورة والمضيفة. فالأمر بالنسبة لي يرتبط بوعي الدور وإدراك مسؤولياته، أكثر مما يرتبط بمحاولة الفصل القسري بين شخصياتي.
وأرى أن الإصغاء يرتبط ارتباطا وثيقا بتقنية القراءة فالكاتب، حتى يصبح كاتبا بحق، عليه أن يكون قارئا نهما، يمتلك القدرة على استيعاب تجارب الآخرين والتفاعل مع أفكارهم وتعدد رؤاهم. وكذلك الشاعرة في داخلي لا تستطيع إيصال صوتها بكل ثقة وصدق ما لم تتقن الإصغاء إلى أصوات الآخرين، وتتعلم كيف تنصت إلى اختلافهم وتقرأ ما وراء كلماتهم.
ومن هنا، فإن كل حوار أجريته وكل ضيف استضفته خلال مسيرتي أضاف إلى رحلتي بصمة فريدة، وفتح أمامي نافذة جديدة على تجربة إنسانية أو فكرية أو إبداعية.
وأؤمن أن من لا يتقن الإصغاء لا يستطيع أن يحسن التعبير، ومن لا يمنح الآخرين مساحة ليقولوا ما لديهم، قد يعجز يوما عن اكتشاف ما يستحق أن يقوله هو. لذلك أترك للشاعرة أن تكتب حين يحين وقت الكتابة، وللمحاورة أن تنصت حين يحين وقت الإصغاء، وأمنح كلتيهما حقها دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.
23.المشهد الثقافي الافتراضي مليء بالمجاملات المتبادلة. كيف تحمي لينا ناصر منصاتها وحواراتها من التحول إلى ساحة للمديح المتبادل على حساب القيمة الإبداعية الحقيقية؟
أعتقد أن الصدق في التعامل مع الأقلام يحتاج إلى الكثير من الوعي والتركيز والصبر فحين تتعامل مع كاتب يعبر أمامك أو قلم لا يزال في بدايات تشكله، عليك أن تدرك أن المصارحة مسؤولية تحتاج إلى حساسية في التقدير وحكمة في اختيار الأسلوب والتوقيت. فأنت لا تستطيع أن تواجه الآخر بنقد قاس على الملأ، وقد يكون الحوار على الخاص أكثر ملاءمة واحتواء، لكن حتى في هذه الحالة ينبغي أن نكون مستعدين لاحتمالات الرفض أو سوء الفهم أو عدم تقبل وجهة نظرنا. لذلك علينا أن نتوقع ردود الأفعال المختلفة، وأن ندرك أن الصدق وحده لا يكفي ما لم يصاحبه وعي بكيفية إيصاله.
لكنني، في موقعي، أجد نفسي أمام مسؤولية تفرض علي أن أكون صادقة وصريحة مع نفسي ومع ضميري المهني والأدبي قبل أن أكون كذلك مع الآخرين. فالمجاملة التي تتجاوز حدود التقدير لتصبح تسترا على الخلل، قد تتحول مع الوقت إلى مشاركة غير مباشرة في تكريس واقع ثقافي مشوه.
ومن هذا المنطلق، اتخذت مؤخرا قرارا بإيقاف إصدارات مجلة مرافئ_الحنين الإلكترونية بعد أن أصبحت أرى اختلاطا متزايدا بين الأصوات الإبداعية الحقيقية والأصوات المصطنعة، مع اتساع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص، وما يرافق ذلك أحيانا من تراجع الصدق الأدبي وغياب البصمة الذاتية التي تمنح كل قلم خصوصيته وهويته.
كان القرار صعبا، لكنه جاء من قناعة بأن الاستمرار لمجرد الحفاظ على وتيرة النشر أو انتظام الإصدارات لا ينبغي أن يكون على حساب القيمة التي تأسست المجلة من أجلها. فأنا أرى أن المنبر الثقافي يحمل أمانة تجاه الحرف والقارئ والمبدع، وهذه الأمانة تقتضي منا مراجعة أدواتنا ومواقفنا حين نشعر بأن المسار بدأ يبتعد عن الغاية التي أردناها.
فأنا أستطيع أن أتقبل خسارة إصدار أو تأجيل حضور، لكن يصعب علي أن أكون شريكة في منح صفة الإبداع لما يفتقر إلى الصدق والبصمة الإنسانية. وأؤمن أن الحفاظ على قيمة الحرف يبدأ أحيانا من امتلاك شجاعة التوقف، ومراجعة الذات، وإعادة النظر في كل ما اعتدنا ممارسته.
24.يقال إن الإعلام يسرق من الشاعر عمقه ويمنحه البريق المؤقت؛ هل شعرتِ يوماً أن العمل الإعلامي وإعداد البرامج الثقافية كان يأخذ من رصيد وقتكِ وجرأتكِ في كتابة قصيدتكِ الخاصة؟
قد يأخذ العمل الإعلامي من وقتي الكثير، لما يتطلبه من متابعة وتحضير وقراءة واهتمام بالتفاصيل، ولا سيما من موقعي كرئيسة تحرير لمجلة أدبية على مدى أكثر من ثمانية أعوام. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الانشغال على نتاجي الأدبي، وربما يحد أحيانا من المساحة الزمنية التي أحتاجها للتفرغ لكتاباتي الخاصة، لكن ذلك لم ينتقص مطلقا من عمقي أو جرأتي أو بريق قلمي، بل أرى أن العكس هو ما حدث.
فالتعامل مع الكتاب والشعراء والشخصيات الثقافية من مختلف التوجهات والرؤى يثري مخزوننا الإبداعي والمعرفي، ويوسع آفاقنا في قراءة التجارب الإنسانية واستيعاب اختلافاتها. وكل تجربة حوارية أو احتكاك فكري يضيف إلى رصيدنا شيئا جديدا، سواء على مستوى المفردة أو الرؤية أو القدرة على تفكيك الأفكار وإعادة صياغتها.
ولا شك أن هذا التراكم ينعكس على أدواتي الكتابية، ويمنحني مرونة أكبر في التعامل مع الأفكار التي أرغب في طرحها، سواء من خلال النصوص الأدبية أو اللقاءات الصحفية فلكل مساحة أدواتها، ولكل فكرة أسلوبها في المعالجة والتقديم.
لذلك أرى أن الإعلام قد يزاحم الكتابة على وقتي، لكنه يرفدها بالتجارب والمعرفة، ويمنح قلمي مساحات أوسع للرؤية والتعبير. وربما كان أجمل ما اكتسبته من هذه الرحلة أنني أصبحت أمتلك قدرة أكبر على الإصغاء إلى أفكار الآخرين، دون أن أفقد جرأتي في التعبير عن أفكاري الخاصة.
25.من خلال احتكاككِ الإعلامي المباشر بالجمهور العربي، هل ما زال “الجمهور عايز كده” إشاعة إعلامية لتبرير الهبوط، أم أنكِ لمستِ تعطشاً حقيقياً لثقافة النخبة بروح العصر؟
أعتقد أن مقولة (الجمهور عايز كده) تعود إلى مرحلة كان فيها الجمهور محدود الخيارات، ومحاصرا بعدد قليل من وسائل الإعلام، بين الإذاعة والتلفزيون وبعض المجلات والمحطات التي يمكن إحصاؤها على الأصابع. يومها كان من السهل تمرير هذه المقولة، سواء لتبرير ما يُقدم للمتلقي أو للتنصل من مسؤولية اختياراتنا، فننسب إليه ما نرغب نحن في تقديمه، ونضع خلف ذائقته المفترضة كل ما نريد تمريره من محتوى.
أما اليوم، فقد تغير المشهد جذريا، واتسعت مساحات المعرفة والتواصل، وأصبح المتلقي أكثر انفتاحا واطلاعا على ما يدور حوله. لم يعد من السهل أن نختبئ خلف مقولة إن الجمهور يريد هذا أو يفضل ذاك، أو أن نتخذ من ذائقته ذريعة لتبرير الأخطاء والتجاوزات والادعاءات والتراجع في مستوى ما نقدمه. فالمتلقي اليوم يمتلك وعيا نقديا يمكنه من التمييز بين ما يُعرض عليه، ويدرك في كثير من الأحيان تفاصيل الكواليس وما يحيط بالمنتج الإعلامي أو الإبداعي من ظروف وخلفيات، حتى وإن اختار أحيانا الصمت أو تجاوز بعض الملاحظات مراعاة لظروفه أو لقناعات لا يرغب في الدخول في مواجهة بشأنها.
ومن هنا، أرى أن مسؤوليتنا لم تعد محصورة في التفكير بما يريده الجمهور، بقدر ما أصبحت مرتبطة بالتفكير في الصورة التي نريد أن نظهر بها أمامه، وبالمادة التي نستطيع أن نضعها أمام وعيه دون أن نخجل من محتواها أو نتنصل من مسؤوليتنا عنها. فعندما نكون في موقع الإدارة أو الإعلام أو الإشراف على منبر ثقافي، ونستقبل النصوص والأعمال الأدبية والفنية تمهيدا لنشرها وتقديمها، علينا أولا أن نحتكم إلى ضمائرنا المهنية وذائقتنا الإبداعية، وأن نسأل أنفسنا إن كنا نرضى عن هذا المحتوى ونؤمن بقيمته، قبل أن ننشغل بحسابات الانتشار والتفاعل.
فالمتلقي يمتلك من الوعي ما يؤهله للتمييز بين الجيد والرديء، وبين الأصيل والمصطنع، حتى وإن لم يعلن رأيه صراحة. ولذلك أرى أن علينا أن ننصت إلى ما يقوله في داخله، وأن نفكر في مدى وصولنا إلى قناعته ووجدانه وضميره الثقافي، قبل أن ننشغل بمجرد وصول اسمنا أو حضور منصتنا إلى عينيه.
نحن نعيش اليوم ازدحاما إعلاميا وثقافيا غير مسبوق، تتكاثر فيه المجلات والمنصات والقنوات ومساحات النشر، وأصبح الوصول إلى الجمهور متاحا بوسائل كثيرة، لكن سهولة الوصول لا تعني بالضرورة القدرة على البقاء في ذاكرته. فليس المهم أن نترك بصمة عابرة تُرى اليوم وتُنسى غدا، وإنما أن نتعب في صناعة أثر طويل الأمد، يمتلك من الأصالة ما يجعله عصيا على التلاشي السريع.
وأنا أؤمن أن كل قارئ يختار الجمهور الذي ينتمي إليه، مثلما تختار المنابر الثقافية جمهورها من خلال طبيعة ما تقدمه. فكما يوجد جمهور يميل إلى المحتوى الجاهز والمبتذل والسريع، هناك جمهور آخر ما زال يبحث عن الأصالة، ويركض خلف الحرف الراقي، ويتوق إلى الأعمال التي تحتفظ بقيمتها مهما تعاقبت الأزمنة.
ولعل أجمل دليل على ذلك أننا، رغم وصولنا إلى عصر شديد السرعة والتسارع، ما زلنا نستمع إلى فيروز، ونعود إلى فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ووديع الصافي، ونستعيد مسرحيات الرحابنة وأعمالهم التي شكلت مدرسة فنية متفردة، كما نعود إلى جبران وإلى الأدب التراثي والشعر الجاهلي والبحور الخليلية. فما زالت هذه التجارب تجد طريقها إلى أجيال متعاقبة، لأن الأصالة تمتلك قدرة على تجاوز زمن إنتاجها، ولأن العمل الذي يحمل قيمة حقيقية يستطيع أن يعبر العصور دون أن يفقد جوهره.
لهذا لا أؤمن بأن علينا أن نختبئ خلف مقولة (الجمهور عايز كده)، بل أؤمن بأن علينا أن نمتلك شجاعة الاختيار، وأن نحدد الجمهور الذي نريد مخاطبته من خلال نوعية المادة التي ننتقيها ونقدمها. فحين نختار أن نخاطب أصحاب الذائقة الباحثة عن الأصالة، ونمنح الحرف الذي يستحق مساحة حضوره، نكون قد بدأنا بالفعل في بناء علاقة تتجاوز حدود المشاهدة العابرة إلى الارتباط الوجداني والفكري…فليس المهم أن نصل إلى أكبر عدد من المتلقين في أقصر وقت، بل أن نصل إلى القلوب التي تدرك قيمة ما نقدم، وأن نترك فيها أثرا لا تمحوه سرعة العصر. فما يصل بسرعة قد يغيب بسرعة، أما ما يتأسس على الأصالة والصدق والقيمة، فيمتلك فرصة البقاء في الذاكرة والوجدان. وربما هنا تكمن فلسفتي في العمل الثقافي: لسنا مسؤولين عن إرضاء كل الأذواق، لكننا مسؤولون عن احترام الذائقة التي نختار مخاطبتها، وعن جودة الأثر الذي نتركه فيها.

شاهد أيضاً

نسيم خطاطبه

سَنَدِيَ الَّذِي خَذَلَنِي ، بقلم : نسيم خطاطبه

سَنَدِيَ الَّذِي خَذَلَنِي ، بقلم : نسيم خطاطبه رَبَيْتُكَ يَا بُنَيَّ وَكُلُّ حُبِّيوَغَرَسْتُ الْقِيَمْ فِي …