
أبو صابر في مسرح الاستعراض: مرافقة الحمار كضرورة إبستمولوجية ، بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د. محمد نبيل كبها
من أكثر تمظهرات الاغتراب الوجودي والمفارقة السريالية بالنسبة لي، هي هذه المعية الأنطولوجية الكافكاوية مع هذا الكائن البدائي، في خضم المدافن السيبرانية، والانحلال القيمي، والتلوث السوسيولوجي المعاصر، وإنها لمفارقة نيتشوية بامتياز؛ أن أجد نفسي مدفوعاً لمزامنة “الحمار”، وسط مقابر العدمية الرقمية، وأفول القيم، والانحطاط الثقافي للمجتمع الحديث.
قد يستدعي التآخي الأنطولوجي بيني وبين الحمار دهشة الوعي الجمعي، وهو ارتيابٌ لا أستهجنه؛ إذ ترتكز المخيلة السائدة على اختزال “الحمار” في رمزية البلادة والقصور المعرفي، محوّلةً ماهيته في المعجم السلوكي اليومي إلى أداة لتقويض القيمة الإنسانية وتدنيس الآخر. بيد أن هذا السرد السائد يعكس جور الوعي البشري؛ فماذا لو كان هذا “الحمار” باكتفائه الوجودي واتساقه مع ناموسه الفطري، قد شقّ أفقاً يتجاوز به مالكه المستلَب؟
ألم تُرسخ الذاكرة التاريخية تسمية الحمار بـ “أبي صابر”؟ وهي تسمية تختزل أرقى تمظهرات الرواقية والتحمل الفينومينولوجي أمام وطأة التنكيل البشري، هذه الجهود المضنية للحمار التي يُقدمها ومازال قرباناً لتاريخنا البشري الصاخب.
إن الحمار، في جوهره الأنطولوجي، يتبدى كنموذجٍ معياري للسلوك والأخلاق، افتقدته الذات الإنسانية المعاصرة في زمن السيولة والتشيؤ. وإن الكشف الفينومينولوجي عن طباعه ومسالكه الفطرية، يحمل أبعاداً وجودية غائرة، تحوّل مياومته وصحبته من مجرد خيارٍ عابر، إلى ضرورة إبستمولوجية ورياضة روحية، لا غنى عنها لتقويم اعوجاج الذات البشرية، ومداواة اغترابها السلوكي.
إن سبر أغوار الكينونة لدى الحمار يُفصح عن حركية صامتة تتكامل مع البنية الحيوية للعالم، متجاوزةً شهوة التملك الإنسانية وميكانيزمات التقويض البيئي؛ وعلى الضد من ذلك، يبرز الحضور البشري كعنصر فوضوي أحدث شرخاً راديكالياً في صلب الوجود. وإذ يتمثل هذا الحمار حالة من الاتساق الأخلاقي مع الماهية والاكتفاء بالمعطى الوجودي، يتخبط الإنسان في مغتربه الميتافيزيقي السرمدي. إنه -الحمار- يجسد السكينة الـمُتعالية (الأتاراكسيا) في قبول حتميات الواقع، بينما تظل الإستاطيقا البشرية مرتهنةً لصدامات عبثية ونزعات هضم حقوق الطبيعة، مدفوعةً بيوتوبيا الهيمنة الزائفة.
وفي حقبة السيبرانية والأتمتة المعاصرة، يتبدى “الإنسان” ككائنٍ “فرانكنشتايني” صاغ أدوات تقويضه الذاتي بوعيه التقني المستلَب، في حين يتسامى “الحمار” كأيقونة حية لـ “الأتاراكسيا” الرواقية في ذروة تمظهراتها؛ إذ يتقبل الحتميات الوجودية ووطأة الاغتراب دون تبرم ميتاديني أو نزوعٍ انتقامي. وعلى النقيض من هذه السكينة الأنطولوجية، يندفع الوعي البشري بجهالة أداتية نحو حتفه الحتمي، مسوقاً بنرجسية عمياء تتوهم السيادة المطلقة على الكينونة.
ولا شك أن “الحمار” يتجلى في اتساقٍ فينومينولوجي تام مع كينونته؛ فهو كائنٌ يمارس الأصالة الوجودية بعيداً عن أقنعة الزيف والادعاء المعرفي، في حين يرتد الوعي البشري نحو مغالطة “الوجود غير الأصيل”، متوسلاً الأقنعة السيكولوجية لمداراة عهده بالنقص وعجزه الإبستمولوجي. وهنا تتبدى المفارقة السقراطية التي فككها “توفيق الحكيم” في أطروحته الأدبية “حمار الحكيم”؛ حيث يغدو الحمار أرقى رتبةً في سلم الوعي من مالكه، كونه يحقق ماهية “الجهل البسيط” (الوعي بالحدود المعرفية والاعتراف بها)، بينما يرسف الإنسان في فخ “الجهل المركّب” (الجهل بالجهل الذاتي)، مدفوعاً بمرض الادعاء والنرجسية المعرفية.
الحمار يعيش في حالة من الاكتفاء الأنطولوجي الخالص، متحرراً من متطلبات الإستاطيقا الاجتماعية وأوهام التميز النرجسي؛ فهو وجودٌ عارٍ من الأقنعة، لا يعبأ بتراتبية الألقاب أو شهوة الاستعراض والمسميات. وعلى النقيض من ذلك، ترزح الذات الإنسانية الحداثية تحت نير الاغتراب المؤسسي، مشيَّأً داخل بنية اجتماعية تصنع أقنعته السلوكية، ومحتمياً بترسانة من التوصيفات البيروقراطية والألقاب الوظيفية؛ وهي استراتيجيات هروبية يمارس عبرها الاستلاب الوجودي، متفادياً جحيم مواجهة الذات الناتجة عن حريته الراديكالية، ليغدو مجرد شبح يتحرك في مسرح الاستعراض المجتمعي بعيداً عن حقيقة الكينونة.
وفي مقابل الفوضى اللغوية والثرثرة الأنطولوجية الجوفاء التي يفرزها الإنسان في واقعه المادي ويضاعفها في فضاءاته السيبرانية، يلتزم الحمار بصمتٍ ميتافيزيقي مهيب. إنه صمتٌ لا يعكس قصوراً، بل يُمثل تحرراً من عبثية الكلمات؛ إذ لا يخرق الحمار سكينته الوجودية إلا لاستجابةٍ نداء الحتمية والضرورة القصوى، متسامياً عن لوغوس البشر الصاخب الذي تحول من أداة للبيان إلى أداة لإنتاج التلوث السمعي والافتراضي.
إن هذا الالتفات الأنطولوجي نحو معية الحمار لا يمثل نكوصاً عن فرادة الكينونة البشرية أو جحوداً بالتكريم الإلهي المفارق الممنوح لبني آدم، فقد قال تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (الاسراء / 70)”؛ بل هو استجابة لنداء تفكري يرفعه هذا الوجود النقي في وجه غطرستنا.
ختاماً.. لقد فكك الحمار بوجوده العفوي سردية تفوقنا الأخلاقي المدعى؛ فهو منزهٌ عن الخيانة، وبريء من شهادة الزور، ولم تتلوث فطرته بالنزعات الدوغماطيقية الطائفية، أو الهولوكوستات الحروبية الصاخبة. لذلك أجد أن صحبة “الحمار” هذا الفيض الوجداني تغدو ترياقاً للإغتراب الجليدي للذات البشرية، والإنصات لصمته الـمُمتد أعمق أثراً من صخب اللوغوس البشري المتضخم؛ ذاك الصراخ الأيديولوجي لكبار المنظرين الذين أغرقوا العالم في الفوضى وعقّموا التاريخ بالضجيج المعرفي الزائف.
الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني م.محمد نبيل كبها
رئيس جمعية صالون وتد الثقافي، وعضو الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.