5:25 مساءً / 2 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

أنوثة ٌ معلقة على مشجب الحرب : كيف تصبح المرآة في غزة عدواً ؟ بقلم : منال الصفدي

أنوثة ٌ معلقة على مشجب الحرب : كيف تصبح المرآة في غزة عدواً ؟ بقلم : منال الصفدي

هناك زاوية ٌ مظلمة ٌ في النكبة لا ترصدها كاميرات البث الحي ولا تقارير الإغاثة الجافة ؛ زاوية تُشن فيها أشرس حرب استنزاف ضد أدق تفاصيل الكينونة :« الأنوثة»
في غزة لم تسقط المنازل فوق رؤوس قاطنيها فحسب ، بل سقطت معها كل الحقوق البديهية للمرأة ، حتى تحول جسد الأنثى ونعومتها وفطرتها من نعمة وحياة إلى قيد يثقل كاهلها ، بل إلى شبح يومي يطارها بين شظايا الخيام .

قد يبدو هذا الطرح لمن يقرا من خلف الشاشات بعيداً عن جحيم غزة أمراً هامشياً ، وربما يتساءل البعض باسغراب : هل هذا وقت الحديث عن المرايا والعطور وسط بحر الدماء والدمار ؟ لكن الواقع المعاش هنا يفرض حقيقتة الصادمة؛ فوحده من ذاق مرارة العيش في هذه البقعة يدرك تماماً مايعنيه أن تفقد المرأة أبسط مقدرات الحياة اليومية حتى تصبح البديهيات التي يملكها كل إنسان حول العالم أحلاماً مستحيلة المنال .


حين يُجرد الغنسان من أصغر تفاصيل كرامته الفردية ، لايعود الحديث عن الانوثة ترفاً فكرياً ، بل صرخةً في وجه انسحاق متكامل يتعمد محو الذات وإلغاء إنسانيتها .

تبدأ المأساة من غياب تفصيل يبدو صغيراً لكنه جوهري : ألا تجد المرأة متسعاً أو وسيلة لتفقد نفسها والاطمئنان على ملامحها ، تلك اللحظة المسروقة من صخب اليوم التي تجلس فيها أمام مرآتها ، تحولت زمن الحرب إلى رفاهية مستحيلة بل محرمة أو ذكرى باهتة .


وإن وُجدت شظية زجاج متبقية من بقايا خزانة محطمة ، فإنها لا تعكس سوى وجهٍ لوحه غبار الركام والرماد وعينين غارقتين في هالات السهر والترقب . حتى الرغبة العفوية في لمسة ترطيب للبشرة المنهكة أو مسحة عطر تعيد للروح توازنها ، صودرت قسراً ؛ فبين حرب الإبادة وشجع تجار الدم قفزت أسعار مساحيق التجميل وأبسط مستلزمات الغاية الشخصية إلى أرقام فلكية وكأن هناك إصراراً على تذكير المرأة بأن أي محاولة للتشبث بجمالها أو فطرتها هي تهمة يجب إخمادها في مهدها وداخل أروقة النزوخ التي انعدمت فيها الجدران وتلاشت معها أدنى مستويات الخصوصية ، تحول الجسد إلى ساحة صراع مستمرة .


أين تختبىء المرأة لتبدل ثيابها ؟ كيف تواجه أيام دورتها الشهرية في ظل انقطاع المياه وشح الفوط الصحية ؟ كيف تغسل شعرها الذي أُجبرت الآلاف على قصه توفيراً لقطرة ماء واتقاءً للأوبئة ؟


لقد تحول ثوب الصلاة إلى كفنٍ مؤقت وجلدٍ ثانٍ لا يُخلع لشهورٍ طويلة ، لتبقى الأنثى مستعدة دوماً لقصفٍ مباغت أو نزوح ٍ مُذل في منتصف الليل ، أو شهادة تستر جسدها أما الجميع .


أما القسوة الأكثر شدة فتتجلى في تحنيط المشاعر وتجريد المرأة من حقها الإنساني في الضعف ، تحتوطأة البقاء ، كان على الغزية أن تقتل رقتها بيديها ، أن تسحب أكياس الطحين ، وتحمل صفائح الماء التي تقصم الظهر وتكابد حطب النار ودخانه الذي يلتهم العيون ، بينما تبتلع دمعتها بقسوة كي لا ينهار أطفالها .


سُلبت منها مساحة الحزن وحُرمت من طلب الحماية ، لتُقحَم في دوامة البقاء تحت شعارات رومانسية رنانة عن الصمود الأسطوري والخنساء شعارات يختبئ خلفها العالم ليتنصل من قبحه ومن مسؤوليته الأخلاقية عن سحق كرامتها اليومية .

يُخطىء من يظن أن هذا الإنهيار الداخلي يعلن عن نفسه بسهولة أمام الغرباء ؛ هنا مجبرة حتى على حراسة ملامحها كي لاتنهار أمام شاشات العالم .
استوقفني بالأمس وأنا أُشارك في دورة تدريبية عبر الشاشة سؤال طافح بالدهشة طرحه زميل من الكويت وهو يخاطب المدربة الغزية بذهول : كيف تضحكون ؟ وكيف مازلتم تديرون ورش العمل بكل هذه الطاقة وسط الجحيم ؟ أجابته بابتسامة متماسكة هكذا نحن نساء غزة


بدت الإجابة لمن يراها من الخارج انتصاراً للصمود ، لكنها في عمقها تختصر المأساة كلها : كم من الجهد النفسي الجبار تبذله هذه المرأة لترتدي قناع الاتزان ؟ كم تدفع من روحها لتظهر بتلكالطاقة ، بينما تنطفئ الكاميرا لتعود إلى واقع الخيمة ، وثوب الصلاة المتآكل ، وإلى معركة البحث عن قطرة ماء ؟ ان تلك الابتسامة ليست ترفاً ولا دليلاً على التعافي ، بل هي آخر متراس للدفاع عن العقل والكرامة قبل أن يبتلعنا الرماد .

إن ما تعيشه المرأة في غزة جريمة متكاملة تتجاوز حدود الجوع والعطش إلى محاولة اغتيال الهوية والروح . لم تكن الغزية يوماً شبحاً ولن تكون؛ وحين تُحرم من مرآتها وعطرها وخصوصيتها ، فإن ذلك لا يسلبها قيمتها ، بل يعري عجز المنظومة الدولية وزيف مواثيقها ويؤكد أن كرامة الأنوثة التي تقاوم السخام والدمار أطهر وأبقى من حضارة تبرر سحق تفاصيل الإنسان البسيطة .

البحث عن قطرة ماء؟ إن تلك الابتسامة ليست ترفاً ولا دليلاً على التعافي، بل هي آخر متراس للدفاع عن العقل والكرامة قبل أن يبتلعنا الرماد.»

شاهد أيضاً

مبعوثون صينيون خاصون يعتزمون إجراء زيارات مكوكية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا

شفا – أعلنت ماو نينغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، اليوم الاثنين أن المبعوثين الصينيين …