
قراءة في قصيدة” هل أنت تذكر حرب باب الوادي” للشاعر صالح أحمد الريماوي
جسَّد فيها تلاحم تضاريس الأرض مع إرادة الثائر الفلسطيني، ليصنع نصاً شعرياً حماسياً قادراً على تخليد البطولة العسكرية بأسلوب أدبي رفيع
بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي
تُعدّ هذه القصيدة نموذجاً حياً لِشعر المقاومة والملامح الحماسية، وهي توثّق لمعركة “باب الواد” الشهيرة عام 1948 بأسلوب يدمج بين الفخر القومي والوصف التصويري لمعارك جيش الجهاد المقدس والمتطوعين بقيادة البطل عبد القادر الحسينى والجيش العربي الأردني ضد الوحدات والأولوية العسكرية الصهيونية(الهاجانا).
من قصيدة: معارك باب الواد
هل أنت تذكر حرب باب الوادي
هل أنت تذكر حرب باب الوادي
يوم التقى ثوارنا بأعادي
كم زغردتْ فيه بنادق صحبنا
وارتجَّتِ الدنيا من الإرعاد
كم فيه من طيارةٍ قد أَرْسلتْ
سيلاً علينا فاق سيل غوادي
كم وقعةٍ فيه أطاح رجالنا
فيها، بكل مخاصمٍ ومعادي
نيراننا كم فيه ألهبت العدا
فوق الرُّبا أو في حضيض وهاد
كم فيه «عبدالقادر» البطل اصطلى
حربًا تُشيب مفارق الأولاد
لما اعتلى الجبل الأشمَّ ظننتُه
من فوقه، طودًا من الأطواد
ضمَّت أضالعه جريء فؤاده
ما مثْلُهُ، في الحرب، صُمّ صِلاد
فيه أبادت نار رشاشاته
نفرًا من الأجلاف والأوغاد
وانصبَّ مثل السيل صوب عداتنا
فأباد كل مكابرٍ متمادي
وانقضَّ في الوادي على أخصامنا
فهوَوا كأنهمُ هشيم حصاد
كمنَتْ فصائله بخط قوافلٍ
وتجهَّزَتْ ببنادق وعتاد
جر القوافلَ للكمائن حتفُها
فكأنّما كانا على ميعاد
فتناثرت أشلاء أعداء الحمى
وغدت لوحش البرِّ بعضَ الزاد
من لم يمزّقه رصاص بنادق
نزعت شَوَاه بواتر الصيَّاد
خلال قراءتي للقصيدة وتحليلي لجماليات القصيدة الفنية والموضوعية ركزت على التالي:
أولا- البناء الموضوعي والعاطفي (المضمون)
⦁ النزعة الحماسية والتوثيقية: تبدأ القصيدة باستدعاء الذاكرة الجمعية عبر سؤال تقريري “هل أنت تذكر…” ، لتحويل الحادثة التاريخية إلى فخر دائم. القصيدة غنية بعاطفة جياشة تجمع بين الاعتزاز بالبطولة، وإظهار قسوة المعركة، والتشفي بالأعداء.
⦁ البطل الرمز: يبرز الشاعر شخصية القائد “عبد القادر” إشارة إلى عبد القادر الحسيني ليكون رمزاً للمقاومة، ويظهره في صورة الأيقونة التي تمنح المقاتلين الثقة.
2- الجماليات الأسلوبية والتصويرية (الصورة الفنية)
تمتلئ القصيدة بالصور البلاغية والتشبيهات المستمدة من البيئة العربية الأصيلة والموروث القرآني:
⦁ التشخيص وحيوية الحركة: في قوله “كم زغردت فيه بنادق صحبنا”، استعار الشاعر “الزغردة” وهي صوت الفرح للبنادق، مما يقلب مشهد الموت إلى مشهد عرس وطني، ويؤكد استرخاص الأرواح في سبيل الأرض.
⦁ التشبيهات القرآنية والبيئية:
حين وصف الأعداء بعد انقضاض الثواربقوله: “فهوَوا كأنهمُ هشيم حصاد”، وهو اقتباس ذكي ومؤثر مستوحى من التعبيرات القرآنية التي تصف الهلاك السريع والكامل للطغاة.
كما وصف القائد البطل بقوله: “ظننتُه من فوقه، طوداً من الأطواد”، والتشبيه هنا بالجبل العظيم يعكس الثبات الشامخ والضخامة الهيبة.
⦁ المقابلة والطباق: استخدم الشاعر المحسنات البديعية لخدمة المعنى وإبراز شمولية المعركة مثل: “فوق الرُّبا أو في حضيض وهاد” الربا والوهاد، المرتفعات والمنخفضات” ليوضح أن نيران الثوار لاحقت الأعداء في كل تضاريس المنطقة.
3- البنية الإيقاعية والموسيقية:
لقد نظم شاعرنا الثائر هذه القصيدة على بحر البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن)، وهو من البحور الرصينة الطويلة التي تتسع لذكر التفاصيل وتناسب غرض الفخر والحماسة.
كما كان اختياره القافية الممدودة المسبوقة بألف لحرف الروي الدال المكسورة “الوادي، أعادي، غوادي، الأولاد” ليعطي نغماً داخلياً يزاوج بين “الرنين الحاد” لرصاص البنادق و”الآهة الممتدة” التي تعكس وعورة وجلال التضحية.
وخَلقَ بتكرار صيغة المبالغة والتكثير “كم” ” كم زغردت، كم فيه من طيارة، كم وقعة، كم فيه ألهبت” إيقاعاً متتابعاً يشد القارئ ويجعله يعيش زخم المعركة وتلاحق أحداثها.
لقد استخدم الشاعر ” صالح الريماوي” ألفاظا ومعجماً شعريا حربياً صارماً وقاسياً في القصيدة بحيث يتناسب مع طبيعة المعركة الملحمية “أبادت، انقضّ، تناثرت أشلاء، يمزّقه، بواتر”. في المقابل، نجد تباجساً لفظياً واضحاً في تصنيف الشخوص؛ حيث استخدم للثوار ألفاظ الرفعة والإقدام “ثوارنا، البطل، جريء فؤاده”، بينما نعت الأعداء بألفاظ التحقير والامتهان”الأجلاف، الأوغاد، كل مكابر متمادي”
إن جزالة القصيدة وقوة اللفظ وعمق المعنى تدفعني للقول: إن القصيدة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي لوحة فنية متحركة تمكن الشاعر فيها بصياغة تلاحم تضاريس الأرض “الجبل، الوادي، الربا” مع إرادة المقاتل العربي، ليصنع نصاً شعرياً حماسياً قادراً على تخليد البطولة العسكرية بأسلوب أدبي رفيع.خاصة وأن كاتبها شاعر ثائر، خاض المعارك دفاعا عن الوطن “فلسطين”، جنبا إلى جنب مع القائد الشهيد” عبد القادر الجسيني”، حتى أصيب بجراح بالغة في حوضة خلال المعركة ضد الإنجليز والعصابات الصهيونية قرب مستعمرة (نفي يعقوب) الصهيونية ومنطقة الشيخ جرَّاح بالقدس مساء يوم 2/1/1948م، نقله الثوار على الفور إلى المستشفى الفرنسي مكث فيه لمدة ثلاثة شهورفي القدس، ومن هناك تم تهريبة إلى سوريا لتلقي العلاج، بسبب مطاردة الإنجليز له. كتب على إثرها ققصيدة بعنوان”جرحي” وهو على سرير الشفاء، يصف فيها نزف الدِّماء منه بغزارة والكسور التي أضحت وسام شرف على جسده حتى وفاته، طيّيب الله ثراه وأحسن مثواه مع الصديقين والشهداء…
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.