
غزة.. حين صار المطر خوفًا، والخيمة وطنًا مؤقتًا، بقلم : سارة الهركلي
في ليلة هادئة، كنت أحلم بغدٍ جميل، لكنني استيقظت على واقع يشبه التابوت الأسود، يلفّ مدينتي الجميلة غزة بالعتمة والحزن، ويثقل قلوب عائلتي وكل من نحب. لم أكن أعلم أن تلك اللحظة ستكون بداية حكاية طويلة من الألم والخوف والحنين.
منذ السابع من أكتوبر عام 2023، دخلت غزة فصلًا قاسيًا من المعاناة، مع اندلاع الحرب التي أعقبت عملية «طوفان الأقصى». استيقظنا على أصوات الصواريخ والقصف، واضطررنا إلى مغادرة بيوتنا والنزوح إلى أماكن لم نعرفها من قبل. تركنا وراءنا جدرانًا تحفظ ضحكاتنا، وزوايا تختزن ذكرياتنا، وأبوابًا تمنّينا أن نعود إليها سريعًا.
لكن القصف دمّر بيوتًا وأحياءً كاملة، وغابت وجوه ألناس الطيبين رحلوا عن الدنيا، وبقيت ذكرياتهم تسكن قلوبنا. ومع اقتراب الدبابات، هرب الناس وهم يلتفتون إلى الوراء، يحملون أطفالهم ويودّعون بيوتهم بقلوب مرتجفة، دون أن يعرفوا متى ستنتهي رحلة النزوح.
ثم جاء الجوع، فأصبح الطعام حلمًا لكثير من الأسر، إما لندرته أو لارتفاع أسعاره. ماذا تقول الأم لطفلها حين يطلب رغيفًا فلا تجده؟ وكيف يشعر كبار السن والمرضى حين يعجزون عن الحصول على الغذاء والدواء؟ ومع نقص الأدوية ومواد التنظيف والوقود، تفاقمت الأمراض، وأصبحت أبسط احتياجات الحياة معركة يومية.
تحولت المدارس إلى أماكن إيواء لآلاف العائلات، وأصبحت الخيام بيوتًا اضطررنا إلى العيش داخلها. خيام من القماش والنايلون والخشب، لا تحمينا من حرارة الصيف ولا من برد الشتاء. ولا من الرصاص الطائش او اثر القصف القريب في الصيف، كانت كأنها فرن مشتعل، وفي الشتاء كأننا ننام داخل ثلاجة.
قبل الحرب، كنا نستقبل المطر بالفرح والدعاء، لكننا صرنا نخشى هطوله؛ لأن المياه كانت تغمر الخيام وتحوّل أرضها إلى برك من الوحل، وأحيانًا كانت تتسبب في انهيارها فوق رؤوس ساكنيها. حتى المطر الذي كان رمزًا للخير أصبح مصدر خوف.
أما المساعدات التي كانت تصل جوًا بالمظلات، فقد تحوّل انتظارها أحيانًا إلى خطر، حين سقطت طرود على أشخاص، فمات بعضهم ونجا آخرون. كنت أتساءل بحزن: كيف وصل بنا الحال إلى انتظار الطعام من السماء، بينما يحتاج الإنسان إلى الغذاء والأمان والكرامة؟
وها نحن نستعيد ذكرى السابع من أكتوبر، وما زال وجع غزة حاضرًا، وما زلنا نحلم بالعودة إلى بيوتنا، وبأن نسمع ضحكات الأطفال بدلًا من أصوات الانفجارات، وأن يصبح المطر بشارة خير، والخيمة ذكرى من ماضٍ قاسٍ.
اللهم لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، واحفظ غزة وأهلها، وارحم شهداءنا، واشفِ جرحانا، وآوِ مشرّدينا، واكتب لنا فجرًا ينتهي فيه الخوف، ويعود فيه الإنسان إلى بيته وأمانه وكرامته.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.