4:35 مساءً / 29 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

قفزة ثلاثية للاستثمارات الأجنبية في الصين: من السوق إلى التصنيع ثم الابتكار ، بقلم : تيان جيانينغ

قفزة ثلاثية للاستثمارات الأجنبية في الصين: من السوق إلى التصنيع ثم الابتكار ، بقلم : تيان جيانينغ


لم تعد الصين بالنسبة إلى الشركات متعددة الجنسيات مجرد سوق ضخمة لبيع منتجاتها، ولا مجرد قاعدة صناعية لتصنيع منتجاتها بتكلفة تنافسية. فاليوم، تتجه شركات عالمية إلى خطوة أبعد: تطوير منتجات جديدة في الصين، واختبار ابتكاراتها فيها، ثم نقل نتائجها إلى الأسواق العالمية.

هذا التحول يعكس قفزة ثلاثية في مسار الاستثمارات الأجنبية في الصين من البيع في السوق المحلية إلى التصنيع على أرضها، وصولا إلى البحث والتطوير والابتكار من أجل العالم. وهي قفزة لا تعيد تشكيل استراتيجيات الشركات متعددة الجنسيات فحسب، بل تكشف أيضا عن تحول أعمق في موقع الصين داخل سلاسل القيمة العالمية.

كانت المرحلة الأولى هي “البيع في الصين”. في البداية، كان دخول الصين يعني بالنسبة إلى كثير من الشركات الأجنبية الاستفادة من سوق واسعة ومتنامية، عبر طرح منتجاتها القائمة وتوسيع شبكات توزيعها المحلية.


لكن تنوع أذواق المستهلكين الصينيين وتغير احتياجاتهم جعلا هذا النموذج أقل كفاية. وتقدم شركة لوريال مثالا على ذلك؛ إذ أصبحت الصين ثاني أكبر أسواقها عالميًا. وفي عام 2025، حصلت فرق البحث والتطوير والابتكار التابعة لها في الصين على 94 براءة اختراع، فيما صُنّع محليًا 64% من المنتجات التي تبيعها في السوق الصينية.

وهكذا، لم تعد السوق الصينية مصدرا للمبيعات فحسب، بل أصبحت أيضًا مساحة لفهم المستهلكين واكتشاف احتياجات جديدة وتحويلها إلى منتجات مبتكرة.

ثم انتقلت المرحلة الثانية إلى شعار “صنع في الصين”. مع ترسخ مكانة الصين مركزا رئيسيا للتصنيع العالمي، وسّعت الشركات الأجنبية استثماراتها لتشمل الإنتاج والمشتريات وسلاسل الإمداد. ولم تعد جاذبية البلاد مقتصرة على تكاليف الإنتاج، بل باتت تشمل تكامل المنظومة الصناعية، وتوافر الكفاءات الهندسية، والبنية التحتية اللوجستية، وسرعة الانتقال من التصميم إلى الإنتاج.

ويجسد مصنع ميشلان الجديد في شنغهاي هذا التطور. فالمصنع، الذي تصفه الشركة بأنه «مصنع المستقبل»، يركز على الإطارات الكبيرة عالية الأداء، مع تخصيص نحو 70% من الطاقة الإنتاجية الإضافية لتلبية احتياجات قطاع مركبات الطاقة الجديدة. ويمكنه إنتاج نحو 360 مقاسًا مختلفا من الإطارات، بحد أدنى للدفعة الإنتاجية 100 إطار، فيما انخفض زمن تغيير الإنتاج من ساعات إلى دقائق.

وتكشف هذه القدرات عن تحول في طبيعة التصنيع الصيني، الذي لم يعد يعتمد على الإنتاج الضخم وحده، بل بات يوفر مرونة أكبر في تلبية الطلبات المتنوعة ومواكبة التطور السريع للمنتجات. وفي صناعة السيارات تحديدا، أصبحت سرعة الموردين في الاستجابة لمتطلبات تطوير الطرازات الجديدة عاملا مؤثرا في القدرة التنافسية.

أما المرحلة الثالثة فهي قيد التنفيذ حاليا: “البحث والتطوير من الصين إلى العالم “.

يمثل البحث والتطوير الامتداد الأحدث لاستثمارات الشركات الأجنبية في الصين، مع انتقال بعض الأنشطة الابتكارية المحلية إلى الأسواق العالمية.

ووفقا للإحصاءات، شهدت الصين تأسيس 37,711 شركة جديدة ذات استثمار أجنبي خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، بزيادة سنوية قدرها 4.4%. وخلال الفترة نفسها، ارتفع الاستخدام الفعلي لرأس المال الأجنبي في الصناعات عالية التقنية بنسبة 32.7%، فيما سجل الاستثمار الأجنبي في خدمات البحث والتطوير والتصميم نموًا بلغ 72.1%.

وتعكس تحركات عدد من الشركات العالمية هذا الاتجاه. ففي شركة سانوفي، تشارك الفرق الصينية في أكثر من 90% من مشروعات الأدوية الجديدة قيد التطوير عالميًا. كما افتتحت بوهرنغر إنغلهايم مركزا جديدا للبحث والتطوير في منطقة تشانغجيانغ بشنغهاي، وشهدت الصين الإطلاق العالمي الأول لعدد من أدويتها المبتكرة.

وفي قطاع التكنولوجيا الصناعية، طورت بوش منتجات الجسور الكهربائية للمركبات وأطلقت إنتاجها بكميات كبيرة في الصين، قبل نقل الحلول التقنية إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية. كذلك، طور فريق البحث والتطوير التابع لشركة يونيليفر في الصين منتجات للعناية بالبشرة، وبعد اختبارها في السوق المحلية، انتقلت إلى الأسواق الدولية.

وتستفيد هذه الشركات من تنوع سيناريوهات التطبيق في الصين، وسرعة تطور الطلب، واتساع قاعدة الكفاءات التقنية، وهي عوامل تساعد على تسريع تطوير المنتجات واختبارها قبل طرحها في أسواق أخرى.

في المحصلة، لم يعد تقييم الصين في حسابات الشركات الأجنبية مرتبطا بحجم المبيعات أو تكلفة العمالة وحدهما. فالجمع بين السوق الواسعة، والمنظومة الصناعية المتكاملة، والكفاءات الهندسية، والبيئة المتنامية للابتكار يجعل الاستثمار فيها جزءا من استراتيجية التنافس عالميا.

وبالنسبة إلى الشركات متعددة الجنسيات، لم يعد البحث والتطوير في الصين مجرد وسيلة لخدمة العملاء المحليين، بل بات فرصة لتطوير حلول ومنتجات قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

شاهد أيضاً

سفير فلسطين لدى لبنان محمد الاسعد يستقبل سفيرة الدنمارك

سفير فلسطين لدى لبنان محمد الاسعد يستقبل سفيرة الدنمارك

شفا – استقبل سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد الاسعد اليوم الخميس، سفيرة …