
شفا – الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الأديبة الجزائرية فتيحة الهادي رحمون
نبض السرد وقلق الحكاية: حوار في هموم الكتابة والحياة مع الأديبة الجزائرية فتيحة الهادي رحمون
حوار عطا درغام
حين نجلس أمام مبدعة نذرت قلمها لملامسة الأوجاع الحقيقية ورصد تفاصيل النفس البشرية، تذوب قشور الكلمات المصنوعة لتفسح المجال لنقاش بطعم الصدق والورق. الأديبة والكاتبة الجزائرية فتيحة الهادي رحمون تعيد في مشروعها صياغة الواقع بحبر يمزج بين عذوبة اللفظ وأصالة الموقف الإنساني؛ فهي لا تكتفي برواية الأحداث، بل يبث قلمها الروح في نصوصها لتتحول إلى مرايا تعكس ملامحنا ومخاوفنا وتطلعاتنا. في هذا الحوار الممتد، نترك خلفنا الأسئلة التقليدية والصيغ الجاهزة، لنقترب من محبرتها المتمهلة، ونبحر في ركنها الخاص لنكتشف كيف توازن بين واجبها في نقل هموم مجتمعها وبين شغفها الإبداعي؛ باحثة عن تلك المساحة الساحرة التي تلتقي فيها عفوية الفكرة مع انضباط الصنعة، لتخرج الكلمة من تحت يدها بسيطة، عميقة، وقريبة من قلوب الناس.الروايات بين جراب الخطايا، وأبراسكيتا، عري أنثى، وأوزليم ورحى الذاكرة، وشهرة تلك المرأة التي ألهمتني وصولا إلى رواية رينيه فوتييه طعنة في الخاصرة، يتحرك السرد لديك في مناطق شائكة.
المحور الأول: حوار في عمق الأثر: المسافة بين الخطاب الإعلامي وسؤال الكينونة الأدبية
1.تتأرجح لغتك الروائية بين التدفق الشاعري والاقتضاب الصحفي الحاد؛ كيف تقودين المعركة الصامتة داخل النص لكي لا تلتهم الشاعرةُ عينَ الرائدة الصحفية أثناء بناء المشهد؟
الكتابة الأدبية الروائية عندي هي تسريد للذاكرة الحبلى بالجراح، واستنطاقها وترويضها في عطب ما أو جملة من الأعطاب النفسية أو الاجتماعية أو غيرها، وتشكيل لمعان مختلفة عن الوعي حين يلامس الواقع فيتشظى بوحا وجرحا في المناطق النازفة، ثم يحاول من خلال اللغة الشعرية والسرد الجاد أن يشفي الجرح الغائرة ويوقف نزفها و يشفيها ويخمد نيرانها ويزرع فيها الخير وينبت الأمل ويشرع الأفراح. وهي عملية إذكاء للذاكرة تارة كجمر غضي حين هبت له الريح ذاكيا وتارة أخرى هي إطفاء لحرائق الروح، فأنا أكتب لأطفئ حرائقي، ولأشفي جراحي، بالكتابة عندي ملاذ آمن وملجأ مستحيل ووطن أحيا فيه غربتي. أما الكتابة الصحافية والإعلامية فهي تشريح للمشاهد الثقافية والاجتماعية بلغة العلم مع تفنيد للآراء ووجهات النظر، وفي أغلبها هي مقالات رأي.
2- في أعمالك الروائية، تضعين الشخصيات دائماً في مأزق الاختيار الأخلاقي الحرج؛ هل تبحثين عبر الرواية عن محاكمة للواقع، أم أنكِ تحاولين فقط منح هذه الشخصيات فرصة ثانية لتبرير خطاياها الإنسانية؟
في أعمالي الروائية أصعب الشخصيات دائمًا في مأزق الاختيار الأخلاقي كأنه محاولة لمحاكمة الواقع طبعا لا فهي أقدار مهما كانت نرضى بها لكن نحاول التعايش مع الواقع وتغييره للأفضل وهي ليست تبرير لخطايا هاته الشخصيات بل إعطاءها فرصة ثانية الحياة وحسن الاختيار لتصحيح مسارها في الحياة وإعادة بناء الذات والعلاقات رغم جل المعوقات. وتحدي الواقع الأليم الذي يعترضها لأنه لم يفت الأوان على درك النقود وجلب الموعد من الأحلام و العيش بسلام وأمان.
3- تداخل الأزمنة في “وحى الذاكرة” و”أوزليم” لا يسير في خط مستقيم؛ كيف تصنعين هذا التتابع النفسي للأحداث دون أن يفقد القارئ العادي خيط الحكاية؟
بين استباق واسترجاع تكمن الحكاية، وينسج السرد على وقت الأحداث وعزف اللغة، ومن هنا تستمر الذاكرة في تريد الوجع لتفتح أفاقًا للجراح لتشفى.
4- يلاحظ القارئ أن أسماء رواياتك (مثل ابراسكيتا، أوزليم) تحمل غموضاً وبُعداً ثقافياً مغايراً؛ كيف توظفين “الاسم” كعتبة نفسية أولى تفرض على القارئ نمطاً معيناً من التلقي قبل بدء السطر الأول؟
تمارين رواياتي منتقاه برمزية كاملة، واختيرت بدقة كلها كعتبة للقارئ، لتفرض عليه سلطة القراءة للعمل الروائي،لتلقي به في بحر الحكاية دون أن يمل فيتشبث بالعنوان ليتقصى الحكايا.
5- “عري أنثى” يحمل مواجهة من نوع خاص؛ إلى أي مدى ترين أن الرواية النسوية اليوم استطاعت الخروج من قوقعة الشكوى الشخصية إلى تقديم رؤية فلسفية شاملة للمجتمع؟.
عري أنثى هي صرخة في وجه المجتمع الذي يذبح الأنوثة ويسخر منها، مجتمع ديستوبي منغلق كل ممنوع فيه مرغوب، مجتمع يتعرى من كل فضيلة ليرتدي كل رذيلة ثم يسقط اتهاماته على المرأة.فالتعري هنا تعري أخلاقي لكن العنوان صادم ومستفز لذهن القارئ الذي تعود تغليف المعاني، وتلبيس المضامين.
_محاولة تقديم رؤية فلسفية من خلال الرواية لمجتمع فقد قيمة القراءة، يقبل على كل المستهلكات عدا الكتب، فهذه الفلسفة موجهة للمثقف الغير واعي لبعيد تشكيل فكرة جديدة عن الأنثى التي في بيئته، التعلم كيف يعيش معها وكيف يحميها وكيف يحافظ على كرامتها حين تعريها الظروف، وتفضحها الحاجة، وينتهكها المجتمع.
_رواية شهرة هي رواية تريد للعنف اللفظي والجسدي الذي يعانيه الأطفال والنساء والذي يبقى ذاكرة حية على أجسادهم فما بالك بقلوبهم التي امتلأت بالوجع، وواجهاتهم التي تذوب كل مساء.وهي في نفس الوقت أنا بعد جديد حالم.
المحور الثاني: الدواوين الشعريةعبر “على أعتاب الصمت”، “رذاذ الروح”، و”زخات حبر”، يتبدى الشعر كأنه الملاذ الأخير.
1.كيف يمكن للشعر أن يقف “على أعتاب الصمت” دون أن يسقط في العدمية؟ وكيف تطوعين المفردة لتنطق بما عجزت عنه العبارات المباشرة؟
الشعر لا يقف على أعتاب الصمت إلا ليصرخ، أو يغني أو يترنم، فلن يسقط في العدمية حتى لو همس للوجود.
_تطويع المفردات لتنطق بما عجزت عنه العلاقات العبارة هو إعادة لبناء اللغة لتقول ما لم يقل أو ما قبل بطريقة أخرى أكثر عمقا و أكثر إنسانيه.
2- تعيدين في “رذاذ الروح” صياغة مفهوم الاغتراب الإنساني؛ هل الشعر عندكِ أداة للتصالح مع هذا العالم المادي، أم أنه وسيلتكِ الشخصية لتعميق الفجوة معه؟
في ديوان” رذاذ الروح” أعيد صياغة مفهوم الاغتراب الإنساني فالسعر عندي أداه لعبور هذا العالم المادي وليس وسيلة لتعميق الفجوة معه. فالسعر لغة النقاء، ورسائل الحب لهذا العالم الغارق في المادة.
3- الانتقال من قصيدة التفعيلة إلى النثر في دواوينك يظهر مرونة لافتة؛ ما الذي يحكم اختيارك للقالب الموسيقي: هل هي الفكرة المفاجئة، أم الحالة الشعورية التي تفرض دقاتها الخاصة؟
_ الانتقال من قصيدة التفعيلة إلي النار هو هدف من نوع أخر حين تتمازج اللغة مع الشعر مع الإحساس الصادق والجميل، تعلم ولادة نص أخر.
4- توصف الصورة الشعرية في “زخات حبر” بأنها بصرية بامتياز، تشبه اللقطة السينمائية؛ كيف تأثرت عينكِ كأكاديمية إعلامية في التقاط هذه التفاصيل ورسمها بالكلمات؟
_الدراسة الأكاديمية لأعمالي الأدبية سواء داخل الجزائر أو خارجها في تونس والعرق وإيران ومصر ولندن كلها وجدت تميزا في كتاباتي رغم بساطتها.
المحور الثالث: الكتب الأكاديمية
1.كيف تنجحين في الفصل بين ذاتكِ كمبدعة تنحاز للغموض والجمال، وبين دوركِ كأستاذة وباحثة أكاديمية تطبق مناهج البحث العلمي بـ “منطق موضوعي” جاف؟
الكتب الأكاديمية هي عشق من نوع أخر في مجالات شتى وتخصصات متعددة كوني باحثة أكاديمية إذ أن الكتابة العلمية لا تنحاز إلي الجفاف بل إلي الموضوعاتية دون التجرد من الذات.فالأسلوب العلمي عندي مبني على المشاعر الجميلة الموضوع الدراسة.
2.في زمن هيمنة الخوارزميات، ما هي الأطروحة الأساسية التي تقدمها مؤلفاتكِ لحماية “إنسانية” الفعل الاتصالي من التشويه التكنولوجي؟
في زمن الديجتال والخوارزميات على الإنسان أن يتمسك بإنسانيته أولا يتحول إلى آلة لا تشعر. وعليه أولا يساير هذا الإغراق المعلوماتية وهذا التضخم التكنولوجي والانفجار العلمي كي لا ينسى نفسه ورسالته في الحياة.
3.تبتعد كتبكِ الأكاديمية عن التقعير اللغوي وتميل إلى التبسيط المعرفي؛ هل ترين أن لغة علوم الإعلام في الجامعات العربية بحاجة إلى ثورة لتواكب جيل “الميديا الجديدة”؟
لغة علوم ألإعلام في تبسيطها المعرفة تواكب متغيرات العصر وتبني معارف جديدة.
4.يعاني البحث الإعلامي العربي أحياناً من التبعية للمدارس الغربية؛ كيف استطعتِ بناء نموذج تفسيري في كتبكِ ينطلق من خصوصية البيئة الثقافية والاجتماعية الجزائرية والعربية؟
يعاني البحث العلمي العربي من التبعية للمدارس الغربية وأنا أسميه بحث معلب وجب علينا أن نعود دائما الى منابع ديننا الحنيف ونبحث في جوف علومنا الغابة عن حلول واجهة لنهضة أمتنا بدل الدراسات المعلبة التي زادت الطين بلا وأغرقت المجتمعات العربية في ازدواجية للمفاهيم وتردي في العلاجات لمشاكل أمتنا وانحدار في البحث العلمي ونتائجه. ففي علومنا ما يغنينا عن التبعية للأخر.
5.تدرسين ظاهرة تدفق المعلومات وتأثيرها على الرأي العام؛ من خلال أبحاثك المكتوبة، أين يقع الخلل الأكبر اليوم: في وعي المتلقي العربي أم في تضليل الآلة الإعلامية؟
طاهرة تدفق المعلومات والإغراق المعلوماتية التي توثر على الرأي العام أو المخيال العام فالخلل الأكبر في التضليل الإعلامي على اختلاف وسائله فأغلب البرامج معلبة ولا تتماشى مع عاداتها وتقاليدنا و تعاليم ديننا الحنيف والأشكال في وعي المتلقي العربي الذي يقبل على كل ما هو متاح الفرحة والبهجة، أصبح يطارد كل ما مبهرج ويأخذ إلا القشور من العلوم والمعارف والبرامج.
المحور الرابع: كتاب شرح تاريخي لالياذة مفدي زكريا يمثل قراءة واقعية الذاكرة الوطنية.
1.عندما اقتربتِ نقديّاً من شعر مفدي زكريا، ما هي الأداة المنهجية التي اعتمدتِ عليها لقراءة “إلياذة الجزائر” دون تكرار ما قاله النقاد الكلاسيكيون؟
الأداة المنهجية التي اعتمدت عليها لقراءة إلياذة الجزائر هي الشرح التاريخي لها مع اعتماد على الكتب العلمية الشارحة لها لغويا وتاريخيا وهذا أسلوب علمي بحت.
2.الثورة في وجدانكِ ليست مجرد حدث تاريخي؛ كيف تتبع كتابكِ النقدي تحول الخطاب الشعري من الحماسة الثورية المباشرة إلى الفلسفة النضالية الإنسانية؟
الثورة ليست مجرد أحداث أنا ابنة الفاتحة من نوفمبر تاريخ اندلاع ثورة التحرير المجيدة، حين يتحول الخطاب الثوري إلى ملحمة إنسانيه يستنطق الذاكرة لتكون شاهدة وحافزا للأجيال على الحفاظ على الوطن الغالي الذي دفع ثمن حريته من دماء الشهداء. مليون ونصف مليون شهيد.
3.لغتكِ النقدية في المقالات والكتب تتميز بالجرأة والمكاشفة؛ كيف توازنين بين البعد التوثيقي التاريخي وبين القيمة الجمالية للنص المدروس؟
لغتي النقدية تتميز بالجرأة والمكاشفة وأحاول أن أوازن بين البعد التوثيقي التاريخية والقيمة الجمالية للنص عن طريق أسلوب شيق وماتع.
4.في مقالكِ “الظلال البشرية… والعمى الثقافي إلى أين؟”، قدمتِ تشريحاً للمشهد المعرفي؛ ما هو المعيار النقدي الذي ترين أن الساحة الثقافية الراهنة تخلت عنه وسقطت بسببه في هذا “العمى”؟
في مقال الظلال البشرية والعمى الثقافي قدمت تشريحا الواقع الثقافي العربي الذي أصبح تابعا كالظلال ما تفتأ تختفي في النور.
5.من خلال بحثك في أدب الثورة، هل ترين أن النص الأدبي قادر على تخليد التاريخ بأمانة تفوق ما تدونه وثائق المؤرخين الرسمية؟
النص قادر على تخليد الأمجاد والأنجاد بأمانة لأنه ينقل الوقائع بإحساس نافذ و رؤية استشرافية المستقبل زاهر.
المحور الخامس: المجموعات القصصية
1.القصة القصيرة جداً هي فن الحذف بامتياز؛ ما هي أصعب التنازلات اللغوية التي قدمتِها في “على أكتاف الوجع” لتصلي بالقصة إلى أقصى درجات التكثيف؟
على أكتاف الوجع، القصة القصيرة هي محطة أدبية لأدب بازغ يتماشى مع عصر السرعة زيادة في التمثيل مع بلوغ منتهى الأهداف بجميل المعاني.
2.تركّز قصصكِ على الشريحة المهمشة والمنسية في المجتمع؛ كيف تختارين أبطال حكاياتكِ، وهل تجدين في القصة القصيرة مرونة أكبر من الرواية لإنصاف هؤلاء؟
جل القصص التي كتبتها لم أخترها بل هي اختار نفسها لتكون في مجموعتي كما حدث مع المجموعة “صيد نايا” التي تحكي قصصا عن يجون الاحتلال وبالتحديد سجن صيد نايا في سوريا وما حدث فيه من حكايات موجعة.
3.تعتمد بعض نصوصك القصصية على النهايات المفتوحة أو الصادمة؛ كيف تبنين استراتيجية المفاجأة دون أن يشعر القارئ بأنها مجرد خدعة، بل حتمية واقعية؟
بناء إستراتيجية المفاجأة يعتمد على يدير القصة ومجرياتها و أسلوب التسويق البناء والفعال لنصنع من الألم الأمل.
4.في مقالكِ “الأدب رسول للتجارب الإنسانية”، تظهر رؤيتك بوضوح؛ كيف تجسد هذا المفهوم عملياً في لغة مجموعتك القصصية لتتحول التجربة المحلية إلى رسالة عالمية؟
الأدب رسول للتجارب الإنسانية، تجسد مفهوم التجربة ألإنسانيه الموجعة التي تتحول إلى أمل.
5.الوجع في مجموعتكِ ليس مادياً فقط، بل هو وجع وجودي؛ كيف استطعتِ تحويل اللحظات اليومية العابرة (الانتظار، الخيبة، الفقد) إلى تساؤلات فلسفية كبرى تؤرق المتلقي بعد إغلاق الكتاب؟
تسريد الوجع هو أمر وجودي عشته بتفاصيله العباية وتمكنت من تحويل الوجع إلى أما في حياتي، وتحويل الانتظار والخيبة والفقد الى تساؤلات السفية عميقة تنحت المعاني الراقية في الانسان ولا تورق القارئ يقدر ما تدفعه التفكير الايجابي وهو آليه علمية للبقاء.
فالعقل نعمة والتفكر من الياته، فالتساؤلات الفلسفية لا تحدث شقوقا في الروح ولا تصدعا في الذاكرة بل تعطي فكرا مستنيرا، وطاقة روحية، وحاولت ناجعة، فالفكرة حين تزرعها في رأس المتلقي تنبت الوعي وتجمل الحياة رغم الوجع، فالحياة تبدا بالوعي وليس بالولادة وتنتهي بانتهاء الشغف لا بالموت، وأنا أبذر الشغف فكل ما يؤلم يلهم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.