
لماذا لا تتحولُ معرفتُنا بالموتِ إلى سلوك؟ بقلم : الأديبة الأستاذة إيمان مرشد حمّاد
إن الموتَ على قسوتهِ وغموضهِ هو خيرُ معلم لأنهُ يضعُنا أمامَ حقائقَ نودُ كثيراً أن نتجاهلها. فالموتُ لا يعلمنا فقط كيف نستعدُ لمغادرهِ هذا العالم، بل كيفَ نتوقفُ عن إهدار الحياةِ قبل أن نتركها.
نحنُ نموتُ مرةً واحدةً، ولكننا نهدرُ أعمارنا مراتٍ ومرات: مرةً حينَ نقضيها في إرضاءِ الآخرين، ومرةً حينَ نؤجلُ أحلامَنا أو حينَ نستهلكُ انفسَنا في الحقدِ والحسدِ والخلافات التافهة.
أما لو تأملنا فيما يمكنُ لنا أن نتعلمهُ من الموت فربما نصلُ إلى الدروس التالية:
اولا: الحبُّ لا يُؤجل
فكم من كلمةٍ لم نقلها في موعدها ، وكم من محبةٍ لم يتم التعبير عنها أصبحتْ غصة موجعة . الموتُ يعلمنا ان المشاعر التي لم نعبر عنها في وقتها قد تتحول الى حسرةٍ أو إلى جراحٍ لن تلتئم مهما مرَّ عليها من زمن.
ثانياً : لا تُقيموا الناس بما يملكون بل بالأثر الذي يتركوهُ في غيرهم.
في النهاية لن يرافقنا إلأ الخير الذي صنعناهُ والأثر الذي تركناهُ في الآخرين ، وفيما أدخلناه من فرحٍ الى قلوبِ الناس، أما الألقابُ والمناصبُ فكلها الى زوال.
ثالثا: لا تضغطوا على انفسكم لإرضاء الاخرين ، فالموتُ يذكرنا بأننا لا نملكُ أعمار الآخرين ولا آراءهم ، ولكننا حتماً نملكُ الطريقةَ التي نختارُ أن نقضي بها أعمارنا التي هي أقصر من أن نهدرها في محاولاتٍ بائسةٍ لإرضاء الجميع.
رابعا: لا تمنحوا الخلافات أكبرمن حجمها
فسلامنا النفسي أهم من كل الترهات ، فالعمرُ أقصر من أن نضيعهُ في الغضب والقهر، فالإنسان في النهاية لا يصدق إلا ما يريدهُ مهما حاولتَ ان تشرحَ موقفك.
خامساً: الموتُ يساوي بينَ جميع الناس ، فمهما تباينتْ الثرواتُ والمناصب، تجدهُ يذكّرنا بأن القوةَ لا تحمي مِن نائبات الزمن ، ويؤكدُ لنا أنَّ التواضعَ ليس ضعفا ، وأن عظمة الإنسان تكمنُ في رحمتهِ وليس في جبروته.
سادساً : سامحوا دون أن تنتقصوا من قَدر أنفسكم ، وتذكروا أن التسامحَ لا ينفي ما وقعَ عليكم من ظلم ، ولا يعني بأن تسمحوا للأذى بأن يستوطنَ قلوبكم أو يجعلكم تخسرونَ أرواحكم. فالسِّرُ يَكمنُ في التحرّرّ من عبءِ الكراهية، وليس في التنازلِ عن الكرامة والحقوق.
سابعاً: اعرفوا قيمة الحضور قبل أن تفقدوهم
فاحيانا نأخذ النعم التي حبانا بها الله أو وجود الأشخاص الذين نحبُّهم كأمرٍ مُسلَم به، ولكنَّ الموت يذكرّنا دائما بأن الرحيلََ كفيلٌٌ بأن يعلمنا قيمةَ من فقدنا. أما أسوأ أنواع الفقد الذي لا يمكن تلافيه فهو ان يموت إنسان وهو لا يميز صديقهُ من عدوهِ، فقد يحتفي وهو حي بشخصياتٍ مزيفةٍ يخذلوهُ عند رحيلهِ، بينما يقدمُ له الخير والإحسان اناسٌ اساءَ لهم في حياتهِ فأكرموُه في مماته ، فالموتُ من الشدائد التي تكشفُ معادنَ البشر.
ثامنا: تصالحوا مع فكرةِ الرحيل قبلَ أن ياتي كي تعرفوا قيمةَ الحياة، فالعاقلُُ هو مَن يدركُ محدوديةَ العُمر ، ويجعل من كلِّ لحظة في الحياه ثروةً مؤقتة لا تُمنح الا مرة واحده .
واخيراً: لا ترحلوا عن الدنيا كما دخلتموها بل اتركوا اثرا خالدا: ربما يكون كتاباً او علماً نافعاً او عملاً منحَ الاخرينَ حياة اخرى أو سعادة خالدة.
الموتُ لا يمنح للحياةِ معناها، ولكنهُ يكشفُ المعنى الذي غفلنا عنه، وحين نفهم المعنى الحقيقي للرحيل ندركُ أنهُ لا ينبغي لنا أن ننشغل بعدد الأعوام التي سنحياها بل بمقدارِ ما سنضعهُ في تلك الأعوام.
في النهاية اقولُ انَّ الحكمةَ هي معرفةُ الموت لأنها تجعل الإنسان العاقل أكثر حكمة ورحمة بالآخرين لأنهُ يضعنا وجهاً لوجه مع هشاشةِ الوجود ، وقصرِ المسافةِ بين الولادةِ والرحيل.
الموتُ يجعلُنا نحذر من أن تكون الكلماتِ الجارحة أو العباراتِ القاسية هي آخرُ ما يسمعهُ منا إنسان ، وأن الاعتذار المؤجل قد يفوتُ اوانهُ الى الأبد ،وأن بعض الصراعات التي استهلكت ارواحنا لم تكن تستحق أن نخوضها من الأساس.
فاين تكمن المشكلة إذن؟!
المشكلةُ لا تكمنُ في الدروس والعظات المستفادة ، بل في قابليةِ البشر للتعلم فهناك من يهزهم الموتُ فتلينُ قلوبُهم، ولكن سرعانَ ما يعودوا إلى قسوتهم وأنانيتهم ، وهذه الفئه تذكرني بالطالب غير النجيب الذي يحضرُ الدروس ولكنهُ لا يفهم مغزاها، فليس كلُّ مَن وقفَ أمامَ الموتِ أدركَ قيمةَ الحياة.
فما اقسى أن يرحلَ إنسانٌ فيبكيه الأحياء بحرقه ثم ينسون الدروس التي كان ينبغي لهم أن يتعلموها من رحيله.
مأساة الإنسان لا تكمنُ في أنهُ مخلوق أخرق لا يعرفُ ما هو الصواب، بل قد يكون عارفا به تمام المعرفة، ولكنهُ يجدُ لنفسهِ ألفَ حجةٍ كي لا يفعلهُ.
.
فما جدوى أن نتعلّم من الموت كيف نكون أكثر إنسانية، إذا عدنا بعده إلى ممارسة ما يناقض إنسانيتنا؟
إيمان مرشد حماد
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.