
شفا – هندسة الكلمات وبلاغة الوجدان: حوار مع الشاعر اليمني إبراهيم سالم حول شتات الوطن ويقين النصر
حوار “عطا درغام
في زمن تتلاطم فيه أمواج الغربة والشتات، يبرز الشعر كجسر وحيد يربط الذات المغتربة بثرى الوطن الطاهر. وضمن الأصوات الشعرية اليمنية المعاصرة التي نجحت في الموازنة بين دقة البناء ورقة الشعور، يطالعنا اسم الشاعر المهندس إبراهيم سالم. في قصائده، يتحول الحرف إلى أداة لنحت ملامح الهوية، فبين التزام صارم بالموسيقى العروضية الكلاسيكية، وتوظيف ذكي لتقنيات التكرار الدرامي وفلسفة الأضداد، يأخذنا في رحلة نفسية متأرجحة بين مرارة الانكسار العابر ويقين التحدي الراسخ. استضفناه في هذا الحوار لنبحر معه في تفاصيل تجربته الإبداعية، ونفكك مغاليق نصوصه التي تمزج بين هندسة العقل وجمر العاطفة.
المحور الأول: إتقان الموسيقى العروضية والبحور الطويلة
1- نلاحظ التزامك الصارم بالقصيدة العمودية الكلاسيكية؛ ما الذي يمثله لك الوزن والقافية في عصر يهيمن عليه شعر التفعيلة والنثر؟
تمثل القصيدة العمودية روح الشعر العربي وجذره المتين الممتد منذ العصر الجاهلي حتى يومنا هذا. ولا أقف موقف العداء من شعر التفعيلة، ولا أشنّ عليه الهجوم؛ بل أعدّه نافذةً رحبة للإبداع والابتكار، ولي فيه محاولات وقصائد وإن كانت قليلة. إلا أن الإيقاع المنضبط بالوزن والقافية يظل في وجداني هو حجر الأساس الذي يمنح الشعر العربي رونقه، وبدونه يفقد النص بهاءه وأصالته.
2-اخترت “بحر البسيط” لقصيدة “أينفع البوح” و”بحر الطويل” لقصيدة “ستأتي رياح”؛ كيف تختار البحر الشعري لقصيدتك؟ وهل تفرض الفكرة بحرها أم العاطفة؟
بالنسبة لاختيار البحر الشعري، فإن العاطفة والفكرة معاً هما من يقودان الشاعر للكتابة واختيار ما يعبر عنه. الحالة الشعورية هي الأساس، وتتدفق القصيدة طبيعياً بغض النظر عن البحر المختار، سواءً كان البسيط أم الطويل أم غيرهما.
3-تمتاز قوافيك بالرنين والقوة (كالقافية الميمية المكسورة والبائية المطلقة)؛ إلى أي مدى تسهم القافية في صياغة الأثر السيكولوجي لدى القارئ؟
كما أن العاطفة والفكرة تفرضان البحر الشعري، فهما تفرضان القافية أيضاً؛ فالقافية بحروفها المتعددة من روي وردف وتأسيس وغيرها تسهم بشكل كبير في وصول مشاعر الشاعر إلى القارئ .
4-يرى البعض أن الكتابة على البحور الممتدة والطويلة تحد من حرية الشاعر المعاصر، كيف نجحت في تطويعها دون السقوط في فخ التكلف اللغوي؟
“بالنسبة لي، لا أرى في التزام البحور الشعرية الأصيلة حداً من حرية الشاعر؛ فكم للشعراء السابقين كالمتنبي وأبي تمام والبحتري من قصائد متينة ومحلقة نُظمت على هذه البحور. أما عن نفسي، ولتجنب فخ التكلف، فإنني أقف عند كل قصيدة أكتبها مراراً وتكراراً، وأراجع نفسي وأنقّح النص في أحيانٍ كثيرة حتى يستقيم المعنى بصدق..”
- بصفتك “مهندساً” وشاعراً؛ هل ترى ثمة قواسم مشتركة بين هندسة البناء المعماري/الرقمي وبين هندسة الوزن الشعري العروضي؟
“أعمل كمهندس مدني، وكما أهتم بالتصاميم الإنشائية ومراجعتها لتخرج للناس بصورة رائعة واحترافية، فإنني أيضاً أهتم بتنقيح قصائدي بنفس الطريقة. هذا ربما هو القاسم المشترك، من وجهة نظري، بين الهندسة والشعر، رغم أن المجالين مختلفان تماماً..”
المحور الثاني: بلاغة التكرار اللفظي كركيزة درامية
6-في قصيدتك الأولى، تكررت لازمة “مَا زِلْتُ” في مطلع أحد عشر بيتاً؛ ما هي الشحنة الشعورية التي أردت إيصالها عبر هذا التكرار المتتالي؟
“صحيح أن التكرار قد يبعث أحياناً على الرتابة، لكنه متى ما وُظّف بصدق، ينجح في تسليط الضوء على جوهر النص وإيصال الشحنة الشعورية للمتلقي. عبر تكرار ‘ما زلت’، أردت التأكيد على أنه برغم كل ما أصابني من وطني الحبيب، إلا أنني ما زلت ثابتاً على عهد الوفاء، لم أغيّره ولم أبدّله، وما زلت أبحث عن ملامح هذا الوطن في كل التفاصيل، بل وحتى في وجوه العابرين والمهاجرين.”
7- كيف استطعت الحفاظ على تدفق النص وتصاعده الدرامي دون أن يقع التكرار في رتابة الحشو اللفظي؟
التجربة الشعرية لها أثر عميق وكبير في مساعدة الشاعر على البوح بما في أعماقه بصدق، وبدون أي رتابة أو حشو لفظي. وكما سبق لي أن ذكرت، فإنني أيضاً أقوم بتنقيح قصائدي مراراً وتكراراً لضمان خلوها من هذا الحشو وتأكيد وصول الإحساس صافياً..”
8-هل يعكس تكرار “مَا زِلْتُ” حالة من العناد الذاتي في مواجهة واقع يائس، أم أنه مجرد توثيق لاستمرار الألم؟
تعكس الشيئين أن الألم لازال مستمرًا، وكذلك حالة الكفاح والنضال في مواجهة اليأس في موطني والصمود رغم كل الظروف القاسية.
9-متى يخدم التكرار النص الشعري، ومتى يتحول إلى نقطة ضعف في رأيك؟
إذا وظف هذا التكرار بما يضمن إيصال الفكرة والشعور؛ فهو بذلك يخدم النص .وأما إذا لم ينجح بذلك فهو مجرد حشو لفظي ونقطة ضعف في النص بالتالي نستطيع اعتبار التكرار في النصوص الشعرية سلاحًا ذا حدين .
10-هل ترى أن تكرار الافتتاحيات يساعد المتلقي الرقمي (عبر منصات التواصل) على الارتباط وجدانياً بالقصيدة بشكل أسرع؟
نعم، بكل تأكيد.
المحور الثالث: فلسفة الأضداد والمفارقة الشعورية
11-كتبت: “وَأُنِيرُ فِي قَلْبِي الرِّهَانَ الخَاسِرْ”؛ كيف يمكن للشاعر أن يصنع نوراً من تجربة خسارة محققة؟
“أردت القول هنا:إأنه بالرغم من أن هذا الرهان يبدو خاسراً، وأنا مدرك تماماً لذلك، إلا أنني لا زلت على ثقة بأنه ربما يثمر عن شيء ما. فرغم حالة الإحباط المستمرة، لم أفقد الأمل بوطني بعد، برغم كل شيء..”
12-تنطوي نصوصك على ثنائيات ضدية حادة كـ (النور والظلام، الوفاء والغدر)؛ هل هذه الأضداد انعكاس لواقع اليمن المعقد أم هي صراع داخلي يعيشه إبراهيم سالم؟
الأضداد هذه انعكاس لواقع اليمن ،والذي هو أيضا انعكاس لواقع كل يمني سواءً في الداخل أو الخارج .
13-في بيتك: “أَضْدَادُهَا لُغَةٌ تَجْرِي بِأَلْسُنِهَا”، هل ترى أن الحياة لا يمكن فهمها أو صياغتها شعرياً إلا من خلال نقائضها؟
صحيح أن الحياة مليئة بالتناقضات ،وأنها جزء لايتجزأ منها. وأصبحت بمثابة اللغة التي تعبر الحياة عن نفسها فيها ،إلا أنه لايمكننا حصر فهمنا للحياة من خلال تناقضاتها فقط؛ فالحياة واسعة ومتشعبة جدًا.
14-انتقلت في قصيدة الفراق إلى قناعة صادمة: “وَاليَوْمَ أُبْحِرُ فِي الحَيَاةِ نِفَاقَا”؛ كيف يتقبل الشاعر فكرة “النفاق كآلية بقاء” بعد أن كان قلبه براقاً؟
المقصود بالنفاق هنا، ليس النفاق بمعناه السلبي المعروف، وإنما أقصد أنني أظهر للناس ،وكأنني حي، بينما أنا في الحقيقة كالميت من الداخل. هذه الحالة لم تأتِ فجأة، بل هي نتيجة تدريجية ومؤسفة لقلب ،كان يوماً لامعاً وبراقاً، قبل أن تطفئه سهام الحياة. والفراق.
15-كيف توازن في أسلوبك بين حتمية المنطق الفلسفي الذي يتأمل الحياة، وبين جنوح العاطفة الشعرية المتمردة؟
الموازنة تأتي من طبيعة التجربة ومراجعة الذات. العاطفة هي المحرك الأساسي الذي يملي عليّ الفكرة والشعور، لكنني لا أكتفي بالبوح العشوائي؛ بل أقف عند قصيدتي طويلاً، أتأمل واقعنا وأراجع أبياتي بعقلية تبحث عن الدقة، فينسجم تمرد العاطفة مع حكمة التأمل والمنطق بصورة طبيعية.”
المحور الرابع: التوظيف الذكي للرموز التراثية والطبيعية
16-استخدمت رمزية “البُراق” التراثية لوصف حركة روحك وسعادتها؛ كيف يستدعي الشاعر الرموز الدينية والتاريخية لخدمة سياق وجداني معاصر؟
أرى أن الشاعر يستدعي الرموز الدينية والتاريخية؛ ليتمكن من إيصال مشاعره وشعوره، وبشرط أن لايتجاوز الشاعر المحذور في استخدامه للرموز التراثية والدينية . رمزية ‘البراق’ هنا ،لها ارتباط وثيق في الأذهان بالسرعة والعلو والرحلة الروحية، واستخدامي لها كان لخدمة السياق الوجداني لقصيدتي؛ لكي أصف كم كان قلبي محلقاً في فلك السعادة قبل أن ينكسر بالفراق..
17-تحضر عناصر الطبيعة القاسية مثل “البراكين” و*”الغمائم”* و*”الركام”* بكثرة في نصوصك؛ ما هي الرمزية التي تحملها هذه المفردات في التعبير عن تغريبتك؟
“قد تختلف دلالات المعاني من نص إلى آخر وبحسب السياق في قصائد الشعراء، إلا أن مصطلح ‘البراكين’ في نصوصي غالباً ما يشير إلى الثورة والانفجار من بعد الجمود. أما ‘الغمائم’ فهي ترمز لكل ما يحجب ضوء الحق والنصر، بينما يشير ‘الركام’ غالباً إلى الأنقاض، ومحاولة النهوض من بعد الموت مجازاً.
18-كتبت “وَاحْفَظْ كِتَابَكَ لَا تَفْتَحْهُ فِي مَلَأٍ”؛ هل “الكتاب” هنا رمز للقصيدة، أم للذات والأسرار التي يجب أن تُصان عن ضجيج البشر؟
الكتاب هو رمز لأسرار كل شخص والأمور التي لاينبغي له البوح فيها لكل من هب ودب من الناس .
19-كيف يتجنب الشاعر الغموض غير المبرر عند استخدام الرموز، ليظل قريباً من فهم وإحساس المتلقي العادي؟
“قد لا يستطيع الشاعر تجنب الغموض في كثير من الحالات؛ فهناك قصائد كثيرة لشعراء متمكنين ربما لا يفهمها المتلقي العادي من عامة الناس. إلا أنه في كثير من الأحيان، يمكن الوصول للمتلقي العادي من خلال تجنب استخدام الصور الشعرية المعقدة، والمصطلحات غير المألوفة التي لم تعد قيد الاستخدام..”
19-هل توظيفك لرموز النصر والأمجاد ينبع من قراءة للتاريخ العربي واليمني، أم هو استشراف مستقبلي محض؟
بالأصح، هو ينبع من قراءة للتاريخ العربي الإسلامي، وقبل ذلك كله، ينبع من ثقة عميقة بالله -عز وجل -وبنصره الذي وعد به.”
المحور الخامس: التحول الشعوري (من الانكسار إلى التحدي واليقين)
21- نلمس في نصوصك تقلبات شعورية حادة، فمن “قَدْ مَاتَ قَلْبِي” ننتقل إلى “عَلَى جَمْرِ الطُّغاةِ نُقاوِمُ”؛ كيف تتعايش داخل ذاتك هذه النبرة المنكسرة مع تلك الثائرة؟
“من الطبيعي أن يعيش الشاعر حالة من التناقضات الداخلية نتيجة لما يمر به من انكسارات. غير أن الشاعر المؤمن والمتفائل، برغم كل الانكسارات التي يتعرض لها والتي قد تنعكس في بعض نصوصه، سرعان ما يعبر بنبرات ثائرة ومختلفة في مواطن ونصوص أخرى؛ وهذا التناقض يُعد أمراً طبيعياً جداً..”
22-هل تعتقد أن من واجب الشاعر أن يمنح الأمل لجمهوره عبر نصوصه (مثل “سَيَقْبِلُ فَجْرٌ”) حتى وإن كان يعيش في قمة شتاته الشخصي؟
نعم ،بكل تأكيد .
23-في قصيدة “أينفع البوح؟” تدعو إلى السكون والاعتزال، بينما في قصيدة “ستأتي رياح” تدعو للمواجهة؛ أي الحالتين تمثل الملاذ الحقيقي لإبراهيم سالم؟
“الحالتان تمثلانني معاً؛ لأنه وكما سبق ذكره، من الطبيعي أن يمر الشاعر بحالات من الانكسار والخذلان نتيجة الواقع الذي يعيشه، ويقابل ذلك أيضاً شعور تفاؤلي وإيماني عميق ناتج عن ثقته بالله وبنصره..”
24-كيف يؤثر “اليقين الإيماني” (كما في بيتك: “بِذِكْرٍ عَلَى شُرْبِ اليَقِينِ يُداوِمُ”) في تحويل طاقة الحزن والندوب إلى طاقة صبر ومقاومة؟
“الأمر يتلخص ببساطة في قوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. فهذه الآية وحدها تفسر كيف يتحول الحزن إلى طمأنينة..”
25-ختاماً، وأنت تبحث عن بقايا موطنك “فِي وَجْهِ كُلِّ مُغَادِرٍ وَمُهَاجِرْ”؛ ما هي الرسالة التي يوجهها الشاعر المهندس إبراهيم سالم لشباب اليمن المغتربين والباحثين عن أمانيهم خلف الخيال العابر؟
“أقول لهم إنه رغم كل هذا الشتات، وكل الظروف القاسية التي يمر بها اليمنيون؛ من معاناة وحروب وفقر في الداخل، وغربة وخذلان وضنك في الخارج، ورغم كل الأماني المبعثرة والمضمحلة، إلا أنه لا بد أن تأتي رياح تشتهيها سفينتنا بإذن الله تعالى..”
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.