10:46 مساءً / 16 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

الصُّعلوك وأغربة العرب والعوفي وسُكّة: حين يفاخر الفارس وتختار المرأة ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

الصُّعلوك وأغربة العرب والعوفي وسُكّة: حين يفاخر الفارس وتختار المرأة ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم


في رحلة أخرى في ديوان الحماسة لأبي تمّام بشرح المرزوقي، نقف عند مقطّعة تأبّط شرًّا، الشاعر الصعلوك الذي ارتبط اسمه بالمغامرة والإغارة والنجاة من المواقف الصعبة. ومن خلال شعره وأخباره، نرى جانبًا من حياة العرب، حيث لم تكن الشجاعة مجرّد قوّة في القتال، بل كانت حيلةً وحسن تصرّف وقدرةً على الخروج من المآزق.

ترجم الزركلي لتأبّط شرًّا في كتابه الأعلام، في باب حرف الثاء:

ثابت بن جابر بن سفيان، أبو زهير، الفهميّ، من مضر، شاعر عدّاء، من فتّاك العرب في الجاهلية. كان من أهل تهامة. شعره فحل، استفتح الضبي مفضّلياته بقصيدة له، مطلعها: «يا عيد مالك من شوق وإيراق»، ويقال إنّه كان ينظر إلى الظبي في الفلاة، فيجري خلفه فلا يفوته.

قُتل في بلاد هذيل، وأُلقي في غار يقال له «رخمان»، فوُجدت جثّته فيه بعد مقتله.

وجاء في ترجمته عند ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء: «هو ثابت بن عمسل». وقال الأصمعي: «كان ابن طرفة الهذليّ». وهو أعلمهم بتأبّط شرًّا وأمره، يقول: هو ثابت بن جابر، وأنشد:

ويلُ أمِّ طرفٍ قتلوا برخمانَ
بثابتِ بنِ جابرِ بنِ سفيانَ

وكان شاعرًا بئيسًا، يغزو على رجليه.

وقد ارتبط اسم تأبّط شرًّا بأخبار الصعاليك، كما ارتبط بأخبار الشنفرى صاحب لامية العرب، وعمرو بن براق، وغيرهما ممن جعلوا من الجرأة وسرعة البديهة وحسن التصرّف وسائل للنجاة في حياة لا ترحم الضعيف، ولا تغفر لمن يقع في أيدي خصومه.

أمّا لقبه، فقد تعدّدت الروايات في تفسيره، ولا يصحّ الجزم بسبب واحد له مع اختلاف ما نُقل في أخباره.

الحيلة وجه آخر من الشجاعة
من الأخبار التي تكشف جانبًا من شخصية تأبّط شرًّا خبره مع بني لحيان، وهم بطن من هذيل، إذ كان قد راغمهم وأوترهم، فصاروا يطلبون غفلته ويتحيّنون الفرصة للإيقاع به.

وقد اتفق لهم أن صعد جبلًا ليشتار العسل، أي ليجمعه من موضعه، وكان يريد سرقة العسل، ولم يكن للجبل إلا طريق واحد، فجاؤوا وأخذوا عليه ذلك الطريق. وهنا يرد الخبر في سياق شرح أبيات تأبّط شرًّا، وما فيها من الإشارة إلى الحيلة والتصرّف حين تضيق السبل.

وفي هذه المقطّعة، يقدّم تأبّط شرًّا تجربة رجل ضاقت به السبل، فكان عليه أن يختار بين الأسر والقتل، ولم يجد سبيلًا إلى النجاة إلا بالحيلة.

مقطّعة تأبّط شرًّا
إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه

إِذا المَرءُ لَم يَحتَلْ وَقَدْ جَدَّ جِدُّهُ
أَضاعَ وَقاسى أَمرَهُ وَهْوَ مُدبِرُ

وَلَكِنْ أَخو الحَزمِ الَّذي لَيسَ نازِلًا
بِهِ الأَمرُ إِلّا وَهْوَ لِلأَمرِ مُبصِرُ

فَذاكَ قَريعُ الدَهرِ ما عاشَ حَوَّلٌ
إِذا سُدَّ مِنهُ مِنخَرٌ جاشَ مِنخَرُ

فَإِنَّكَ لَو قاسَيتَ بِاللَصبِ حيلَتي
بِلِحيانَ لَم يَقصُر بِكَ الدَهرَ مَقصَرُ

أَقولُ لِلَحيانٍ وَقَد صَفِرَت لَهُم
عِيابي وَيَومي ضَيِّقُ الحِجرِ مُعوِرُ

لَكُم خَصلَةٌ إِمّا فِداءٌ وَمِنَّةٌ
وَإِمّا دَمٌ وَالقَتلُ بِالمَرءِ أَجدَرُ

وَأُخرى أُصادي النَفسَ عَنها وَإِنَّها
لَخُطَّةُ حَزمٍ إِن فَعَلتُ وَمَصدَرُ

فَرَشتُ لَها صَدري فَزَلَّ عَنِ الصَفا
بِهِ جُؤجُؤٌ عَبلٌ وَمَتنٌ مُخَصَّرُ

فَخالَطَ سَهلَ الأَرضِ لَم يَكدَحِ الصَفا
بِهِ كَدحَةً وَالمَوتُ خَزيانُ يَنظُرُ

فَأُبتُ إِلى فَهمٍ وَما كِدتُ آيِبًا
وَكَم مِثلِها فارَقتُها وَهيَ تَصفِرُ

المصدر: موقع الديوان، العصر الجاهلي، تأبّط شرًّا، «إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه»، عشرة أبيات.

ويذكر المرزوقي في شرحه للحماسة، عند تفسير قوله «وقد صفرت لهم وطابي»، وجوهًا في المعنى، منها أن يكون المراد خلوّ القلب من ودّهم، مع مناقشة هذا الوجه؛ لأن تأبّط شرًّا لم يكن ممّن يودّهم أصلًا. ويُذكر في هذا السياق شاهد من شعر تَبَشَّر:

وإذ صفرت عياب الود منكم
ولم يك بيننا فيها ذمام

وتكشف هذه الرواية أن الحيلة في حياة الصعلوك لم تكن نقيض الشجاعة، بل كانت من لوازمها؛ فالإقدام وحده لا يكفي إذا غابت القدرة على تقدير الموقف، كما أنّ القوة لا تنفع صاحبها إذا لم يعرف كيف يستخدمها في اللحظة المناسبة.

أغربة العرب: عنترة والخفّاف والسليك
ومن أخبار الفروسية في التراث العربي أخبار من عُرفوا بأغربة العرب، وهو وصف ارتبط برجال اجتمعت في أخبارهم الشجاعة واللون والنسب، واختلفت الروايات فيمن يدخل في هذه الفئة.

وسبب التسمية لون البشرة الذي اشتُقّ منه الاسم، وهو لون الغراب؛ فالعرب تقول عن الأسود الفاحم أو الحالك: «غِرْبيب».

ومن أشهر من يُذكر في هذا الباب عنترة بن شداد، والخفّاف بن نُدبة، والسليك بن السُّلَكة. وتُلحق بعض الروايات بهم تأبّط شرًّا، لكن ذلك ليس محل اتفاق في جميع المصادر.

عنترة بن شداد
عنترة بن شداد العبسي شاعر وفارس، ارتبط اسمه بالشجاعة والإقدام، كما ارتبط بحب عبلة الذي احتل مكانة ظاهرة في شعره. وقد ذكرها في أبيات كثيرة، منها قوله:

ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ
منّي وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنّها
لمعت كبارق ثغرك المتبسّم

وكانت أمه زبيبة، وهي أمة حبشية. وتذكر الروايات الواردة في كتب الأدب أنّ نسب عنترة ومكانته لم يكونا في بداية حياته على الصورة التي انتهيا إليها بعد ظهور بأسه وفروسيته.

وقد جعلت أخبار عنترة من الشجاعة طريقًا إلى الاعتراف بمكانته، ومن الشعر وسيلةً للتعبير عن نفسه وحبّه. ولهذا لا تنفصل صورته في الذاكرة العربية عن سيفه وفرسه وشعره وعبلة، وإن كان من الضروري التمييز بين ما تثبته الأخبار وما أضافته الروايات المتأخرة إلى سيرته، ولا سيّما الأخبار التي تنتقص منها، وتتوسّع في الحديث عن عشيقاته وزيجاته دون تثبّت.

الخفّاف بن نُدبة
والخفّاف بن نُدبة من الأسماء التي ترد في أخبار أغربة العرب. ويُذكر في ترجمته أنّه ابن عمير السلمي، وأنّ أمه نُدبة. وهو من الصحابة رضي الله عنهم.

وتورد كتب الأخبار والسير إشارات إلى فروسيته ومشاركته في الوقائع، كما تذكر بعض الروايات حضوره يوم حنين، وحمله إحدى رايتي بني سليم وكان عددهم ألف رجل يوم فتح مكة، تحت لواء خالد بن الوليد رضي الله عنه.

وتبقى قيمة هذه الأخبار في أنّها تحفظ صورة رجل ارتبط اسمه بالشجاعة، وتكشف كيف تداول العرب أخبار الفرسان وربطوا أسماءهم بالوقائع التي اشتهروا فيها.

السليك بن السُّلَكة
أمّا السليك بن يثربي السُّلَكة، فقد اشتهر بسرعة العدو والنجاة والإفلات من مطارديه. وقد ارتبط اسمه في الأخبار بالقدرة على قطع المسافات والفرار من المواقف التي يعجز عنها غيره.

وتكشف أخباره عن جانب آخر من الفروسية؛ فليست البطولة دائمًا في الوقوف وسط الصفوف ومواجهة الخصم بالسيف، بل قد تكون في القدرة على النجاة حين لا يكون أمام المرء إلا أن يعتمد على قوته وخفّته ومعرفته بالطريق.

وهكذا تتنوّع صور البطولة في أخبار هؤلاء الرجال: عنترة الذي جمع الشعر والفروسية، والخفّاف الذي ارتبط اسمه بأخبار الوقائع، والسليك الذي اشتهر بالعدو والنجاة، وتأبّط شرًّا الذي امتزجت في أخباره الجرأة بالحيلة.

ثمامة العوفي وسُكّة: حين يفاخر الرجل بفروسيته
وفي أخبار الأدب أخبار أخرى ينتقل فيها الحديث من الفروسية في ميدان القتال إلى الفروسية حين تصبح وسيلةً للتعريف بالنفس وطلب الزواج. ومن هذه الأخبار حكاية ثمامة العوفي وسُكّة، التي أوردها ابن طيفور في باب أخبار ذوات الرأي والظرف.من كتابه بلاغات النساء.

كانت لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، في العصر الأموي، مولاة جميلة ظريفة يُقال لها سُكّة، فمرّت بثمامة العوفي، فأعجبته وأراد خطبتها، فبعث ابن أخيه في أثرها بالطريق يخطبها إلى نفسه.

فقالت: مَن أرسلك؟ قال: عمّي. قالت: ومَن عمّك، ويحك؟ فمثلي لا يُخطب في الطريق، ولا يُخدع في الرسل، أي فيمن يُرسَل للتحدّث نيابةً عن شخص آخر. قال: عمّي رجل من العرب يُقال له ثمامة. قالت: ما حِرفته؟ قال: ارجع إليه فاسأله. قالت: شأنك، فما أعيَا لسانك!

فرجع إليه ابن أخيه، فأعلمه بما قالت، فقال شعرًا وبعث به إليها:

وسائلةٍ ما حِرفتي قلتُ حِرفتي
مقارعةُ الأبطالِ في كلِّ مأزقِ

وضربي طُلى الأبطالِ بالسيفِ معلّمًا
إذا زحفَ الصفّانِ تحتَ الخوافقِ

إذا القومُ نادوني نزالُ رأيتني
أمامَ رعيلِ الخيلِ أحمي حقائقي

أصبّرُ نفسي حين لا حُرَّ صابرٌ
على ألمِ البيضِ الرقاقِ البوارقِ

فلما قرأت الشعر قالت سُكّة: «قل له فديتك، أنت أسد فاطلب لنفسك لبؤة، فإني ظبية أحتاج إلى غزال».

وفي عبارتها مقابلة لطيفة بين الحيوان وقرينه؛ فالأسد أنثاه اللبؤة، والظبية هي أنثى الظبي، ويُطلق الغزال على الظبي، ومن أسماء ولد الظبية الطِّلَى، والرَّشا، والرَّشَأ، والشادن. أمّا الرِّئم فهو الظبي الأبيض، وجمعه آرام وأرئام. ويُسمّى مأوى الأسد العرين، ومأوى الظبي الكِناس.

لم تكن سُكّة تنتقص من شجاعة ثمامة، بل قابلت صورته صورة الأسد الذي تلائمه لبؤة، ثم جعلت نفسها ظبيةً تحتاج إلى غزال؛ وفي هذا التعبير طرافة تقوم على المقابلة بين القوة والرقة، وعلى الاعتذار عن الاقتران به بعبارة موجزة ذات دلالة.

والخبر، على قصره، يحفظ لنا جواب امرأة عن رجل أراد أن يقدّم نفسه إليها من خلال ما يعتزّ به من صفات. لم يكن ثمامة يتحدث عن أمر عابر، بل عن فروسيته وما يراه دليلًا على مكانته، وكأنّه ظنّ أنّ مفاخرته بشجاعته كافية للحصول على موافقتها. غير أنّ سُكّة لم تجعل هذه الصفات سببًا لقبوله، بل رفضت الاقتران به.

لقد أجابها بما يراه شرفًا له، فذكر مقارعة الأبطال وضربهم بالسيف والثبات حين يلتقي الصفّان، وهي صفات كان الفارس العربي يفاخر بها. لكنها لم تدخل معه في مفاضلة حول شجاعته، ولم تنكر عليه ما قاله، وإنما نقلت الحديث إلى صورة أخرى، جعلت فيها الأسد بحاجة إلى لبؤة، وجعلت نفسها ظبية تحتاج إلى غزال.

عنترة وعبلة: الفروسية والغزل
وإذا كانت سُكّة قد قابلت مفاخرة ثمامة بفروسية الرجل بصورة الأسد واللبؤة والظبية والغزال، فإن أخبار عنترة وعبلة تضعنا أمام وجه آخر من العلاقة بين الفروسية والمرأة.

فقد اجتمع في صورة عنترة ما كان الفارس العربي يعتزّ به من الشجاعة والقوة، وما كان الشاعر يبوح به من الحب والحنين. ولم يكن ذكر عبلة في شعره تفصيلًا منفصلًا عن صورته فارسًا، بل أصبح الحب جزءًا من حضوره الأدبي في الذاكرة العربية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نخلط بين الخبر التاريخي والصورة الشعرية، أو أن نجعل كل ما ورد في الروايات من تفاصيل حياته حقيقةً ثابتة. فالشعر يحفظ تجربة صاحبه كما عبّر عنها، أمّا أخبار حياته فتحتاج إلى قراءة تميّز بين الروايات ودرجات ثبوتها.

وهذا ما يجعل المقارنة بين عنترة وثمامة وسُكّة مفيدة؛ فالفروسية عند عنترة حاضرة في شعر الحب، وعند ثمامة تتحوّل إلى وسيلة للتعريف بالنفس، أمّا سُكّة فتظهر في الخبر صاحبة رأي ولسان، لا تكتفي بأن تكون موضوعًا لمفاخرة الرجل، بل تجيب وتختار وتعبّر عن موقفها بطريقتها.

وهكذا تجمع هذه الأخبار بين الفروسية والصعلكة، وبين مفاخرة الرجال واختيار النساء، وتكشف جانبًا من حياة العرب كما حفظتها كتب الأدب وأخبارهم.

شاهد أيضاً

الرئيس الصيني شي جين بينغ

شي يشدد على ضرورة إعطاء الأولوية للحفاظ على البيئة الإيكولوجية والسعي إلى تحقيق التنمية الخضراء

شفا – شدد الرئيس الصيني شي جين بينغ على ضرورة التمسك بثبات بمسار إعطاء الأولوية …