6:57 صباحًا / 16 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

قناة “طلائع فلسطين”.. حلم لا زال يُصنع رغم ويلات الحرب، بقلم : لينا مهنا

قناة "طلائع فلسطين".. حلم لا زال يُصنع رغم ويلات الحرب، بقلم : لينا مهنا

في قبوٍ تحت الأرض بمنطقة النمساوي بمدينة خانيونس جنوب القطاع، لا يكاد الصوت يجد طريقه إلى الخارج، جدرانه مغطاة ببطاطين صوفية وُزّعت للناس ذات يوم ضمن سلسلة مساعدات تقدمها المؤسسات الدولية لتقي الناس برد الشتاء، صارت اليوم عازلاً للصوت بنسبة تقارب 95%، هنا، في قبو لمبنى استطاع أن يحافظ على جزئِه السفلي بعد ما استهدفته القذائف الإسرائيلية من الأعلى، يعمل فريق صغير على تشغيل قناة “طلائع فلسطين”.

يقول المخرج والأكاديمي الدكتور يوسف خطاب، مدير القناة، أن الفكرة لم تولد اليوم، وإنما هي فكرة قديمة تأسست في جمعية طلائع فلسطين من قبل الأستاذ أحمد أبو مصطفى، لكن الحرب فرضت تحولاً كان ملموساً.
يشرح خطاب: “خلال فترة الحرب، وجدنا أن هناك أطفالاً حرموا من كل شيء. أصبح هناك طوابير على التكية وطوابير على المياه، ولم يكن هناك تعليم أو مساحة آمنة أو منازل. فكان لا بد أن نخلق مساحة لهم ونافذة إعلامية تكون صوتاً لأطفال قطاع غزة”.

من مخيمات النزوح إلى الكاميرا

لم يقتصر الإقبال على أطفال المِنطقة. يروي خطاب أن “الأهالي يأتون بأطفالهم من مخيمات بعيدة، من شارع خمسة في مواصي خانيونس بمسافة ثلاثة أو أربعة كيلومترات، ليتلقوا تدريباً إعلامياً و يكسروا حاجز الخوف بينهم وبين الكاميرا”. ويضيف أن الدعم المعنوي جاء كبيراً من الأهالي والجيران، خصوصاً بعد أن ظهر الأطفال على الشاشة “بشكل مهني”، كما يقول.

وبالحديث عن العائد المادي لم يكن كما يرغب أيُ مُتقدم لوظيفة، خصوصاً في مخيمات النزوح حيث يوضح خطاب: “العاملون في القناة متطوعون، ويعملون في ظروف غاية في الصعوبة، وانقطاع الكهرباء مستمر منذ ثلاث سنوات، ولهذا يرتبط بث البرامج بقوة الشمس بحيث نحدد أياماً معينة للبث تكون مرتبطة بقوة الطاقة الشمسية”.

وحتى الأجهزة، كانت مشكلة بحد ذاتها.. يقول خطاب إن “الحرب استهدفت كافة الشركات والمحال التجارية والقنوات الإعلامية في قطاع غزة، فلم تكن متوفرة”، ويضيف: “الأستاذ محمود “أبو كريم”، مهندس الاستوديو، ابتكر أشياء لنقل الصورة من خلال خلق البدائل، لتخطي هذه المشكلة حتى نطلع بصورة تضاهي القنوات الفضائية”.
ويشير إلى أن الدعم الأول لشراء المعدات جاء من “حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني في بريطانيا”، لكنه وصل قبل خمسة أشهر فقط، ولا يوجد دعم حالي للقناة.

حكاوي ستي والقراءة

بالحديث عن المحتوى، تتناول قناة طلائع فلسطين قضايا الأطفال وموروثهم. يوضح خطاب: “نتناول الأمثال الشعبية الفلسطينية في برنامج خاص بعنوان (حكاوي ستي)، حيث يطرح عشر أمثال في الحلقة، ويتم تسليط الضوء على مثل واحد في الختام، ويقوم الأطفال بسرد قصته”.
كما وتعمل القناة على تحفيز الناس كباراً وصغاراً على القراءة: “نتناول موضوع القراءة، فالشعب الفلسطيني مفترض أن يكون من أكثر الشعوب قراءة، لكن النسبة متدنية، فنعمل حافزاً للأطفال ليتجهوا نحو القراءة والكتب”.

ويؤكد أن الأفكار كلها “تدعو إلى التسامح ونشر المحبة ونبذ العنف وخطاب الكراهية، لأن الأطفال المشاركين جزء منهم من الأيتام، وجزء من مصابي الحرب، وجزء تم انتشالهم من تحت الأنقاض”.

وعن طموحه في التغطية، يقول خطاب: “أتمنى أن تكون هناك تغطية لنا من القنوات الأجنبية، خاصة في روسيا والصين، لأن رسالتنا موجهة إلى الشعوب الأخرى أيضاً، نحن نريد أن نقول لهم أن أطفال غزة لم يُخلقوا للموت، خُلقوا للحياة، خُلقوا ليعبروا عن أحلامهم”.

أصغر مخرجة وأكبر حالمة

على بعد خطوات من غرفة البث، تجلس ابنة الثمانِ سنوات. ميس الكورد، أصغر مخرجة للقناة، أمام شاشة صغيرة. تقول بثقة: “وظيفتي في الإخراج أن أطلع البنت في أجمل صورة، وأوضح رسالتها للعالم”.
وتضيف: “الإخراج مش حاجة بسيطة، الإخراج فن وإبداع وعلم”.

تتذكر ميس كيف اكتشفت موهبتها: “كان عندي كمبيوتر قبل الحرب، وكنت أضغط على الأزرار وأحكي في مخي كأني مخرجة. أحياناً كان يجيني شعور أن هذا مستحيل، لكن بعد قناة طلائع فلسطين وشفت كل إشي بعينيّ، حكيت إنه موهبتي لازم أمارسها”.

وتقول إن ما جعلها تحلم هو رؤية صوت الأطفال يصل إلى العالم: “قلت أني أساعد، لأنه صراحة الطفل من حقه أنو يوصل صوته إلى العالم”.
واسترسلت: “حلمي أني أعمل بفضائية كبيرة، وأني أوضح للعالم كل الأشياء اللي كانت مخفية، اللي الإعلام ما ركّز عليها. أنا هظهر كل شي كان مخفي وراء الإعلام”.

وتوجه رسالة لكل طفل: “ما فيش إشي مستحيل، كل طفل عنده موهبة، ولما يمارسها ويأخذها حبة حبة، يعرف إنها سهلة وممكن تسير”.

لين: “ليش وقف إطلاق النار بعد ما بابا استشهد؟”

أما لين أبو شمالة، المذيعة في القناة، فتتحدث بصوت هادئ يحمل ثقلاً أكبر من عمرها الصغير، تقول: “أطفال غزة وفلسطين زي أي أطفال في العالم، بدهم يعيشوا، مش أطفال فلسطين بدهم يقفوا على المية وعلى التكية، أطفال فلسطين بدهم يعيشوا بدهم يكون عندهم كرامة وحياة زي كل الناس”.

وعن شعورها بالخطر اليومي في ظل الأوضاع الصعبة في القطاع، تجيب: “فيه خوف وفيه قلق. بنشاهد على السوشال ميديا أمهات بتفكي على أطفالها ماتوا قدام عيونها، إنت ماشي إنت وابنك في الشارع، فجأة بدون أي سبب يجي صاروخ جنبيك، ابنك يموت، إيش بده يكون شعورك؟”.

ثم تضيف بجملة تختصر كل شيء: “أنا كطفلة بابا استشهد قبل وقف إطلاق النار، فأنا ليش وقف إطلاق النار بعد ما بابا استشهد؟ يعني ليش مش قبل؟ أنا شو ذنبي كطفلة أني أكمل حياتي من صف سادس لباقي حياتي وأنا ما عنديش أب؟”.

وتتحدث لين عن ما لم تتناوله التغطية الإعلامية: “الإعلام ما حكى عن التعليم بشكل مباشر، ما حكى أن الأطفال صاروا يروحوا ثلاث أيام في الأسبوع بدل ستة، ما حكى أن الأطفال في الابتدائي المفروض تكون مرتاحة، وهي بتكتب بتحني ضهرها علشان تكتب على الأرض في بعض المدارس، هذا يأثر كتير على الأطفال”.

وحين سُئلت عن ما اذا كانت تحلم بشيء معين بعد الحرب، قالت: “إن شاء الله سأكمل مسيرتي في الإعلام مع قناة طلائع فلسطين، وأكبر وأنجح في حياتي”.

لا يزال للحلم بقية

تحت الأرض في قبو لمبنى ناجي من القصف، لا تزال الكاميرا تعمل حين تسمح الشمس؛ وحين ينقطع التيار، ينتظر الفريق أن تعود الطاقة الشمسية ليعود البث، يقول المخرج يوسف خطاب إن رسالتهم تحتاج دعماً يستمر، لكنه يصر على أن ما يحدث هنا ليس استثناءً: “أطفال غزة خُلقوا ليعبروا عن أحلامهم ويكتبوا قصصهم بأنفسهم”.

وتضيف ميس: “نحن لا ننتظر المساعدة فقط، بل نصنع الأمل بأيدينا”، أما لين، فتلخص الحكاية كلها في سؤال واحد لا يزال معلقاً: “ليش مش قبل، ايش معنى أنا؟”.

شاهد أيضاً

وكالة بيت مال القدس تواصل دعم قاطفي الزيتون ضمن حملة "عونة 2026"

وكالة بيت مال القدس تواصل دعم قاطفي الزيتون ضمن حملة “عونة 2026”

شفا – واصلت وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة القدس، برئاسة العاهل المغربي الملك …