12:54 مساءً / 12 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

الأَغوار الفلسطينيّة في الحسابات الاستراتيجيّة: الأَرض والمَوارد ومُستقبل السيّادة ، بقلم: شحادة غريب

الأَغوار الفلسطينيّة في الحسابات الاستراتيجيّة: الأَرض والمَوارد ومُستقبل السيّادة ، بقلم: شحادة غريب


لا تُمثل الأَغوار الفلسطينيّة مُجرد امتداد جغرافيّ في الجُزء الشرقيّ من الضفة الغربيّة، بل تُشكل إِحدى أَكثر المناطق حساسيّة في مُعادلة الصّراع الفلسطينيّ-الإِسرائيليّ، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجيّ، ومَواردها الطبيعيّة، وإِمكاناتها الزراعيّة، وارتباطها بمُستقبل الحُدود والسيادة الفلسطينيّة، فمن يُسيطر على الأَغوار لا يَمتلك نُفوذاً جغرافياً فحسب، وإِنّما يُؤثر أيضاً في مُقومات الأَمن الغذائيّ والمَائيّ، وفي قُدرة الدّولة الفلسطينيّة المُستقبليّة على التحكم بأَرضها، ومَواردها، وحُدودها الشَرقيّة، ومن هُنا، فإنّ فهم التَحولات الجاريّة في هذه المنطقة يَتطلب تَجاوز القراءة الميدانيّة المُباشرة إلى تحليل أَبعادها الجيوسياسيّة، والاقتصاديّة، والقانونيّة.

الجَغرافيا بوَصفها أَداة للنفوذ الاستراتيجيّ:

تَكتسب الأَغوار أَهميتها من موقعها المُمتد بمحاذاة نهر الأُردن والبحر الميت، واتصالها بالعُمق الشرقيّ للضفة الغربيّة، فَضلاً عن طبيعتها الجغرافيّة التي تَمنحها أَهميّة في الحسابات الأَمنيّة، والعَسكريّة، والاقتصاديّة، وتُمثل المنطقة حلقة أَساسيّة في أيّ تَصور مُتكامل لدولة فلسطينيّة قابلة للحياة، إذ ترتبط بها قضايا الحُدود، والاتصال الجغرافيّ، والتحكم في الموارد، وإِمكانات التَوسع الزراعيّ والعِمرانيّ.

وفي هذا السياق، لا يُمكن فصل السيطرة على الأَغوار عن مُستقبل التَسويّة السياسيّة؛ فالسيطرة الإِسرائيليّة المُستمرة على مَساحات واسعة من المنطقة، الواقعة بمُعظمها ضمن المناطق المُصنفة “ج”، تَضع قُيوداً على التخطيط الفلسطينيّ، واستثمار الأَراضيّ، وتطوير البُنيّة التحتيّة، ويُؤدي استمرار هذه القيود إلى تقليص قُدرة التَجمعات الفلسطينيّة على الاستفادة من إِمكاناتها الاقتصاديّة والجغرافيّة، ويُثير تَساؤلات جَوهريّة بشأنّ مَدى إِمكانيّة قيام دولة مُستقلة تَتمتع بسيادة فعليّة على إقليمها.

وتتجاوز المَسألة الاعتبارات الأَمنيّة المُعلنة إلى آثارها السياسيّة طويلة الأمد؛ إذ إنّ استمرار التحكم الخارجيّ في الحُدود، والمَوارد، والأَرض قد يُحول السيادة الفلسطينيّة، في حال قيام الدّولة، إلى سيادة مَحدودة الصَلاحيّات، لا تتوافر لها السيطرة الكاملة على المُقومات الأَساسيّة لاستقلالها.

الأَرض والاستيطان وإِعادة تَشكيل الوَاقع الجغرافيّ:

تَحتل الأَرض مَوقعاً مركزياً في التنافس على الأغوار، ليس باعتبارها مساحة قابلة للاستغلال الزراعيّ فحسب، بل بوصفها عُنصراً حاسماً في تشكيل الوقائع السياسيّة والدّيموغرافيّة، فالتَوسع الاستيطانيّ، وإِقامة البُؤر الاستيطانيّة، والقيود المَفروضة على البناء الفلسطينيّ، تُشكل مُجتمعة عوامل تُؤثر في توزيع السُكان، وأَنماط استخدام الأراضيّ، وإِمكانات التنميّة المَحليّة.

وتُشير تقارير مَكتب الأُمم المُتحدة لتنسيق الشُؤون الإِنسانيّة إلى أنّ المُجتمعات الرعويّة الفلسطينيّة في الأغوار تُواجه تحديات مُتزايدة تتصل بالعُنف الاستيطانيّ، وتَقييد الوُصول إلى المراعيّ ومَصادر المياه، وهدم المُنشآت السَكنيّة والزراعيّة، كما وثقت الأُمم المُتحدة خلال عامي (2025-2026) حالات نُزوح قَسري طالت تَجمعات فلسطينيّة في المنطقة، في ظلِّ الاعتداءات والضُغوط المُتواصلة على السكان.

وتَكمن الخُطورة الاستراتيجيّة لهذه التحولات في أنّ تغيير الواقع الدّيموغرافيّ والجغرافيّ قد يَسبق أيّ تَسويّة سياسيّة، فيضع المُفاوضات المُستقبليّة أَمام وقائع يصعب تَجاوزها، فإِضعاف الوُجود الفلسطينيّ في مناطق استراتيجيّة، أو دفع التَجمعات السُكانيّة إلى مُغادرتها، لا يقتصر أثره على الأفراد المُتضررين، بل ينعكس على التَواصل الجغرافيّ للدّولة الفلسطينيّة وعلى قُدرتها على مُمارسة سُلطتها على كامل أراضيها.

وبذلك، تُصبح حمايّة الوُجود الفلسطينيّ في الأَغوار قَضيّة تتصل مُباشرة بمُستقبل السيادة، وتتطلب مُقاربة تجمع بين تثبيت السُكان في أَرضهم، وتوفير مُقومات الحياة الكريمة، وتعزيز الحمايّة القانونيّة والدّبلوماسيّة للتَجمعات المُتضررة (الأُمم المُتحدة، مَكتب تَنسيق الشُؤون الإِنسانيّة، 2025).

المياه والأَمن الغذائيّ: مَعركة المَوارد:

تُمثل المياه أَحد أَبرز أَبعاد الأَهميّة الاستراتيجيّة للأغوار الفلسطينيّة، نظراً إلى ارتباطها بالزراعة، وتربيّة الثروة الحيوانيّة، والاستقرار السُكانيّ، وتُوفر المنطقة إِمكانات مُهمة للإِنتاج الزراعيّ، إلاّ أنّ الاستفادة من هذه الإِمكانات ترتبط بإمكانيّة الوُصول إلى مصادر المياه، وتطوير شبكات الريّ، وإِقامة المُنشآت الزراعيّة، وتوفير البُنيّة التَحتيّة اللازمة لاستدامة الإِنتاج.

وتَكشف التقارير الإِنسانيّة عن فَجوات في الوُصول إلى المياه لدى عدد من التجمعات الفلسطينيّة، نتيجة عوامل تَشمل القيود المَفروضة على تطوير البُنيّة التحتيّة في المنطقة “ج”، وتضرر المُنشآت المائيّة، والاعتداءات التي تَطال مصادر المياه، إلى جانب التَحديّات المُناخيّة وتراجع مُعدلات الأَمطار، وقد أَشار مكتب تنسيق الشُؤون الإِنسانيّة في أغسطس (2025) إلى أنّ عدداً من التجمعات الفلسطينيّة يُواجه صُعوبات في الوُصول إلى الموارد المائيّة، وأنّ بعض المُجتمعات تعتمد على نقل المياه بالصهاريج لتلبية احتياجاتها الأَساسيّة.

وتترتب على هذه الظروف آثار اقتصاديّة واجتماعيّة مُتداخلة؛ فارتفاع تَكلفة الحُصول على المياه يرفع كُلفة الإنتاج الزراعيّ، ويُقلص قُدرة المُزارعين والرُعاة على الاستمرار في أنشطتهم، ويُضعف مصادر دخل الأُسر، ومع تَراجع القُدرة على الإنتاج، تتزايد مَخاطر فُقدان سُبل العيش والنُزوح من المناطق المُتضررة، بما يربط بين التحكم في الموارد المائيّة والتَحولات الدّيموغرافيّة على الأرض.

ومن منظور استراتيجيّ، لا ينبغي التعامل مع المياه بوصفها مسألة خدميّة مُنفصلة عن السياسة، بل باعتبارها أَحد مُحددات الأَمن القَوميّ الفلسطينيّ، فالدولة التي لا تستطيع إدارة مواردها المائيّة، أو ضمان وُصول مُواطنيها إليها، تُواجه قُيوداً على استقلال قرارها الاقتصاديّ وعلى قُدرتها على تحقيق الأَمن الغذائيّ والتَنميّة المُستدامة.

البُعد القانونيّ وحُدود السيّادة:

تَكتسب قضيّة الأغوار بُعداً قانونياً يتجاوز الخلاف على استخدام الأَرض والمَوارد، فالأَغوار جُزء من الضفة الغربيّة المُحتلة، وتنطبق عليها قَواعد القانون الدّوليّ المُتعلقة بالاحتلال، بما في ذلك القيود المَفروضة على مُمارسة سُلطة الاحتلال، وحمايّة السُكان المَدنيين، واحترام المُمتلكات، وإدارة الموارد وفق الالتزامات القَانونيّة ذات الصلة.

وفي هذا الإِطار، يُثير التَوسع الاستيطانيّ ونَقل السُكان إلى الأراضيّ المُحتلة ومُمارسات التهجير أسئلة قانونيّة جديّة، وقد أَكدت محكمة العدل الدّوليّة، في رأيها الاستشاريّ الصّادر في (19 يوليو 2024) بشأن الآثار القانونيّة الناشئة عن سياسات إسرائيّل ومُمارساتها في الأرض الفلسطينيّة المُحتلة، عدم قانونيّة استمرار الوُجود الإِسرائيليّ في الأَرض الفلسطينيّة المُحتلة، وأَكدت التزامات تتصل بإنهاء هذا الوُجود وفق ما وَرد في الرأيّ، ويُشكل هذا التطور مَرجعيّة مُهمة في تقييم السياسات التي تُؤثر في الأرض الفلسطينيّة ومُستقبل تقرير المصير.

غير أنّ التحديّ الأَساسيّ يَكمن في الفجوة بين المَرجعيّات القانونيّة وآليات تنفيذها، ففاعليّة القانون الدّوليّ لا تتوقف على وُضوح القواعد وحده، بل ترتبط أيضاً بمدى التزام الدول بتنفيذها، وبقُدرة المُؤسسات الدّوليّة على تحويل المواقف القانونيّة إلى إجراءاتٍ عمليّةٍ تحمي الحقوق الفلسطينيّة وتحد من تغيير الوقائع على الأرض.

الأَغوار ومُستقبل الدّولة الفِلسطينيّة:

إنّ مُستقبل الأغوار سيُؤثر بصُورة مُباشرة في شكل الدولة الفلسطينيّة المُمكنة، وفي قُدرتها على الجمع بين الاستقلال السياسيّ، والاستدامة الاقتصاديّة، والسيطرة الإِقليميّة، فالدّولة التي تَفتقر إلى التحكم بحدودها، ومَواردها، وأَراضيها الزراعيّة الأَساسيّة قد تجد نفسها أمام استقلال قانوني لا تقابله سيادة عمليّة مُكتملة.

ومن هُنا، يتطلب تثبيت الحُقوق الفلسطينيّة في الأغوار مَسارات مُتوازيّة: تَعزيز صُمود التجمعات السُكانيّة، وتطوير القطاع الزراعيّ والبُنيّة التحتيّة المائيّة، وتوثيق الانتهاكات وفق معايير قانونيّة دقيقة، وتفعيل المسارات الدّبلوماسيّة والقانونيّة الدّوليّة، إلى جانب إدراج حمايّة الأَغوار ضمن أيّ رُؤيّة سياسيّة جادة لإِنهاء الاحتلال، كما ينبغي أن تَحظى المنطقة بمكانة واضحة في برامج التنميّة الوطنيّة الفلسطينيّة، من خلال دعم المُزارعين، وتحسين خدمات المياه والصحة والتعليم، وتوسيع فُرص الاستثمار المُنتج حيثما تسمح الظروف، وتعزيز قُدرة المُؤسسات المحليّة على الاستجابة لاحتياجات السُكان.

في المُحصلة، لا تختزل معركة الأَغوار في السيطرة على مساحة جغرافيّة، بل تتصل بمُستقبل الموارد، والحُدود، والوُجود السُكانيّ، وإِمكانات الاستقلال الفلسطينيّ، فالأَرض التي لا تتوافر لسُكانها القُدرة على استثمار مواردها وحمايتها تظل عُرضة لتحولات تُعيد تشكيل واقعها السياسيّ والاقتصاديّ، ولذلك، فإنّ حمايّة الأَغوار ليست ملفاً هامشياً في المَشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، وإِنما قَضيّة محوريّة في بناء دولة ذات سيادة فعليّة، قادرة على إِدارة مَواردها، وتأمين احتياجات شَعبها، ومُمارسة حُقوقها على أرضها.

شاهد أيضاً

اللواء ركن أكرم ثوابتة يلتقي ممثلات النوع الاجتماعي بالمؤسسة الأمنية في أريحا

اللواء ركن أكرم ثوابتة يلتقي ممثلات النوع الاجتماعي بالمؤسسة الأمنية في أريحا

شفا – التقى مدير عام الدفاع المدني اللواء ركن أكرم ثوابتة اليوم الإثنين 12/10/2026 ممثلات …