11:49 صباحًا / 11 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

حكايا أزهار الدفلى: حوار مع الشاعرة السورية جنان الحسن حول الذاكرة، وشموع المنفى، وجراح الرقة

حكايا أزهار الدفلى: حوار مع الشاعرة السورية جنان الحسن حول الذاكرة، وشموع المنفى، وجراح الرقة

شفا – حكايا أزهار الدفلى: حوار مع الشاعرة السورية جنان الحسن حول الذاكرة، وشموع المنفى، وجراح الرقة


حوار:عطا درغام


في فضاء الأدب المعاصر، تقف الشاعرة والروائية السورية جنان الحسن كعلامة فارقة تجمع بين الرقة والشراسة الإبداعية؛ حيث تحول الكلمات إلى جسور تعبر فوق مسافات النزوح والوجع. من عتمة الحرب في الرقة إلى أضواء المنفى في فرنسا، ترسم الحسن بمداد من نور وتمرّد ملامح الهوية السورية المنشطرة بين حنين الجذور وقسوة الاغتراب. نلتقي بها اليوم في هذا الحوار الاستثنائي لنسبر أغوار نصوصها، ونفكك طلاسم تجريبتها التي تمتد بين الرواية والنثر، وبين ضفتين من الوعي الإنساني الحاد.

  • كيف تشكلت ملامح الرقة في وجدانكِ بعد سنوات الفقد؟ هل أصبحت المدينة “مكاناً متخيلاً” أم أنها ما زالت واقعاً يملي شروطه على حبركِ؟
    عادة ما تضيع ملامح المدن من ذاكرتي بعد أن أرحل عنها تفقد دفئها في نظري ربما لأنني استوطنت الغربة في سن مبكرة من حياتي فتنقلت مابين الرقة ودمشق والرياض وتركيا وألمانيا وأخيرا فرنسا حتى أصبحت الجغرافية بالنسبة هي أشخاص لا أماكن ولكن الرقة تبقى بالنسبة لي قبلة الحنين انحاز إلى طفولتي فيها هناك رافضة في قرارة نفسي ما آل إليه الحال فيها
    .
  • في روايتكِ “حكايا أزهار الدفلى”، بدت البيئة الشامية/الفراتية حاضرة بقوة. كيف استطعتِ تفكيك جدران المنفى الفرنسي لتعيدي بناء تفاصيل الحارة والشارع السوري بكل هذه الدقة؟
    رغم أنني حين أكتب النثر أغادر الواقع وأذهب بعيدًا في رومانسية الخيال ،لكنني في السرد أحب الكتابة الواقعية التي تلامس يوميات القارئ
    في رواية “حكايا أزهار الدفلى” حرصت على إظهار التفاصيل الصغيرة في وصف الأماكن كي لا يعيش خيال القارئ غربة عن الحدث وهذه ما ألهمتني به قراءتي المتعمقة لأدب العملاق المصري “نجيب محفوظ” كان يصف الأماكن في رواياته بطريقة تجعل القارئ يبدو وكأنه يصاحب أبطال الرواية في خطواتهم
  • المنفى يغير زاوية الرؤية دائماً. ما الذي منحتكِ إياه جغرافيا فرنسا الإبداعية، وما الذي سلبته من عفويتكِ النصية الأولى؟
    غالبا نحن نبقى نعيش على الهامش هنا في مثل هذه الدول المختلفة عنا في نسيجها المجتمعي ،ولم تسلبني فرنسا شيئًا من عفويتي وإنما أجدها قد ساهمت في دفعي صوب الكتابة أكثر وأطلقت يدي فيها وألقت روحي في بئر الوجع السوري رغم بعدي عن مسرحه فالمنفى والوحدة والعزلة التي أعيش فيها أعطت الصورة بعدا أوضح والمأساة وجعا أكبر أو كما يقال في مثل هذه الظروف ” كل شيء واضح من قمة الجبل”
    .
  • هل تشعرين أن الكتابة من الخارج هي محاولة لترميم هوية مشروخة، أم أنها صياغة لهوية جديدة كلياً لا تنتمي لضفة دون أخرى؟
    يؤسفني أن أقول بأنني لا أملك هوية محددة أو انتماءاً لمكان ما كلما حططت رحالي في بلد عادت فكرة الرحيل القسري منه لتطاردني من جديد حتى بات من السهل علي اليوم أن أحمل حقيبتي وأرحل من جديد إن ضاقت بي الأماكن أو الأشخاص
    .
  • كيف يتصالح الحنين داخل نصوصكِ مع فكرة الاستقرار في بلاد لم تخترها الأقدار بل فرضتها المأساة؟
    الحنين مشاعر دافئة موجعة وجميلة تقضم القلب كما تفعل النحلات في قلب الورد منشأه الاغتراب القسري عن كل ما ألفنا
    لذا وجد مكانه على الدوام في كتاباتي في ظل ما عانته عائلتي أولادي وأخوتي في اغترابهم القسري في المنافي المختلفة وبوضوح أكثر أنا لا أملك حنينًا للأماكن بقدر حنيني للأشخاص .
    المحور الثاني: هندسة النص بين الرواية والشعر (التداخل الأجناسي)
  • تنقلتِ بين الشعر، النثر، والرواية. هل تجدين أن بعض الأوجاع السورية أوسع من أن يحتضنها مجاز القصيدة، مما دفعكِ لرحابة السرد في “حكايا أزهار الدفلى”؟
    الوجع السوري كان واقعًا قبيحًا أكبر من أن يحتمله العقل البشري لذا كان واجبا على اللغة أن تتدخل لتسلط الضوء على حجم معاناة شعبا كاملا أسوة بأدب القضية الفلسطينية وأدب الثورة الفرنسية وغيرها من نضالات الشعوب الأخرى ولأن الشعر نوع أدبي محدود الجمهور برأيّ قياسا للأدب السردي أحببت أن يكون لي عملًا سرديًا يروي بعضًا من مأساتنا
  • في كتابكِ “وحيدة أمد ظلي على الشمس كشجرة”، هناك تمرد واضح على الأنماط السائدة. كيف تبنين المسافة الحرة بين النثرية الخالصة والقصيدة الشاعرة دون السقوط في فخ التكرار؟
    النص بشكل عام لدي عادة ما يكون وليد فكرة أدبية بحتة أو نتيجة حتمية لحالة إجتماعية أو إنسانية ما أو صورة رومانسية تعبر أفق خيالي فتستفزني تخاطب العقل فيني أو القلب والأفكار عادة لا تتشابه هنا أسلم زمامها لروحي بعد أن أفك قيودها وأطلقها وبقدر ما تبتعد بقدر ما تختلف
  • يقول البعض إن الروائي الذي يسكنه شاعر يفسد السرد بالصور البلاغية. كيف نجوتِ بروايتكِ من فخ “الشاعرية المفرطة” لتحافظي على بنية روائية متماسكة؟
    أظن أن روايتي لم تنجُ، وأظنها قد سقطت في فخ رومانسية الألم ولكن لأسباب مختلفة تماما روايتي تتحدث عن التغريبة السورية والمأساة التي صنعتها وشخصية الكاتبة هنا لم تنسى أبدا أنها أم وزوجة وابنة وأخت وجارة وطبيبة ومعلمة وضحية سورية ،لذا أراها في بعض فصولها قد سقطت في فخ رومانسية الألم
  • حين تكتبين بلغة مزدوجة (العربية والإنكليزية)، هل يتغير إيقاع التفكير الفني لديكِ؟ أم أن المشاعر تظل عربية الملامح وإن ارتدت عباءة لغوية أخرى؟
    لا يتغير شيء، وإنما تبقى لغتنا العربية جميلة وبليغة جدًا في صياغة أفكارنا لأنها لغة دافئة جدا
  • ما هي الحدود الفاصلة في وعيكِ بين “الشهادة التاريخية” في الرواية وبين “التجلي الوجداني” في النص النثري؟
    الرواية كانت عملًا سرديا واقعيا بدأته بيوميات على صفحة الفيسبوك حتى قررت بلحظة أن أحول هذه اليوميات إلى رواية تؤرخ لمأساتنا لذا حاولت قدر المستطاع أن أكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف وانحاز إلى جهة واحدة فقط هي جهة الشعب الأعزل الذي كان يتظاهر في الشارع مطالبا بحريته وهذه الحيادية جعلت من العمل شهادة تاريخية على الحدث تنوع الأفكار في النص النثري يجعل الغلبة فيها للمشاعر الوجدانية في السيطرة على الصورة العامة للفكرة والنص
    المحور الثالث: سيكولوجية الكتابة وأصداء الحرب
  • الحرب في سورية لم تكن حدثاً عابراً بل زلزالاً وجودياً. كيف استطاع وعيكِ الأدبي حماية مخيلتكِ من أن تتحول إلى مجرد كاميرا توثق البشاعة، لتصنعي بدلاً من ذلك جمالية إنسانية؟
    لأن علينا مسؤولية صناعة الأمل لأنفسنا أولًا وللأخرين تالياً فنحن في الحقيقة نبدو كالمزارع الذي يلقي البذور في الأرض بعد انتهاء العاصفة وينتظر منها أن تزهر على مدى الأيام
    .
  • “أزهار الدفلى” نباتات جميلة لكنها سامة. ما الرابط السري الذي أردتِ عقدَه بين اسم هذه الزهرة وحكايا المأساة السورية في روايتكِ؟
    ازهار الدفلى جميلة جدًا ورائعة اللون والمنظر قلما تخلو البيوت القديمة والحدائق منها رغم أنها سامة تماما كما كان الوضع بسورية قبل الثورة كان الجميع ينظر إلى سورية على أنه بلد آمن ومستقر ولا ينقصه شيء ولكن على أرض الواقع كانت معاناة الشعب مرة قبل الثورة أمنيا ومعيشيا لذا جاء اختياري لأزهار الدفلى
  • كيف تتعامل جنان الحسن مع مفهوم “موت الذاكرة”؟ هل تكتبين لكي تتذكري وتنقذي الحكايات من الفناء، أم لكي تتطهري من ثقل الذاكرة وتنسي؟
    أملك ذاكرة حية لم تمت أبدًا،وأكتب كي أخفف عنها بعضا من أحمالها الذاكرة المثقلة بالألم تقتل صاحبها لذا أكتب كي أحيا وأنجو
  • في نصوصكِ مسحة من العزلة الشفيفة (“وحيدة أمد ظلي.”). هل العزلة بالنسبة لكِ شرط للكتابة، أم هي النتيجة الحتمية لمن يعيش ممزقاً بين وطنين؟
    في ظل حياة الترحال التي عشت تعاقب الوجوه والأماكن على مدى سنوات طوال أفقدني حس الإنتماء إلى مكان واحد أو وطن واحد وجعل من العزلة رفيقتي الدائمة والوفية لي لم تغادرني أبدا وأصبحت حافزي الرئيسي للكتابة
  • كيف استطاع قلمكِ الإفلات من فخ المظلومية والبكائية، والانتقال بنصوصكِ نحو فضاء المراجعة الفكرية والإنسانية العميقة؟
    كما اختبرت في حياتي الحزن والفقد والغياب وكنت جزءا من مأساة كبيرة اختبرت أيضا الفرح ونعمة الأمومة والحب والعطاء بلا حدود فيها إضافة إلى أنني اكتسبت صفة الميل إلى القدرية بعد سلسلة طويلة من الفقد والإخفاقات ما جعلني ألمس آلام الحياة دون أن أصنع منها مظلومية كبيرة
    المحور الرابع: التمرد، اللغة، والانزياح الدلالي
  • تتسم كتاباتكِ بالانزياح الدلالي والتمرد على القوالب الجاهزة. من أين تستمدين جرأة كسر التراكيب اللغوية التقليدية في عصر يميل فيه المتلقي للسهولة؟
    هذه الجرأة والإلتفاف استمديتها من كتابة شعر الهايكو الياباني حيث عادة ما تُكسر رتابة الصورة بأخرى مختلفة ترسمها لغة مكثفة وموجزة ومرادفة للغة الأصلية
  • هل ترين أن اللغة العربية الفصحى اليوم بحاجة إلى ثورة داخلية لتستوعب حجم الخراب الإنساني الحديث، أم أنها ما زالت مرنة وكافية؟
    لغتنا العربية من أجمل لغات العالم وفضفاضة تتسع لكل أحداث العالم وشعر المعلقات وإبداع نجيب محفوظ في السرد يقول ذلك ولكن العالم اليوم في وطننا العربي قلما يقرأ لذا قد يكون اللجوء للسهل الممتنع من اللغة في الكتابة محبذ لإغراء البسطاء المثقلون بهمومهم اليومية بالقراءة
  • عندما يمتد ظلكِ “كشجرة على الشمس”، هل هو إعلان عن رغبة في احتواء الكون، أم هو تعبير عن رغبة في الاختباء وراء المجاز؟
    هو اختباء وراء المجاز إنه تعبير عن مشاعر الأمومة للأبناء وللحرف
    .
  • كيف توازنين بين رغبتكِ ككاتبة نخبويّة تبحث عن عمق الدلالة، وبين إيصال صوت قضيتكِ لجمهور واسع وممتد؟
    لا خلاف بينهما أبدا فقضيتي إنسانية عميقة الألم سامية الهدف تخاطب ضمير كل إنسان حر في هذا العالم وحرفي وجداني المنشأ يخاطب الروح يغمس ريشته بأحبار المحبة والجمال والطبيعة وكل معنى نبيل والضمير جزء لا يتجزأ من الروح
  • ما هو المفهوم الحقيقي للحرية في نظركِ بعد كل ما عشتهِ وشاهدتِهِ؟ هل هي حرية الكلمة أم حرية الجسد من قيود المكان؟
    الحرية الحقيقية هي حرية الرأي والكلمة لأنهما يشكلان الوعي العام للإنسان عامة وللمرأة خاصة ؛فيضعان حدود تفتح الباب على مصراعيه لضمير يقظ على الدوام
    المحور الخامس: الهوية الثقافية وآفاق المستقبل الأدبي
  • انضمامكِ لملتقيات وموسوعات عربية كبرى مثل “قصائد في رحاب القدس” يعكس امتداداً قومياً. كيف يتقاطع الهم السوري المحلي مع الهم العربي العام في نتاجكِ؟
    أحب أن أنوه بداية إلى أن القضية الفلسطينية ما زالت رغم تقادمها تعتبر هي القضية التي ما زالت تجمع قلوب الشعوب العربية حولها والهم السوري لا ينفصل عنها ولا عن معاناة الشعب السوداني واليمني والليبي وغيرها من الشعوب العربية
    مأساتنا واحدة في بلداننا فالظلم فيها واحد والقهر والفساد واستعباد المواطن متشابه والمعاناة متكررة لأن الجهة التي تحرك خيوط الطغيان فيها واحدة أيضا
  • يعيب البعض على أدب المنفى أنه ينكفئ على الماضي. كيف تخطط جنان الحسن لتقديم نص يخاطب الغد والمستقبل دون أن يظل رهين اللحظة السورية الأولى؟
    رغم محاولاتي الإبتعاد عنها في طرق مواضيع مختلفة في نصوصي وأركز بشدة على الحب والأمل ولكن المنفى هذه الكلمة الثقيلة العبء على روح الإنسان والتي لم تكن اختيارية أبدا وإنما هي قسرية ستبقى تفرض نفسها على كتابات الأديب مهما حاول الإنسلاخ عنها وفي النهاية اليوم سورية تدخل عهدا جديدا مختلف عن السابق وسيكون له سلبياته وإيجابياته والتي من المؤكد أنها ستستحوذ على اهتمامي وكتاباتي ولكن بصورة مختلفة فيها نظرة للأمام وليس للخلف
  • بعد تجربة الكتابة بالإنكليزية والنشر في أنطولوجيات عالمية، كيف ينظر الآخر (الغربي) إلى وجع الشاعرة السورية من خلال نصوصكِ؟ هل يفهم العمق أم يكتفي بالتعاطف؟
    مساعدتهم على الفهم هذه مهمتنا جميعا الألم الإنساني واحد وربما هذا الأخر كان متأخرا في الفهم لأنه لم تتح له الفرصة سابقا ليقرأ معاناتنا بما يليق بها ولكن اليوم وسائل التواصل ساعدت على كسر المسافات وجعلت الرؤية واضحة له فبدأ يبحث ويقرأ ويتابع ما يجري على أرض الواقع بعيدا عما يُقدم له من قوالب جاهزة في بداية قدومي إلى فرنسا وفي أحد اجتماعات الإندماج طُلب مني أن أقرأ نصًا لي عن سورية على أن يقوم بترجمته للفرنسية أحد المسؤولين والمتحدثين للغة العربية وحدث ذلك وللأمانة وجدت تعاطفا وفهما كبيرين من الحضور لمسته من خلال مطالبتي بقراءة نصا أخر عن ما يجري في سورية
  • لو أتيحت لكِ الفرصة لإعادة كتابة فصل واحد من مسيرتكِ الأدبية أو الحياتية، أي الفصول ستختارين ولماذا؟
    أختار طفولتي لأنها كانت غنية وكنت فيها ذات خيال واسع فيها محطات دافئة جدا وأخرى باردة جدا أثرت على قرارتي لاحقا بشكل سلبي ولم أدرك ذلك إلا متأخرا
    .
  • ما هي الكلمة أو النبوءة التي تركتِها معلقة في نهاية “حكايا أزهار الدفلى” وتأملين أن تتحقق قريباً على أرض الواقع؟
    النجاة ختمتها بسؤال يتردد على لسان بطلة القصة في ظل معاناة المنافي المختلفة :
    هل نحن قد نجونا حقا !؟

شاهد أيضاً

نائب رئيس مجلس الدولة الصيني تشانغ قوه تشينغ

نائب رئيس مجلس الدولة الصيني تشانغ قوه تشينغ يحث على تعزيز التصنيع المتقدم

شفا – دعا تشانغ قوه تشينغ نائب رئيس مجلس الدولة الصيني إلى تعزيز وتوسيع نطاق …