
شفا – الرواية والطفل والحداثة.. حوار مع د. وداد معروف.
عطا درغام
حين يتلاقى وعيُ الأكاديميةِ الباحثةِ مع شغفِ المبدعةِ التي تأسرُها تفاصيلُ الشارعِ المصريِّ، تولدُ تجربةٌ أدبيةٌ متفردةٌ تتسمُ بالعمقِ والرحابةِ. الدكتورة وداد معروف، اسمٌ لا يقفُ عندَ حدودِ جنسٍ أدبيٍّ واحدٍ؛ بل تتحركُ بحريةٍ وثقةٍ بينَ فضاءِ الروايةِ الممتدِ، ومرافئِ القصةِ القصيرةِ المكثفةِ، وصولاً إلى عالمِ الطفولةِ المبهجِ والمسؤولِ، مستندةً في ذلكَ كلِّهِ إلى خلفيةٍ نقديةٍ وإعلاميةٍ تربويةٍ رصينةٍ.
في روايتِها “الأستاذ” المتوجةِ بجائزةِ عميدِ الأدبِ العربيِّ، وفي “دفترِ أحوالِ شارع 9″، لم تكنِ الجغرافيا عندَها مجردَ خلفيةٍ صامتةٍ للأحداثِ، بل تحولَ المكانُ على يديها إلى كائنٍ حيٍّ يتنفسُ، ويوثقُ صراعاتِ الأجيالِ وتحولاتِ المجتمعِ الاقتصاديةِ والوجدانيةِ بأسلوبٍ يمزجُ بينَ شاعريةِ اللفظِ وعمقِ القضيةِ. وفي هذا الحوارِ الممتدِ، نبحرُ معَ الدكتورة وداد معروف لتفكيكِ عوالمِها السرديةِ، ونستكشفُ معها منهجَها في تطويعِ أدواتِ النقدِ، وكيفيةِ صياغةِ وعيِ طفلِ القرنِ الحادي والعشرينَ، في مواجهةِ تياراتِ الحداثةِ والتحولاتِ الرقميةِ المتسارعةِ.المحور الأول: الإبداع الروائي (تفكيك العوالم السردية)
⦁ روايتكِ “الأستاذ” حازت على جائزة عميد الأدب العربي؛ ما هي الخلطة السرية التي جمعتِ فيها بين الواقعية الاجتماعية والتحليل النفسي لتنال هذا الاحتفاء؟
رواية الأستاذ رصدت التحولات الاجتماعية والسياسية لمصر من خلال قرية الشهاوية التي تقع في قلب دلتا مصر، على مدار 30 عاما، من ثورة يوليو حتى عصر الانفتاح وما مثله من تغيرات في الشخصية المصرية، جسدتُ ذلك من خلال شخصية المُعَلم عبد الحميد ياسين صاحب الدور التعليمي والتربوي المتفرد في حياة تلامذته، ودعمتُ ذلك بتفاصيلَ عن الحياة في القرية وعاداتها وتقاليدها في المناسبات الاجتماعية والدينية المختلفة ومناقشة قضايا المرأة وبدء مرحلة التعليم المجاني، ثم بعد ذلك مشاركتها للرجل في العمل، وكيف كان العمل التطوعي الذي أخلص له المعلم عبد الحميد ياسين، كذلك تعرضت لحرب رمضان المجيدة التي انتصر فيها الجيش المصري على الصهاينة، والدور البطولي لأحد شخوص الرواية على جبهة القتال حتى نال الشهادة، ثم الصراع بين الأستاذ حامل القيم والمُثل وبين البطل المضاد الذي انتفع بكل مكتسبات الثورة وما تلاها من أحداث، وانهزم أمامه الأستاذ في تلك المعارك غير المتكافئة.
⦁ في رواية “سطور من دفتر أحوال شارع 9″، يبرز المكان كبطل رئيسي؛ كيف توظفين الجغرافيا المصرية والشارع كعنصر فاعل في تحريك الأحداث وليس مجرد خلفية؟
يكون المكان بطلا حينما تنطلق أحداث الرواية منه، فهو يعكس البيئة التي تؤثر على شخصيات الرواية، وهنا يكون المكان دعامة أساسية في السرد، فهو تأطير للواقع الذي نعالجه معالجة أدبية، ولأن شارع 9 كان هو الشارع الذي تقع فيه المؤسسة الحكومية التي تجمع أغلب شخصيات الرواية، ولأنه مثل نقلة مختلفة في حياة بطلة الرواية منار سلام، فقد كان بداية مرحلة جديدة لموظفة عاشت معظم عمرها الوظيفي تتنقل بين القرى والنجوع لتأدية عملها، جاءها النقل لشارع 9 في المدينة الساحرة التي تعيش فيها، بداية مرحلة من الراحة والهدوء؛ والمفارقة أنهما لم يتحققا لها في شارع 9 كما ظنت، ولذا لم يكن وصف منار سلام للشارع وصفا تفصيليا عاما وحسب، ولكنها وصفته بإسقاطات ذاتها حملتها دلالات قصدية ومشاعر تودها الخلاص من سنوات أرهقتها لقادم ترجو أن يكون أجمل.
⦁ تشهد رواياتكِ صراعًا خفيًا بين الأجيال؛ هل تنحازين في السرد إلى وقار قيم الجيل القديم أم تمنحين العذر لتمرد الجيل الجديد؟
إذا وقف الكاتب عند الكتابة عن الزمن الجميل وأهله، ولم يربط ذلك بواقعه وعصره الذي يحيا فيه؛ فقد جمد قلمه ولم يمنحه التفاعلية مع دنياه المعاصرة، وبالتالي لم يعبر عن زمنه ولا مجايليه ولا شباب عصره، فالأديب عين راصدة للتحولات التي تطرأ على المجتمع حوله، ووجدان يتفاعل ويجيش بالمشاعر فينزفها على الورق؛ فتظهر في بناء شخصياته ولغتها.
⦁ يصف النقاد لغتكِ الروائية بأنها “لغة شفافة وشاعرية”؛ كيف توازنين بين شاعرية اللفظ وعمومية القضية الاجتماعية المطروحة؟
تشف اللغة حينما يكون الإنسان هو محور القضايا التي نعالجها، هنا تكون اللغة خادمة للفكرة وللقضية المطروحة، لغة تمتزج بوجع الإنسان فتنبض بألمه وتعبر عن فرحه إذا حضره الفرح، فتمس القلب ومن هنا يأتي سحر السرد، ولأن الإنسان هو قضيتي فجاءت لغتي حية كما الإنسان، شفيفة كروحه الحرة المنطلقة.
المحور الثاني: الإبداع القصصي (اقتناص اللحظة العابرة)
⦁ صدرت لكِ أكثر من 7 مجموعات قصصية، مثل “ريشة من جناح العشق” و*”كارت شحن”* كيف تختلف أدواتكِ في التقاط الفكرة بين الرواية الممتدة والقصة القصيرة المكثفة؟
القصة القصيرة كما يقول جيمس لن: “هي عبارة عن تقديم أهم لحظة من لحظات حياة البطل، وهذه اللحظة تمتد زمنيا لساعات أو أيام أو أسبوع أو أكثر؛ غير أن الروائي لا يهتم فيها بالتفاصيل التي يهتم بها الروائي” ولذا فالقصة عندي هي لحظة أقبض عليها وأعبر عنها باحتشاد وتكثيف، وكم قصص كتبتها من لقطة رأيتها كقصة السيارة الزرقاء، وقصة “ونائم لا يُري) ومس كليوباترا، فعين الأديب ترى وتتفاعل بما يمر عليه غير ولا يؤبه له.
⦁ تتميز قصصكِ بالدخول المباشر والسريع في الحدث؛ ما هي فلسفتكِ في كتابة “المقدمة القصصية” الجاذبة للقارئ المعاصر؟
القصة كما عرفها يوسف إدريس “طلقة تخرج من المسدس فتنطلق مباشرة،” وهكذا أراها، فهي دقيقة سريعة ذات تأثير قوي على القارئ، المقدمة القصصية عبء على القصة، الدخول في الحدث مباشرة يشد قارئك لما تكتب ولا يحول القصة لجسد مترهل، يصيب القارئ بالملل فينصرف عنها، وكما قالوا إن ذكرت في القصة حبلا فعليك أن تجعله لأن يشنق به البطل نفسه، فليس في القصة القصيرة كلمة لا وظيفة لها.
⦁ قدمتِ في مجموعاتكِ صورة لامرأة واعية ومكافحة؛ إلى أي مدى تعكس هذه الشخصيات واقع المرأة المصرية المعاصرة بعيدًا عن الصور النمطية؟
المرأة تمثل معظم عالمي القصصي، قضايا المرأة عديدة ومتنوعة ومؤثرة على المجتمع بكامله، فقد تناولت المرأة العاملة في “سطور من دفتر أحوال شارع 9” وقصة “بين قهرين”، و”مدرسة درية شلبي” و”على بعد سنتيمترين” وغيرها كثير، والمرأة المسنة كما في قصة “مس كليوباترا”، وكتبت عن المرأة المبدعة كقصة (وكان حظي منها الفرجة) و(ستار من دم) والزوجة المقهورة كما في قصة (مغادرة) والمرأة الدجال كقصة (ساكنة البركة الحمراء) وكتبت عن المرأة الطموح التي أكملت تعليمها بعد أن فاتها موعده الرسمي كما في قصة (يا بشرى)هذه القصص التي ذكرتها في مجموعتين فقط هي (مس كليوباترا) ومجموعة (سر الولي)* وبقية المجموعات ملأى بكثير من القضايا التي تعانيها المرأة، وما أكتبه هو واقع تعيشه المرأة ويعيشه المجتمع معها، فهو من لحم ودم.
⦁ في مجموعة “فستان فضي لامع”، يظهر أثر التحولات الاقتصادية على القيم الأسرية؛ هل ترين أن القصة القصيرة أسرع الفنون الأدبية في رصد تشوهات المجتمع؟
قلنا إن القصة القصيرة هي كطلقة المسدس سريعة دقيقة مؤثرة، ولذا أقدم من خلالها لقطات، وإن شئت قلت اقتناصات من الحياة، ومن شخصيات أصابها التشوه، من جراء الفقر والحاجة أو انخدعت في بهارج المدنية فتنازلت عن قيمها الأصيلة فتماهت مع الفساد، وصارت إحدى مفرداته، كما في قصة (فستان فضي لامع) وكيف أن البحث عن الرزق خارج مصر حرم الأسرة من عائلها وفي قصة (من ثقب الباب) جريمة قتل من أجل مبلغ تافه، وقصة (قلعة الحاجة همت) التي تجلى فيها الطمع في مال القريبة المسنة، فهذه تشوهات مجتمعية أعالجها بالفن القصصي ذي الجاذبية في التلقي وعمق التأثير على قارئه.
⦁ كيف تختارين نهاية قصصكِ؟ هل تفضلين النهايات المفتوحة التي تشرك القارئ، أم النهايات الصادمة والمغلقة؟
نهايات القصص تحكمها طبيعة الموضوعات وزوايا التناول للحدث، فالنهايات هي الخاتمة التي تترك الأثر الاقوى في ضمير القارئ، فهي لحظة حاسمة من أهم لحظات القصة القصيرة، أحيانا أختار النهاية المغلقة عندما يكون الحدث يستلزم الحسم لا إثارة الأسئلة ولا مجال فيه للشك، وأحيانا أختار النهاية المفتوحة لأعطي للقارئ مساحة للتخيل واختيار ما يناسبه من نهاية، وقد أختار النهاية الصادمة لأترك لدى القارئ دهشة تظل معه فتكون أكثر تأثيرا، وللنهاية الرمزية دلالتها الموحية التي تفتح باب التأويل وكثيرا ما أستخدمها.
المحور الثالث: أدب الأطفال (صناعة الوعي المبكر)
⦁ تخصصكِ الأكاديمي في الإعلام التربوي يتقاطع بقوة مع كتاباتكِ للأطفال؛ كيف وظفتِ هذا التخصص في بناء قصص تبتعد عن التلقين الجاف؟
تخصصي في الإعلام لا يتقاطع مع كتاباتي للطفل، لأن القصص بجانب انها متعة أدبية فهي أيضا وسيلة من وسائل نقل الرسائل المرجو إرسالُها للمتلقي سواء كان رجلا أم امرأة أم طفلا، كما أنني في الأصل أديبة فحين أكتب للطفل أكتب بقلم أديبة تتلبسها روح الطفولة كي أصل إليهم بسهولة وكي أعيش مشاعرهم البريئة.
⦁ الخيال عند الطفل اليوم مشبع بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؛ كيف تصيغ الدكتورة وداد “خيالًا قصصيًا” يجذب طفل القرن الحادي والعشرين؟
لأني أدرك اهتمامات طفل اليوم كتبت لهم قصة تغذي هذه الاهتمامات مثل (باسم والعم جوجل) ومجموعة قصصية كاملة بعنوان (بهاء وإيمي واليوتيوب) تناولت فيها الطفل بهاء الذي دشن قناة لليوتيوب لكي يضع فيها محتوى دراميا عالميا للأطفال، وكيف تفاعل مع جمهوره وكذلك صديقته إيمي، فطفل اليوم لم يعد من المناسب أن نتحدث معه عن البطة والقطة وما شابه من الحكايات القديمة، هو أذكى مما نتصور، لذا علينا تقديم حبكات سريعة ومحفزة للخيال، مع الابتعاد عن المباشرة والوعظ، ومواءمة النصوص لتكون تفاعلية ومؤثرة في ظل التطور المعرفي السريع، فالصحة الذهنية للطفل هي غايتنا ككتاب.
⦁ ما هي المعادلة الصعبة في تقديم لغة عربية فصحى ومبسطة للطفل، في زمن تزحف فيه العامية واللغات الأجنبية على لسانه؟
الكتاب الذين يحملون مسؤولية الحفاظ على اللغة العربية وإتقان الأجيال المتتابعة لها، لا يتنازلون أبدا عن كتابة أعمالهم الأدبية للكبار وللأطفال بالفصحى، ودائما أجدني لا أتنازل أبدا عن الفصحى في كل أعمالي، لكن حينما أكتب للطفل فإني أراعي ذلك باختيار الكلمات السهلة المفهومة له؛ حتى لا يجد نفسه في غربة عن النص، ونعلم أن عقل الطفل يمتلك قدرة فطرية هائلة على اكتساب اللغات وسماعها دون تعقيد، إن الاختلاف بين لغة الكتابة والكلام يؤدي إلى الازدواجية اللغوية، والأدب بشكل عام من منظور معاصر يطرح رؤية تكاملية، تثري لغة الأطفال، من خلال ما يزودهم به من ألفاظ وكلمات جديدة، فالقصص المكتوبة بالفصحى أفضل وسيلة لإثراء المخزون اللغوي للطفل، وما نمت حصيلتنا اللغوية إلا من قراءة الكتب المكتوبة بالفصحى.
⦁ في مجموعاتكِ القصصية للأطفال، كيف توازنين بين استلهام الحكايات التراثية وبين تقديم واقع يعيشه الطفل في يومياته الحالية؟
أحرص دائما في كتاباتي للطفل عن ربطه بجذوره وهويته، وذلك بإيراد قصص أتناولها عن الأجداد والجدات كما في قصتي (قال جدي) وفي مجموعتي (ياسين والكابتن أمير، هناك قصة بعنوان (دارين والإناء الفاتن) عن ارتباط شعوري بيننا وبين ما ورثناه عن الأمهات والجدات حتى أوعيتهم وآنيتهم التي مازلنا نضعها في أجمل الأماكن التي نزهو بها، فحكايات تراثنا وموروثنا تمثل للأجيال الجديدة جذورا تمتد عميقًا في تاريخ المجتمعات، تُغذي هويتهم وتعزز قيمهم. في زمن العولمة، تبرز الحاجة إلى التمسك بهذا التراث وإحيائه بطرق مبتكرة تضمن استمراريته.
⦁ هل يتقبل طفل اليوم القيم الكلاسيكية كالصدق والتعاون بأساليب الحكايات التقليدية، أم أنكِ تبتكرين وسائط تربوية جديدة داخل النص؟
طفل اليوم لم يعد يشبه طفل الأمس في شيء غير براءة الطفولة، طفلنا اليوم له عالمه الغريب والمعقد، فالعصر الرقمي المفتوح جعل عقليتهم أكثر نقدية وتساؤلًا، فأصبح متاحا له الوصول السريع للمعلومة، والقصص القديمة كان بها مثاليات مفرطة، كما يرفض الطفل الحالي التلقين والوعظ المباشر، لذا ألجأ إلى صياغة قصصي للطفل صياغة تشويقية تثير شغفه وجاذبيته فتتسرب إليه الرسالة الأخلاقية بانسيابية ويسر، كما في قصتي (أدهم الطائش) و(طارق اللزج) وأضع بين سطورها رسائل تربوية وأخلاقية تُعرض من خلال مواقف وشخصيات قريبة من عالمهم. وبهذه الطريقة، يتعلم الطفل القيم والمبادئ بشكل غير مباشر، فيتفاعل مع الموقف ويتأمل نتائجه، مما يرسّخ لديه مفاهيم مثل الصدق، التعاون، والشجاعة. إن هذا الأسلوب القصصي يجعل غرس القيم وتلقيها مؤثر؛ تمتد آثاره إلى سلوك الطفل اليومي.
المحور الرابع: الموقف من الإبداع المعاصر (الأصالة والمعاصرة)
⦁ الحداثة والتجديد في الأدب المعاصر يراها البعض “تغريبًا وطمسًا للهوية”؛ ما هي حدود الحداثة المقبولة في رأيكِ والتي تحافظ على روح النص العربي؟
الأدب مرتبط بالحياة، والحياة لا بد أن تتغير باستمرار، وكل جديد سيصبح بعد ذلك قديما، فكل مرحلة لاحقة من مراحل الإبداع الأدبي تعتبر حديثة بالنسبة إلى مرحلة سابقة، وإن مرحلتنا اليوم ستصبح قديمة في يوم من الأيام، ولتجديد الوعي، أن نكسر القوالب القديمة لكن بأساليب مبتكرة، تحت مظلة المحافظة على الهوية واللغة والارتباط بروح التراث مع الانفتاح على الأشكال الفنية والمضمون المعاصر.
⦁ ما موقفكِ من ظاهرة “التجريب الشكلي المفرط” في الرواية الجديدة، والتي يشتكي بعض القراء من أنها تصيب العمل بالغموض والتعمية؟
إن ظاهرة التجريب الشكلي المفرط في الرواية الجديدة تمثل سلاحًا ذا حدين؛ فهي تسهم في تجديد القالب السردي وكسر المألوف، لكنها إذا تحولت إلى غاية في ذاتها دون سند دلالي أو إنساني، فيكسوها الغموض فلا يجد القارئ نفسه منجذبا إليها، ويتحول النص إلى لغز مغلق يفقد متعته، وكم من روايات قرأتها وقد تكون حاصلة على جوائز عالمية وبفعل التجريب المفرط في الشكل أصد عنها ولا أنجذب لها.
⦁ نعيش الآن عصر “الرواية الرقمية” والآداب التفاعلية؛ كيف ترين مستقبل النشر الورقي في ظل هذه الثورة التكنولوجية؟
الرد سيكون من رسالتي للماجستير التي ناقشت هذه القضية من خلال تناولها للمواقع الأدبية والنشر الإلكتروني، ” تبوأ الكتاب الإلكتروني مكانة زاحمت بقوة الكتاب الورقي، فالقراءة الإلكترونية صارت بديلا متاحا ومجانيا أيضا للقراءة الورقية، كما إنه أصبح من الميسور دخول المكتبة الرقمية وتحميل ما شئت من كتبها بلمسة واحدة لرابط الدخول عليها، هذا بالإضافة أن أسعار الكتب الورقية مرتفعة جدا، لا يقدر عليها كل أحد، ومن خلال بحثنا حول المواقع الأدبية، وجدنا أنهم في أمريكا قد أنشأوا مواقع لتوثيق الأدب الإلكتروني، أطلقوا عليها دليل الأدب الإلكتروني، وذلك لحفظها وتيسيرها للاستخدام من قبل الباحثين عن النصوص الأدبية بأنواعها، ومع ذلك سيظل الكتاب الورقي موجودا، ولكن ليس كما كان ولكن لوجود فئة من القراء تعودت على القراءة الورقية.
⦁ يظهر على الساحة ما يُعرف بـ “الأدب الأكثر مبيعًا” (Best Seller) والذي يعتمد على التشويق السريع؛ هل ترين فيه ظاهرة صحية تجذب الشباب للقراءة أم هبوطًا بالذائقة الأدبية؟
الروايات الأكثر مبيعا ليست بالضرورة هي الأفضل أدبيا، وإنما هي خلطة معينة لبعض الكتاب لا يلتزمون فيها بأصول الكتابة وفنياتها، تعتمد غالبًا على الإثارة السريعة على حساب العمق الفكري، تكرر قوالب جاهزة ومستهلكة بلا تجديد فني حقيقي. تُوصف أحيانًا بـ “أدب التكسب” أو التجارة الثقافية التي تديرها دور النشر وفقًا لمتطلبات السوق لا المعايير الجمالية، أطلق عليهم أيضا (روائيو التكسب) – وقد ذهب ولسن إلى أن هذه المنافسة سرعان ما تفقد بريقها مع مرور الزمن، فلا تبقى روايات المتكسبين بينما تصمد الروايات الجادة. وأنا مع هذا الرأي، لا يصمد مع الزمن إلا الأدب الجيد؛ فسيظل نجيب محفوظ وإدريس وحقي وكل منجز الكتاب الحقيقيين خالدا ما دامت الدنيا.
⦁ ختامًا، لو أتيحت لكِ الفرصة لتوجيه رسالة واحدة مكثفة للجيل الجديد من المبدعين والروائيين الشباب في مصر والعالم العربي، ماذا تقولين لهم؟
“ما هي أبرز الدوافع النفسية والمعرفية التي توجّه الشباب الجامعي حاليًا نحو الاعتماد على المواقع الأدبية الرقمية بدلًا من المنتديات والكتب المطبوعة التقليدية؟”
من نتائج دراستي للماجستير ومن خلال النقطة الخاصة بدوافع الشباب الجامعي لاستخدام المواقع الأدبية جاءت الدوافع بهذا الترتيب:
أولا: لكي أقضي وقتا ممتعا.
ثانيا: أقوم بحفظ بعض المنشورات والصور التي تعجبني لاستخدامها لاحقا. ثالثا: أجد متعة في تفسير مفهوم ما أقرأه، رابعا: معرفة كلمات جديدة.
خامسا: قراءة منشورات الأدباء، سادسا: لأنها تتيح لي القراءة المجانية. سابعا: الرغبة في التقليد والمحاكاة لتنمية موهبتي الإبداعية
ثامنا: الاطلاع على آخر إصدارات الأدباء.
تاسعا: أستطيع من خلالها التحاور مع الأدباء عن طريق التعليقات.
عاشرا: التواصل مع متابعي الصفحة.
حادي عشر: يسعدني تفاعل الأدباء مع تعليقاتي.
وهي كما ترى تبدأ بالدوافع الترفيهية ثم النفعية ثم الترفيهية يليها النفعية وهكذا، وطبعا الترفيهي فيه النفعي والنفعي فيه المعرفي، وهذه نتيجة دراسة علمية ميدانية في أربع جامعات حكومية وخاصة.
⦁ “إلى أي مدى تساهم البيئة التفاعلية للمواقع الأدبية على الإنترنت في تلبية وإشباع الحاجات الثقافية والجمالية المحددة لفئة الشباب، وهل نجحتِ في خلق وعي أدبي جديد لديهم؟”
وأنا أجري دراستي الميدانية في الجامعات على استخدام الشباب للمواقع الأدبية، كان كثير من الطلاب يفتحون لي هواتفهم على روايات حملوها من مواقع الكتب الإلكترونية يقرأونها حينما يسمح لهم الوقت، كما كانت نتيجة دراستي عن استخدام الشباب للمواقع الأدبية 53% وهي نسبة معقولة في ظل تعدد المواقع (رياضية وفنية ومواقع الأناقة والطهي) وغيرها، أنا أرى أن الإنترنت والقراءة عبر المواقع المختلفة أعادت الناس للقراءة والكتابة حتى لو بالتعليق.
⦁ “ما هي أبرز التحديات المنهجية والفنية التي تواجه السيناريست عند نقل النص الروائي المكتوب ببنيته السردية المعقدة وتحويله إلى صورة بصرية وعمل درامي مسموع ومرئي عبر شاشات الإذاعة والتلفزيون؟”
السيناريو يمثل الأداة التي يتم من خلالها تناول عقدة النص الروائي ومعالجة الشخصيات وتسلسل الأحداث ويتم كل ذلك لخدمة العمل الفني وإخراجه بالشكل الملائم، فإن شيفرات السيناريو تتغلغل في شبكة التعبير الظاهري المباشر، فمن المقروء والمتخيل، إلى المرئي المسموع المتحرك، فالسيناريو إذن مرحلة جوهرية فاعلة في عملية التحويل، لذلك عندما سئل المخرج ألفريد هيتشكوك: هل هناك معادلة مضمونة لنجاح الفيلم؟ فأجاب: السيناريو ثم السيناريو ثم السيناريو، وبما أن السيناريو هو المعالجة الفنية للموضوع فهو يحاول الإبقاء على المعطيات النصية الأساس في النسيج الروائي أو روح النص، ولكنه يتجنب الانسياق وراء تداعيات الشخصيات مثلا، أو نقل كل تفاصيل الحكي واتباع متاهات السرد الروائي، إنه يمثل التحول الإيجابي أي الإضافة إلى عالم الرواية، فالدراما التي اقتبست من نص أدبي قد خلقت واقعا جديدا، ربما لا يتشابه مع النص الأصلي إلا في الفكرة، لكن السيناريست بنى عليه وعظمه حتى صار عملا جديدا مستوحًى من الأصل.
⦁ “كيف يؤثر وسيط التلفزيون أو الإذاعة (كوسائل إعلام جماهيرية) على طبيعة المضمون الأدبي الأصلي للرواية، وهل تفرض هذه الوسائل شروطًا إنتاجية أو رقابية قد تغير من الرسالة الفكرية للعمل الأدبي؟”
عندما يتحول العمل الأدبي إلى دراما فهو ينفصل عن الرواية لاستخدامه وسيط جديد هو الصورة والصوت، لذا قال نجيب محفوظ لمن انتقد الأفلام المأخوذة عن رواياته، قال لهم” حاسبوني على الرواية لا الفيلم، لأن الرواية هي نصب الاصلي؛ أما الفيلم فهو رؤية مخرج”
الدراما التليفزيونية أو السينمائية هي صناعة والصناعة تحتاج أن تبيع وتكسب، والجمهور له سمات وذوق ما؛ وصانعو الدراما يعنيهم الجمهور وأصحاب القنوات يعنيهم الإعلانات، ولهذا تغازل الدراما الجمهور، فإذا قرأنا رواية أفراح القبة لنجيب محفوظ، نجدها رواية من أربع فصول كتبت بتقنية تعدد الأصوات، لكن حينما قدمت كمسلسل تليفزيوني في 30 حلقة أضافت لها السيناريست نشوى زايد أحداثا وشخصيات ليست في الرواية الأصلية ولم يتبق من الرواية إلا عمود الحكي الأساسي.
⦁ “إلى أي مدى يساهم تحويل الروايات الأدبية إلى أعمال درامية في إعادة إحياء الاهتمام بالقراءة والنص الأصلي لدى الجمهور، وكيف يمكن قياس الفجوة في التلقي بين قارئ الرواية ومشاهد العمل الدرامي؟”
النجاح الأدبي للروايات الذي يجذب صناع الدراما، يظل القاريء هو من يرفعه لمصاف الكتب الروائية الجديرة بالقراءة، كالعمل الدرامي تماما، فالمشاهد هنا بديل القارئ، يحكم على الدراما وفق ما يشاهده، وما يحققه المسلسل من نسبة مشاهدة عالية في قنوات اليوتيوب، كلاهما – القارئ والمشاهد – هو الشخص نفسه، هما خلف المجد الحقيقي للمؤلف ولطاقم المسلسل في آن، خاصة في زماننا هذا الذي أصبحت الدراما فيه متاحة بضغطة زر، يقول إسماعيل ولي الدين: “إن قراء الأدب يمكن إحصاؤهم بالآلاف، أما مشاهدو السينما فيمكن إحصاؤهم بالملايين،” ولذا فإن للرواية قراؤها ولن يتخلوا عنها أبدا، وأغلب من يشاهد العمل الروائي بعد تحويله لدراما يظل منتميا للرواية الأصلية ويرى أنها الاجمل وأنها الشكل الأصيل للعمل.
د. وداد معروف
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.