1:15 مساءً / 9 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

شروقٌ لا يشبه سواه، بقلم : د. سهى شعت

شروقٌ لا يشبه سواه، بقلم : د. سهى شعت

أشرقت شمس السابع من أكتوبر، كعادتها، على العالم كله… لكن حين أشرقت على غزة، لم يكن شروقها عاديًا؛ بل كان مثقلًا بذاكرة موجعة، محمّلًا بكل ما حاولنا أن ندفنه في أعماقنا طوال السنوات الماضية.
في هذا الصباح، استحضرنا جميعًا، بلا استثناء، آخر لحظاتنا الطبيعية قبل السادسة والنصف من صباح السابع من أكتوبر عام 2023؛ تلك اللحظة التي انقسم عندها العمر إلى ما قبلها وما بعدها.
منذ تلك الساعة، لم تتوقف الحرب وحدها، بل توقفت أشياء كثيرة في داخلنا. توقفت أحلام، ومواعيد، وبيوت، وذكريات، وأعمار كاملة كان يُفترض أن تمضي في طريقها الطبيعي.

ثلاث سنوات عجاف… وما زلنا، في أعماقنا، نتمسك بأمنية واحدة تكاد تشبه الحلم المستحيل: أن تكون كل هذه السنوات كابوسًا طويلًا، وأن نستيقظ ذات صباح فنكتشف أن كل ما حدث لم يكن سوى وهم، وأن حياتنا القديمة ما زالت هناك… تنتظرنا.

لكن الواقع لا يرحم. يصفعنا كل صباح بحقيقته القاسية، ويضع أمام أعيننا ذلك الخراب الذي لم يعد بإمكاننا إنكاره. وتسحقنا المسافة الهائلة بين الرضا بالقدر، وجنون الاستمرار، ومحاولة مقاومة واقع لا يترك لنا كثيرًا مما نقاوم به.
أيُّ جنون هذا الذي حوّل أحلامنا إلى رماد؟ وأيُّ عبث هذا الذي جعل الحياة، التي كنا نعرفها يومًا، مجرد ذكرى بعيدة؟ وأيُّ واقع هذا الذي يستطيع أن يسحق الإنسان إلى الحد الذي يجعله ينسى، أحيانًا، ملامح الإنسان الذي كانه؟
في غزة، لم تعد الأيام تُقاس بالتقويم. نحن لا نعرف حقًا كم مضى من الوقت؛ لأن الوقت نفسه فقد معناه. فبينما يمضي سريعًا في العالم كله، يسير هنا بطيئًا وثقيلًا، كأنه يحمل فوق كتفيه كل هذا الخراب.
لم تعد الساعات تعنينا كما كانت، ولا المواعيد تغرينا، ولا الغد يحمل ذلك الشغف الذي كان يسكننا ذات يوم.
كان الغد موعدًا للحياة، أما الآن، فأصبح مجرد يوم آخر نحاول الوصول إليه.
ثلاث سنوات، والعالم يمضي إلى الأمام، بينما ما زلنا عالقين في تلك اللحظة… في السادسة والنصف من صباح السابع من أكتوبر. عالقين هناك، حيث توقفت حياتنا القديمة، وبدأت حياة أخرى لم نخترها.

ومع ذلك… ما زلنا نعيش.
ربما ليس لأننا أقوياء كما يظن العالم، ولا لأننا اعتدنا الألم؛ فالإنسان لا يعتاد فقده، ولا يألف الخراب مهما طال.
نحن فقط… نتعلم كل يوم كيف نحمل ما لا يُحمل.
نستيقظ، نمضي، نعمل، نبتسم أحيانًا، ونتظاهر بأننا بخير… ثم نعود في المساء إلى أنفسنا، فنكتشف أن شيئًا في داخلنا ما زال واقفًا هناك، عند ذلك الصباح البعيد.
صباح السابع من أكتوبر… الصباح الذي أشرقت فيه الشمس على العالم كعادتها، لكنها أشرقت على غزة… فوجدت مدينةً لم تعد كما كانت.

شاهد أيضاً

مستوطنون يعتدون

الاحتلال يقتحم سلفيت ومستوطنون يحرقون أشجار زيتون في واد الشاعر

شفا – اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الجمعة، مدينة سلفيت، وداهمت منازل عدد من …