
رحلة ثقافية في الأردن… من ساكب إلى جرش وعمّان، حيث الشعر يلتقي بالكتاب والفن وكرم الضيافة ، بقلم : أ. ياسمين عبد السلام هرموش
سجّلت زيارة ثقافية إلى المملكة الأردنية الهاشمية حضورًا أدبيًا وفنيًا متنوعًا، امتد بين ساكب وجرش وعمّان، في رحلة لم تكن مجرد مشاركة في فعاليات ثقافية، بل تجربة إنسانية وجمالية متكاملة، اجتمع فيها الشعر بالكتاب، والأدب بالفن، ودفء اللقاءات الثقافية بأصالة المكان وكرم أهله.
كانت الأردن، في هذه الرحلة، أكثر من محطة عابرة؛ كانت فضاءً رحبًا للقاء والتواصل وتبادل التجارب، ونافذة مفتوحة على ثقافة عربية أصيلة، يتجاور فيها عبق التاريخ مع الحراك الأدبي والفني المعاصر.
ساكب… الشعر في حضرة الكرم الأردني
استُهلت الرحلة بالمشاركة في مهرجان ساكب الدولي للأدب والثقافة، بإدارة الدكتور عبد السلام عياصرة، الذي جمع نخبة من الشعراء والأدباء والمثقفين من عدد من الدول العربية والأجنبية، في تظاهرة ثقافية اتسعت لتجارب متعددة، وجمعت أصواتًا أدبية مختلفة تحت سقف المحبة والإبداع.
وقد شكلت أيام ساكب تجربة استثنائية، ليس فقط بما تضمنته من أمسيات شعرية ولقاءات أدبية، وإنما بما أحاط بالضيوف من حفاوة أردنية أصيلة وكرم لا يُختصر في كلمات.
فمنذ اللحظة الأولى، كان الاستقبال يحمل معنى الضيافة الحقيقية؛ تلك الضيافة التي لا تكون مجرد مراسم، بل شعورًا صادقًا بأن الضيف أصبح واحدًا من أهل المكان. وكانت التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة شاهدة على اهتمام بالغ براحة المشاركين، وعلى حرص المنظمين على أن تبقى أيام المهرجان في الذاكرة بوصفها تجربة إنسانية قبل أن تكون مناسبة ثقافية.
وفي ساكب، بدا الكرم الأردني لغة قائمة بذاتها؛ في الترحيب، وفي الابتسامة، وفي السؤال عن الضيف، وفي الموائد التي تحمل رائحة التراث، وفي الرغبة الصادقة في أن يشعر القادم من بعيد بأنه في وطنه وبين أهله.
وتستحق هذه الحفاوة تحية خاصة للدكتور عبد السلام عياصرة، لما بذله من جهد في إنجاح المهرجان، ولما أبداه من اهتمام بضيوفه، ولما تركه في نفوس المشاركين من أثر طيب سيبقى مرتبطًا باسم ساكب وأهلها.
جرش… حين يلتقي الأدب بإرث المكان
ومن ساكب انتقلت الرحلة إلى جرش، المدينة التي تختزن في حجارتها ذاكرة قرون، وتمنح الثقافة فيها بعدًا آخر حين يصبح المكان نفسه جزءًا من الحكاية.
وجاءت المشاركة في مهرجان عكاظ للأدب والإرث الحضاري، الذي أُقيم برعاية وزير الثقافة الأردني مصطفى الرواشدة، وبالتعاون مع مديرية ثقافة جرش التي يديرها الدكتور عقلة القادري، ومنتدى الرشايدة الثقافي.
وقد شكل المهرجان مساحة جميلة للتلاقي بين الأدب والشعر والتاريخ والتراث، حيث لا يعود الشعر منفصلًا عن المكان، بل يصبح جزءًا من ذاكرته، وتتحول المدينة إلى نص مفتوح يقرأه الزائر بعينيه قبل أن يقرأه بالكلمات.
وكانت جرش، بتاريخها العريق وملامحها الحضارية، محطة أخرى تؤكد أن الأردن يمتلك قدرة خاصة على احتضان الثقافة داخل فضاء يجمع الماضي بالحاضر، ويمنح الضيف فرصة للعيش في قلب المشهد لا مجرد مشاهدته.
عمّان… لقاءات شعرية وثقافية نابضة
وفي العاصمة عمّان، تواصل الحضور الثقافي من خلال المشاركة في أمسية شعرية في اتحاد الأكاديميين والعلماء العرب، إلى جانب عدد من الشعراء الأردنيين والعرب، في لقاء احتفى بالكلمة والشعر، وجمع تجارب وأصواتًا من بلدان مختلفة.
وكان للحضور الرسمي والثقافي في هذه الأمسية أثر واضح في إثراء اللقاء، مع استقبال الأمين العام الأستاذ أحمد كامل بكر للمشاركين بحفاوة وترحيب، بما يعكس صورة مشرقة عن عمّان بوصفها عاصمة تحتفي بالثقافة وأهلها.
ففي عمّان، تتعدد الأمكنة، لكن يجمعها شغف واحد: الكتاب، والشعر، والفكر، والرغبة في بناء جسور إنسانية وثقافية تتجاوز الحدود.
الكتاب… حاضرًا في قلب الرحلة
ولم يكن الشعر وحده حاضرًا في هذه الرحلة، إذ احتل الكتاب مساحة أساسية من المشهد، من خلال زيارة معرض عمّان الدولي للكتاب، بما يمثله من ملتقى واسع للكتاب والناشرين والمثقفين والقراء.
وكانت الزيارة فرصة للقاء عدد من الوجوه الثقافية والاطلاع على الحركة النشرية والأدبية في الأردن، في مشهد يؤكد أن الكتاب ما زال قادرًا على صناعة اللقاء، وفتح أبواب الحوار بين التجارب العربية المختلفة.
كما حضر كتاب «مذكّر غير سالم» في المشهد الثقافي الأردني، من خلال وجوده في رابطة الكتّاب الأردنيين، حيث جرى لقاء مع الدكتور رياض ياسين، رئيس دارة الشعراء في رابطة الكتّاب الأردنيين، إلى جانب عدد من اللقاءات الثقافية والفكرية التي أضافت إلى الرحلة بعدًا آخر من التواصل والتعارف.
الفن التشكيلي… لون آخر من ألوان الحضور
وامتد التنوع الثقافي إلى الفن التشكيلي، من خلال تلبية دعوة كريمة إلى الملتقى الدولي للفنون التشكيلية – سيمبوزيوم في ملتقى دير الليات الثقافي.
وكانت هذه المحطة فرصة للاطلاع على أعمال فنية وتجارب تشكيلية متنوعة، حيث تتحدث اللوحة بلغتها الخاصة، ويصبح اللون والخط والشكل وسيلة أخرى للتعبير عن الإنسان والمكان والذاكرة.
وهكذا اكتملت ملامح الرحلة بين الشعر والكتاب والفن، لتصبح تجربة ثقافية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على المنابر والأمسيات، بل تمتد إلى المعارض واللقاءات والجولات واكتشاف جمال المكان.
الأردن… كرمٌ يُروى ولا يُنسى
ويبقى أجمل ما يرافق هذه الرحلة هو كرم الأردن وأهله.
فالكرم الأردني لم يكن تفصيلًا هامشيًا في الزيارة، بل كان روحًا حاضرة في كل محطة. كرمٌ يظهر في الاستقبال، وفي حسن المعاملة، وفي حرارة الترحيب، وفي الموائد العامرة، وفي الحرص على أن يأخذ الضيف معه من الأردن ذكرى أجمل من الكلمات.
إنها ضيافة لا تُقاس بما يُقدَّم على المائدة فقط، وإنما بما يُزرع في القلب من محبة وامتنان.
وفي كل مدينة كانت هناك حكاية جديدة من الحفاوة؛ في ساكب دفء الاستقبال وكرم أهلها، وفي جرش جمال المكان واحتفاء الثقافة، وفي عمّان رحابة اللقاءات وتنوع الوجوه الثقافية.
ولعل أجمل ما في الضيافة الأردنية أنها تجعل الغريب يشعر، بعد وقت قصير، أنه ليس غريبًا.
شكر وتقدير
وفي ختام هذه الرحلة الثقافية، لا بد من توجيه أسمى عبارات الشكر والتقدير إلى المملكة الأردنية الهاشمية، ووزارة الثقافة الأردنية ووزير الثقافة مصطفى الرواشدة، ومديرية ثقافة جرش ومديرها الدكتور عقلة القادري، واتحاد الأكاديميين والعلماء العرب، والأمين العام الأستاذ أحمد كامل بكر، وجميع المؤسسات والمنتديات والشخصيات الثقافية التي أسهمت في إنجاح هذه اللقاءات.
وتحية خاصة إلى الدكتور عبد السلام عياصرة، مدير مهرجان ساكب الدولي للأدب والثقافة، على ما قدمه من حفاوة وكرم وحسن تنظيم، وعلى جهوده في جمع هذه النخبة من المبدعين من مختلف البلدان، وإتاحة مساحة حقيقية للتعارف والحوار وتبادل التجارب.
لقد كانت الرحلة إلى الأردن أكثر من سلسلة مشاركات ثقافية؛ كانت رحلة إلى قلب الثقافة العربية، وإلى ذاكرة المكان، وإلى كرم الإنسان.
ومن ساكب إلى جرش، ومن جرش إلى عمّان، بقي الشعر حاضرًا، والكتاب شاهدًا، والفن شاهدًا آخر، فيما ظل الكرم الأردني أجمل ما يختتم به المسافر رحلته، وأصدق ما يحمله معه حين يغادر المكان.
فالأردن لا يودّع ضيوفه بسهولة؛ يترك في القلب شيئًا منه… ذكرى، ووجهًا، ومائدة، وكلمة طيبة، وموعدًا مؤجلًا للعودة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.