11:16 صباحًا / 7 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

السابع من أكتوبر… لا تختصروا فلسطين في يوم واحد ، بقلم : أحمد سليمان

السابع من أكتوبر… لا تختصروا فلسطين في يوم واحد ، بقلم : أحمد سليمان

إن ما جرى في السابع من أكتوبر وما تلاه عرّى النظام الدولي، وكشف كيف يُفرَّغ القانون الدولي والشرعية الدولية وحقوق الإنسان من معناها عندما يتعلق الأمر بفلسطين. لقد وُضعت القوى الكبرى أمام امتحان واضح: هل تحمي الإنسان فعلًا، أم تحمي مصالحها ولو كان الثمن حياة شعب كامل؟ ومواقفها هي التي أجابت.

لم يبدأ التاريخ في السابع من أكتوبر عام 2023. قبله كانت النكبة، والتهجير، والاحتلال، والاستيطان، والحصار. وكانت أجيال فلسطينية تُولد وتكبر وهي تنتظر الحرية، بينما تُصادر أرضها ويُؤجَّل مستقبلها. ومن يريد اختصار فلسطين في ذلك اليوم، يحجب ما سبقه، ويُخرج الاحتلال من دائرة المسؤولية عن الصراع.

لقد كشفت غزة إفلاس الخطاب الأخلاقي للقوى التي نصّبت نفسها حارسة لحقوق الإنسان. فحين احتاج الفلسطيني إلى حماية فعلية، وجد أمامه حسابات المصالح، وحصانة الحلفاء، وبيانات القلق. وحين كان ينتظر ضغطًا يوقف معاناته، استمر الدعم الذي يمنح إسرائيل القدرة على مواصلة سياساتها.

الدولة التي تمد إسرائيل بالسلاح، أو توفر لها الغطاء السياسي، ليست مجرد مراقب بعيد. عليها أن تتحمل مسؤولية خياراتها ونتائجها. لا تستطيع أن تمنح أدوات القوة بيد، ثم ترفع بيانًا عن حماية المدنيين باليد الأخرى، وتطلب من العالم أن يصدق التزامها بالعدالة.

أي دفاع عن حقوق الإنسان هذا الذي يجعل حياة الفلسطيني أقل وزنًا من العلاقة مع إسرائيل؟ وأي احترام للقانون يسمح بمحاسبة خصوم القوى الكبرى، ثم يتردد حين تصل المساءلة إلى حلفائها؟ إن الحقوق التي تُطبّق وفق هوية الضحية ومكانة المعتدي تتحول إلى امتيازات يمنحها الأقوياء ويحجبونها متى شاؤوا.

لم تكن معاناة غزة سرًا. كانت صور البيوت المدمرة، والأطفال الجرحى، والأمهات المفجوعات، والعائلات الباحثة عن الغذاء والعلاج أمام العالم. ولذلك، لا يكفي أن تقول الحكومات إنها قلقة. عليها أن تجيب: ما الذي فعلته بما عرفته؟ وما الذي منعها من اتخاذ إجراءات تتناسب مع حجم المأساة؟

وفي مواجهة هذا التقاعس، خرجت شعوب العالم بالآلاف إلى الشوارع، إدراكًا منها أن الشعب الفلسطيني يتعرض للظلم منذ ما يقارب ثمانين عامًا، وأن مأساته لم تبدأ في السابع من أكتوبر. صور الأطفال التي انتشرت على وسائل التواصل حرّكت القلوب، وكسرت محاولات حجب المعاناة الفلسطينية خلف الروايات الرسمية. رأى الناس أطفالًا تحت الأنقاض، وأمهات يحتضنّ أبناءهن، وجرحى يبحثون عن فرصة للحياة، فرفضوا الصمت وطالبوا بوقف المأساة.

وبينما كانت حكومات تزن مواقفها بحسابات المصالح، كانت الشوارع تصدح بمطلب واضح: حماية الشعب الفلسطيني وإنهاء الظلم الواقع عليه. كشفت هذه المظاهرات أن قطاعات واسعة من الشعوب سبقت حكوماتها في الانحياز إلى الإنسان، وأن الضمير الذي غاب عن قرارات القوى الكبرى كان حاضرًا في شوارع العالم. ولهذا لم تعد تلك الحكومات قادرة على الادعاء أن مواقفها تعبّر عن إرادة جميع مواطنيها.

لقد طال انتظار الفلسطينيين حتى أصبحت عبارات القلق نفسها عبئًا على الضحايا. فالطفل الذي يحتاج إلى علاج لا تنقذه صياغة دبلوماسية، والعائلة التي فقدت بيتها لا تحميها دعوة عامة إلى ضبط النفس. حين توجد وسائل للضغط ويُمتنع عن استخدامها، يصبح الامتناع قرارًا سياسيًا يستوجب المساءلة.

أما القانون الدولي، فقد كشفت هذه المرحلة كيف تستطيع القوى النافذة تعطيل حمايته حين لا يناسبها تطبيقه. وتلك مسؤولية الحكومات التي تدّعي الدفاع عنه. فهي تضعف مكانته عندما تنتقي قراراته، وتساوم على تنفيذه، وتمنح حليفها مساحة للإفلات من المحاسبة.

والشرعية الدولية التي يُطلب من الفلسطيني احترامها مطالبة بأن تنصفه. فلا يجوز أن تبقى حقوقه مثبتة في القرارات ومسلوبة على الأرض، وأن يُطلب منه الصبر بينما تتوسع المستوطنات وتتراجع فرص الحرية. ما قيمة الاعتراف بحق شعب إذا لم تقترن به إرادة تحميه وتعمل على تحقيقه؟

ولا يجوز استخدام السابع من أكتوبر لإسقاط هذه الحقوق أو تبرير العقاب الجماعي. الاحتلال لا يصبح مشروعًا، والاستيطان لا يتحول إلى حق، والتهجير لا يصبح حلًا. الشعب الفلسطيني ليس متهمًا مطالبًا بإثبات استحقاقه للحياة، ولا يحتاج إلى إذن من القوى الكبرى كي يطالب بحريته.

لقد أسقطت هذه المأساة أقنعة كثيرة، وكشفت أن حكومات تستخدم لغة حقوق الإنسان حين تخدم سياستها، ثم تتراجع عنها حين تهدد مصالحها. ومن يفعل ذلك عليه أن يتوقف عن إعطاء الدروس للشعوب. فالمصداقية تُبنى بالالتزام، وتُهدم حين تصبح العدالة انتقائية.

المطلوب اليوم قرارات واضحة: وقف التسليح الذي يتيح استمرار الانتهاكات، ورفع الغطاء السياسي، ودعم المساءلة، وضمان الغذاء والعلاج، ومنع التهجير، والعمل الفعلي لإنهاء الاحتلال. هذه هي معايير الالتزام بحقوق الإنسان، وعلى أساسها تُحاسب الحكومات، مهما كانت قوة خطاباتها.

فلسطين أكبر من يوم واحد، وتاريخ شعبها لا يُمحى برواية تختار نقطة البداية التي تناسبها. والسابع من أكتوبر وما تلاه سيبقيان شاهدًا على قوى امتلكت النفوذ، وعرفت حجم المعاناة، ثم لم تستخدم ما لديها لحماية الفلسطينيين. لن تُعفيها بيانات القلق من المسؤولية. سيبقى سجل قراراتها أمام الناس: من أرسل السلاح، ومن منح الغطاء، ومن عرقل المساءلة، ومن ترك الضحايا ينتظرون عدالة لم تصل.

  • أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني

شاهد أيضاً

الرئيس العراقي: حقوق الشعب الفلسطيني ستظل تحظى باهتمام ودعم العراق في مختلف المحافل

الرئيس العراقي: حقوق الشعب الفلسطيني ستظل تحظى باهتمام ودعم العراق في مختلف المحافل

شفا – أكد رئيس جمهورية العراق نزار ئاميدي، ثبات موقف العراق الداعم للقضية الفلسطينية، مشددا …