
حرف النون يروي حكاية نضال بربخ.. بين الوظيفة والأدب، بقلم : شريف الهركلي
في مواصي خانيونس، وتحديدًا في قاعة التاج الملكي بشارع كوارع، لم يكن المشهد مجرد احتفال ببلوغ الشاعر نضال بربخ سن التقاعد من بلدية خانيونس، بل كان أصبوحة أدبية تحولت إلى ملحمة حب ووفاء، اجتمع فيها الشعراء والكتاب والروائيون والإعلاميون والمخاتير وشخصيات وهامات وقامات فلسطينية، ليقولوا إن الوظيفة قد تنتهي، لكن الأدب لا يعرف سن التقاعد.
كان الدكتور مصطفى صيام والشاعرة انتصار أبو ماضي صوتين دافئين في استقبال الحضور، فيما رحب صيام بالحاضرين، محتفيًا بنضال بربخ وبكل حرف وكلمة وقصيدة جاءت لتشارك في تكريمه.
أما الدكتور سعيد كوارع، رئيس لجنة تل الجنان، فكان خطابه كمن يقطف الزهور من بستان، متوقفًا عند تجربة نضال الأدبية وحضوره بين الشعراء. وأعلن أن قاعة التاج الملكي ستبقى مفتوحة أمام الشعراء والكتاب والفنانين، دعمًا للحركة الثقافية والرواية الفلسطينية.
وحين اعتلى الشاعر عبد الكريم العسولي المنصة، وقرأ قصيدته «الوطن وأنا»، كان نضال بربخ ينظر إلى معلمه؛ ليقول إن عبد الكريم ما زال معلمًا للأدب والشعر، وإن بعض المعلمين لا يغادرون ذاكرة تلاميذهم.
وتوالت الأصوات؛ الشاعر النبطي جمعة عبد العال، الذي تحدث عن الشعر الذي يهز الوجدان والحنايا، وعن القصيدة التي تشبه المرايا؛ والدكتور يونس نصار، رئيس مركز فلسطين للأدب، بقصيدته «شمس الحرية بلادي»؛ والشاعرة روز علي، بدفء الإحساس والمشاعر في قصيدتها؛ والدكتور مصطفى لقان، رئيس المركز الفلسطيني للثقافة والإبداع، الذي بصوت الشاعر صرخ بهدوء يشبه العاصفة، فعانقت حروفه بقية القصائد.
وحضر سالم الدبحي بقصيدته «خذني بعيدًا عن لظى الإعصار»، مهداة إلى شعراء نبع الإبداع، فيما جاءت هداية عياش بقصيدتها «هدية يا راعي الإبداع». ومشى مصلح أبو غالي على ألغام الحروف، باحثًا عن انفجار جديد في روح القصيدة، بينما قدمت الدكتورة منى الرنتيسي قصائدها وسط دوي الكلمات ورنين الحروف.
وكان للشعراء حضورهم اللافت: مصطفى صيام، خالد الشيخ عيد الزمالي، مصطفى أبو عمرة، أمير العقاد، آلاء العقاد، عبد الله العقاد، دعاء قشطة، عاطف أبو عزوم، عبد الله شراب، مصطفى العقاد، قاسم شراب، نداء عاشور، وغيرهم.
حتى فايز صالحة «أبو النور» لم تمنعه نظارته المكسورة من الوقوف أمام الميكروفون؛ فالعين قد تتعب، لكن قلب الشاعر لا ينكسر، ودق قلبه دقات النون.
وتراكمت قصائد الوفاء حتى بدا المشهد كأنه ديوان كامل كتبه الأصدقاء والشعراء لنضال بربخ.
ثم جاءت فراشات صغيرة ترفرف فوق المشهد؛ الطفلة سلمى أحمد بعينيها الزرقاوين، وهي تلقي قصيدة «أهل الكهف» للشاعرة روز علي، والطفلة سما أبو عودة، لتؤكدا أن الشعر لا يعرف عمرًا ولا يضع للحرف حدودًا.
وكان للأحفاد موعدهم أيضًا؛ كريم يوسف وملك رامز، وهما يرددان معًا «وحبي إليك يا غزة» من كلمات الشاعر المكرم نضال بربخ. هنا انتقلت القصيدة من صوت الجد إلى أصوات الأحفاد، حاملة حب غزة وذاكرة المكان. فأجمل ما يتركه الشاعر ليس الدروع وحدها، بل الكلمات التي تجد طريقها إلى قلوب أبنائه وأحفاده.
وفي هذه الأصبوحة، اجتمعت حروف القصائد في لوحة واحدة، وتجاورت الأصوات والألوان لتصنع مشهدًا من مشاهد الأدب الفلسطيني. وبين هذه الحروف، حاول الكاتب والمحلل السياسي والأدبي شريف الهركلي أن يجمع بعضًا من نبض القصائد في هذا المقال، وفاءً للشاعر نضال بربخ، واحتفاءً بكل شاعر وكاتب وطفل شارك في صناعة هذه اللحظة الثقافية.
إهداء المقال
إلى الشاعر نضال بربخ «أبو رامز»؛
إلى كل شاعر حمل قصيدته، وكل كاتب حمل قلمه، وكل طفل حمل الحرف إلى المستقبل؛
إلى «نبع الإبداع» الذي جعل من الكلمة مساحة للقاء؛
وإلى غزة، التي بقيت حاضرة في القصيدة وفي قلوب الشعراء والأحفاد.
هذا المقال إهداء محبة ووفاء لكل من شارك في كتابة هذه الأصبوحة بحرفه وصوته وحضوره.
وفي النهاية، لم تكن عدسة «رومانس فهد للتصوير» مجرد عين تلتقط الصور، بل شاهدًا يوثق لحظة ثقافية فلسطينية؛ صورة جماعية جمعت الشعراء والكتاب والمشاركين، لتبقى في أرشيف المشهد الأدبي الفلسطيني، شاهدة على أصبوحة جمعت الشعر والوفاء، وجيلًا يسلّم الحرف إلى جيل. ولا ننسى جهود الإعلامي حسام الأعرج في منتدى «نبع الإبداع» في ترتيب الأصبوحة ومتابعة تفاصيلها، ليكتمل المشهد بين الحرف والتنظيم والتوثيق.
هكذا كان «حرف النون» في حكاية نضال بربخ: نضال، نبع، نبض، نونٌ تكتب حكاية شاعر أنهى رحلة الوظيفة، لكنه فتح للقصيدة بابًا جديدًا من الحياة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.