1:21 مساءً / 1 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

موت المعرفة ، بقلم : د. فواز عقل

موت المعرفة ، بقلم : د. فواز عقل

تبدأ هذه المقالة بمجموعة من الأسئلة :
متى تموت المعرفة ؟
لماذا تموت المعرفة؟
كيف تموت المعرفة؟
و ما آثار موت المعرفة ؟
ماذا بعد موت المعرفة؟
كيف نمنع موت المعرفة ؟
ما علاقة المعرفة بالشهادة و الأوراق البحثية؟
كيف تتحول المعرفة إلى وهم معرفي؟
ثم أنتقل إلى مجموعة من الأبيات الشعرية :
أدهى من الجهل علم يطمئن له أنصاف ناس طغو العلم و اغتصبوا
إذا خلا المرء من فهم و معرفة ظننت نفسك لو تدعوه إنسانا
كل من يدعي في العلم معرفة حفظت شيئا و غابت عنك أشياء
مالي أرى التعليم أصبح عاجزا على أن يصح في النفوس مكسرا
لو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظم
و أنتقل إلى مجموعة من الاقتباسات:
المستقبل لا يشترى بل يبنى حين يستمر الطالب في النمو و التكيف و التأمل و البحث
المستقبل لن يكون لمن حفظ أكثر، أو لحامل شهادة، أو بعدد الأوراق البحثية، بل لمن يواكب و يتعلم باستمرار
المستقبل يعتمد على ما يملكه الطالب من مهارات و قدرات و تجارب تمكنه من مواكبة العصر
الشجرة التي لا تبدل أوراقها كل موسم لن تنمو أبدا
و ما قالته العرب : من لا يتقدم يتقادم ومن لا يتجدد يتبدد
و يقول نجيب محفوظ: نحن لا نموت حين تفارقنا الروح فحسب، نموت قبل ذلك، حيث تتشابه أيامنا و نتوقف عن التغيير حيث لا شيء يزداد سوى أعمارنا.
و كما قال الشافعي : إني رأيت وقوف الماء يفسده و إن سال طاب و إن لم يجر لم يطب
و الجاهل بزمانه جاهل
و من بلغ الخمسين من العمر و ما زال يرى الأمور كما كان يراها في الثلاثين من عمره، فقد أضاع عشرين سنة من عمره و عمر المجتمع.
موت المعرفة هو عنوان مجازي لأن المعرفة لا تموت إلا عندما تكون موجودة في الذاكرة و ليس لها علاقة بحياة صاحبها ،عندما لا يجددها صاحبها، عندما يكرر الإنسان أفكار الآخرين دون نقدها، عندما يعرف الإنسان معلومات كثيرة لكنه لا يستخدمها في مواقف يومية ، وفي كثير من الأحيان يكون عند الإنسان معرفة صحيحة لكنها لم تغير طريقة تعامله،
تموت المعرفة عندما تنفصل عن صاحبها
تموت المعرفة عندما تنفصل الأوراق البحثية عن صاحبها
و أقول: التعلم مثل التيار الكهربائي الذي لا نلاحظه إنما نستدل مباشرة من خلال الإضاءة.
فمثلا إنسان قرأ عشرات المقالات و حضر عشرات الندوات و قرأ كثيرا من الأشعار و الآيات القرآنية عن الأخلاق ،و لكن ماذا فعلت الأخلاق فيه؟ فهو يمتلك معرفة عن الأخلاق ولكن هذه المعرفة لم تصبح جزء من سلوكه و تفكيره،
وتقول د.دلال عريقات في مقالة لها في جريدة القدس: أننا في فلسطين لا نحتاج إلى مزيد من حاملي الدكتوراه بل نحتاج إلى باحثين و هنالك فرق بين الاثنين، نحتاج ثقافة أكاديمية تعيد الاعتبار إلى السؤال و البحث و التنقيب بدلا من اختزال الدكتوراه في اللقب أو الترقية أو المكانة الاجتماعية، و تقول أيضا أن جوهر الدكتوراه هو البحث و القدرة على طرح سؤال لم تجب عنه المعرفة و لا نعامل الدكتوراه باعتبارها شهادة عليا تضاف إلى السيرة الذاتية.
و الكتاب سيبقى هو مصدر المعرفة و ليس المقصود أن الكتاب ميت و الحفظ سيء ، و ممكن أن يكون الكتاب قديم ولكنه يوفر معرفة جديدة، و ممكن أن تكون ورقة بحثية نشرت قبل خمسة أيام و ليس فيها شيء جديد.
و أقول أن الكتاب الذي لا يناقش يفقد قيمته
يكمن الخطر هنا ليس في الجهل بل الوهم المعرفي ، و الجاهل يمكن أن يسأل سؤال أما الذي يعتقد انه يعرف لأنه يحمل شهادة عليا أو نشر عشرات الأوراق البحثية و يعتقد أنه يعرف كل شي و قد يتوقف عن السؤال ، و يقول دانييل بوريستي : أعظم عائق أمام التقدم ليس الجهل بل وهم المعرفة .
المعرفة الميتة بعد تكرارها و مع الوقت تصبح حقيقة، و المشكلة انه صار عند البعض مجرد أن حصل على شهادة في موضوع ما أو شارك في نشاط أو دعي إلى مناسبة أو نشر مجموعة من الأوراق البحثية امتلك من المعرفة ما لم يملكه الآخرون و ظهر جيل جديد من مدعي المعرفة الذين يعتقدون أن لديهم المهارات و القدرات و الأفكار و المعرفة التي قد تقلب الطاولة رأسا على عقب.
و كثير من الباحثين مثلا يستعجلون في اختيار عنوان لبحثه أو رسالته و يقعون في فخ إعادة إنتاج ما هو موجود و معروف للجميع ، و يرى بعض المفكرين و الأكاديميين أن نظام الترقيات بحاجة إلى إعادة النظر لإنه أصبح مجرد مصيدة نقاط و لا بد من تقدير القيمة العلمية للبحث المنشور من خلال لجنة متخصصة و الإجابة عن الأسئلة التالية :
هل يعالج البحث مشكلة لها علاقة بصاحب التخصص ؟
هل البحث يضيف نتائج جديدة يمكن البناء عليها ؟
هل إجراءات البحث موثوق فيها ؟
هل المشاركين بالبحث قريبين من التخصص؟
أنا لست ضد الأوراق البحثية ولا البحث العلمي لأنها شرط من شروط الجامعات للترقية، و لكن أنا أقترح إعادة النظر في الأبحاث نفسها
إن معركة المعرفة لن تكون لمن يحمل شهادة أو لمن نشر عشرات الأبحاث و ليس لها قيمة علمية أو نظرية ، فالأوطان لا تبنى بشهادات أو عدد الأوراق البحثية فقط بل بالمهارات و المعرفة
نحن لا نريد نظام تعليم يخرج جيوشا من الحفظة أو جيوشا من أصحاب الأوراق البحثية التي لا يستفيد منها إلا صاحبها، و التي لا تعالج أي مشكلة اجتماعية، نحن بحاجة إلى نظام تعليم يخلق أجيال قادرة على توليد أفكار جديدة ولا تكرر ما فعله الآخرين.
و تقول حكمة بوذية :إن نقل التعليم كنقل شعلة من مصباح إلى آخر، أي أن التعليم أشبه بإشعال مصباح بمصباح آخر ،من خلال ذلك يتم نقل الإضاءة إلى من يأتي بعده أو إلى مصباح واحد أو إلى 10 مصابيح أو إلى مئة مصباح أو أكثر، و هنا يمكن نشر المعرفة عشرات المرات ، و تضيف الحكمة أن الأرض جذر الأمة و الثقافة روحها ، فمن الأمم من فقد أرضه لكنه تمسك بالعلم و ينقل الثقافة فيبقى له يوم ينهض فيه من جديد ولو بعد حين ، و منها من يمتلك أرضه لكنه أهمل التعليم و قطع سلسلة الثقافة و أصبح في نهاية المطاف غريب على أرضه.
و أخيرا أقول، نحن التربويين المحاورين الذين فهمنا كل شيء نحتاج إلى كرة أرضية ثانية لنزرع فيها روح المعرفة و الاخلاق و التعليم و التربية و التواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها .

  • د. فواز عقل – باحث في شؤون التعليم و التعلم .

شاهد أيضاً

الديمقراطية تلتقي السفير الكوبي في لبنان وتؤكد وقوفها الى جانب كوبا في مواجهة الحصار والتهديدات الاستعمارية الامريكية

الديمقراطية تلتقي السفير الكوبي في لبنان وتؤكد وقوفها الى جانب كوبا في مواجهة الحصار والتهديدات الاستعمارية الامريكية

شفا – التقى وفد من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين برئاسة نائب امينها العام الرفيق علي …