
حين يلبسُ الظلمُ ثوبَ السلطة… يسقطُ القناعُ ويبقى الأثر.. بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
الظلمُ ظلمات… وكلُّ ساقٍ سَيُسقى بما سقى.
هناك مواقفُ لا تأتي لتكسرنا، بل لتكشف لنا من كان يصفّق لنا بيد، ويُخفي حجراً باليد الأخرى. مواقفُ تُسقط الأقنعة كما تسقط أوراق الخريف حين تعجز الأشجار عن إخفاء حقيقتها.
شكراً للمواقف التي كشفت الوجوه على حقيقتها، وللأيام التي نزعت عن بعض البشر ثيابَ المثالية، وأظهرت لنا أن ليس كلُّ من ابتسم لك كان صادقاً، وليس كلُّ من امتلك سلطةً امتلك عدلاً، وليس كلُّ من جلس على كرسيّ القرار كان جديراً بأن يحمل أمانة القرار.
يقول مثلٌ تركيٌّ:
“إذا لم ينبح خلفك مئة كلب، فأنت لست ذئباً.”
ولعلّ في هذا المثل شيئاً من الحقيقة التي نتعلمها متأخرين: حين تبدأ بالسير في طريقك، ويعلو صوتك بالحق، ويصبح لك أثر، قد تكتشف أن الضجيج من خلفك ليس دائماً دليلاً على أنك أخطأت الطريق؛ أحياناً يكون دليلًا على أنك تركت خلفك أثراً لم يستطيعوا تجاهله.
فالذئب لا يلتفت إلى كل نباح، والقافلة لا تتوقف عند كل حجر، والشجرة المثمرة وحدها تعرف معنى أن تُرمى بالحجارة.
لكن الظلم أشدُّ قسوة حين يأتي ممن أُوكل إليه أن يكون ميزاناً.
أيها المسؤول الذي بيدك القرار… تذكّر أن الكرسي ليس وطناً، وأن السلطة ليست ميراثاً، وأن التوقيع الذي تضعه على ورقة قد يكون عند إنسان آخر بابَ رزق، أو بابَ مستقبل، أو بابَ حياة.
لا تجعل منصبك يعلّمك أن الناس أرقام، ولا تجعل صلاحياتك توهمك أن مفاتيح أرزاقهم في يدك.
فالذي يملك خزائن الرزق ليس موظفاً، ولا مديراً، ولا مسؤولاً، ولا صاحب منصب.
الرزق بيد الله.
والكرسي الذي تظن أنك تجلس عليه إلى الأبد، سيأتي يومٌ تجلس فيه بعيداً عنه، وقد يجلس بعدك عليه شخصٌ آخر لا يعرف اسمك إلا من خلال ما تركته خلفك.
وهنا تبدأ الحقيقة التي لا تستطيع المناصب أن تحجبها:
ماذا صنعتَ حين كنتَ قادراً؟
ومن أنصفتَ حين كنتَ صاحب القرار؟
ومن ظلمتَ لأنك استطعت؟
ومن كسرتَ قلبه لأنك كنتَ تملك مفتاح بابه؟
فالمنصب صفحة، والإنسان سطر، لكن الأثر هو الكتاب الذي يبقى.
وما أقسى أن يكتشف الإنسان بعد سقوط سلطته أن الذين كانوا يقفون احتراماً لكرسيّه لم يكونوا يحترمونه هو، وأن أبواباً كانت تُفتح أمامه لم تكن تفتح احترامًا لاسمه، بل خوفاً من صلاحياته.
الكرسي قد يمنحك ارتفاعاً عن الأرض، لكنه لا يمنحك ارتفاعاً في قدر الإنسان.
والسلطة تستطيع أن تُسكت صوتاً لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تُسكت الحقيقة إلى الأبد.
فالحقيقة تشبه الماء؛ قد تحبسها خلف ألف جدار، لكنها ستبحث عن شقٍّ صغير لتخرج منه.
ثم يأتي الظلم في صور أخرى…
قد يكون كلمةً قاسية، أو فرصةً سُرقت، أو حقّاً حُجب، أو إنساناً أُقصي لأنه لم يملك واسطة، أو مجتهداً أُطفئت شمعةُ نجاحه لأن أحدهم خاف من أن يضيء أكثر منه.
وقد يكون الظلم أحياناً أكثر دهاءً من ذلك؛
أن يراك شخصٌ تستحق، ثم يتعمد ألّا يمنحك ما تستحق.
وهنا لا يكون الألم في ضياع الفرصة وحدها، بل في اكتشاف أن اليد التي كنت تظنها ستساعدك كانت هي نفسها تدفعك إلى الخلف.
لكن لا تجعل ظلمهم يغيّر جوهرك.
لا تتحول من مظلوم إلى ظالم، ولا تسمح للجرح أن يصنع منك نسخةً من الشخص الذي جرحك.
دافع عن حقك، نعم.
ارفع صوتك بالحق، نعم.
واجه الظلم بالوسائل المشروعة، ووثّق، وطالب، وتكلم، ولا تجعل الخوف يحوّل كرامتك إلى صمت.
لكن لا تجعل الغضب يقودك إلى ظلمٍ آخر.
فالحق لا يحتاج إلى أن يتسخ كي ينتصر.
انهيارك لا يعني ضعفك.
حتى أقوى الأرواح تمرُّ بلحظاتٍ تتعب فيها.
هناك ليالٍ نبكي فيها بعيداً عن أعين الناس، ونغلق الباب، ونضع رؤوسنا على الوسادة وكأننا نريد أن نُخفي العالم كله تحتها.
نقول: لماذا حدث هذا؟
لماذا ظُلِمت؟
لماذا خذلني من وثقت به؟
لماذا مُنحت الفرصة لمن لم يستحقها، وحُجبت عمّن تعب من أجلها؟
ثم نستيقظ في الصباح…
فنكتشف أن القلب الذي ظنناه انتهى، ما زال ينبض.
وأن الروح التي ظنناها انكسرت، كانت في الحقيقة تعيد ترتيب نفسها.
فالانكسار ليس دائماً نهاية الشيء؛ أحياناً يكون الطريقة التي يعيد بها الله تشكيلنا.
الذهب لا يخاف النار؛ لأنها تكشف نقاءه.
والسيف لا يصبح حاداً دون مطرقة.
واللؤلؤ لا يولد في راحة المحار، بل في رحم الألم.
وكذلك الإنسان…
بعضنا لم يصبح قوياً لأنه عاش حياةً سهلة، بل لأنه عبر من النار ولم يسمح للنار أن تصبح جزءاً من أخلاقه.
لذلك لا تخجل من دمعتك.
الأنبياء والصالحون عرفوا الحزن والبكاء والابتلاء، لكن الألم لم يكن عندهم إعلاناً للهزيمة.
ابكِ إن احتجت.
استرح إن تعبت.
انكسر قليلاً إن أثقلتك الحياة.
ثم انهض.
فليس المطلوب منك ألّا تسقط؛ المطلوب ألّا تجعل سقوطك عنوان إقامتك.
كل تجربة قاسية مررت بها تركت فيك درساً.
كل خذلان علّمك شيئاً عن البشر.
كل باب أُغلق في وجهك علّمك أن تبحث عن باب آخر.
كل قناع سقط أمامك علّمك ألا تمنح ثقتك بسهولة.
وكل ظلمٍ مررت به جعلك تعرف قيمة العدل أكثر من أولئك الذين لم يذوقوا مرارة غيابه.
أيها الإنسان…
لا تتنازل عن حقك لمجرد أن المطالبة به متعبة.
ولا تسكت لأن الظالم أعلى منك منصبًا.
ولا تجعل خوفك من خسارة شخصٍ يجعلك تخسر نفسك.
فالإنسان حين يتنازل عن كرامته مرةً بعد مرة، قد يكتشف يومًا أنه خسر الشيء الوحيد الذي لا يستطيع شراءه بالمال ولا استعادته بالمنصب: احترامه لذاته.
طالب بحقك بالحكمة.
واجه بالوثيقة.
تحدث بالحجة.
واطرق الأبواب المشروعة.
وإن أُغلقت في وجهك أبواب الأرض، فلا تنسَ أن فوق الأرض سماءً، وفوق كل سلطة قدرة، وفوق كل حكمٍ بشري حكمُ الله.
حسبنا الله ونعم الوكيل ليست كلمةً يقولها المقهور ليهرب من مواجهة الواقع، بل هي تسليمٌ لله بعد بذل الأسباب، وإيمانٌ بأن ميزان العدالة الإلهية لا يختل.
وقد يغيب حقك عن دفتر مسؤول، لكنه لا يغيب عن علم الله.
وقد تُنسى مظلمتك في ملفات البشر، لكنها لا تُنسى عند من لا ينسى.
وعند الله تجتمع الخصوم.
هناك لا واسطة تنفع، ولا منصب يشفع، ولا توقيع يغيّر الحقيقة، ولا كرسيٌّ يحمي صاحبه من الوقوف أمام عدالة لا تعرف المحاباة.
هناك فقط…
تظهر الأشياء بحجمها الحقيقي.
ولذلك، لا تحزن كثيراً حين تسقط الأقنعة.
فالقناع الذي سقط اليوم كان سيؤذيك غداً.
ولا تأسف على شخصٍ كشفته المواقف.
فمعرفة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أرحم من العيش طويلاً داخل وهمٍ جميل.
شكراً للمواقف التي كشفت لنا الناس.
شكراً للظلم الذي علّمنا معنى العدل.
شكراً للخذلان الذي علّمنا ألّا نضع قلوبنا في أيدي الجميع.
شكراً للأبواب التي أُغلقت، لأنها دفعتنا إلى أبوابٍ لم نكن نعرف أنها موجودة.
وشكراً لكل سقوطٍ جعلنا نعرف كيف نقف.
أما أنت أيها الذي ظلمت…
لا تفرح كثيراً بقوةٍ مؤقتة.
لا تغتر بكرسيٍّ سيغادره صاحبه.
لا تظن أن دمعة المظلوم تذهب مع الريح.
فربما نسيتَ أنت ما فعلت، لكن قلبًا آخر ما زال يحمل أثره.
وربما أغلقتَ ملفاً في مكتبك، لكنك لم تستطع إغلاقه في ذاكرة إنسان.
وربما ظننت أن سلطتك منحتك الحق في أن تفعل ما تشاء، بينما الحقيقة أن السلطة امتحانٌ قبل أن تكون امتيازاً.
فكلُّ ساقٍ سَيُسقى بما سقى.
والدنيا دوّارة؛
من فوقٍ إلى تحت،
ومن قوةٍ إلى ضعف،
ومن كرسيٍّ إلى كرسي،
ومن قرارٍ يُكتب إلى حسابٍ يُقرأ.
فاختر ماذا تريد أن يُكتب عنك حين تنتهي صلاحياتك.
هل تريد أن يتذكرك الناس لأنك كنتَ باباً أغلقتَه في وجوههم؟
أم لأنك كنتَ يداً امتدت حين كان الجميع يتراجع؟
فالمناصب تنتهي.
والأموال تتبدل.
والأسماء تُنسى.
والصور تبهت.
لكن الأثر يبقى.
وقد يغادر الإنسان الدنيا بلا منصب، وبلا مال، وبلا ضجيج…
لكن ما تركه في قلوب الناس قد يكون أعظم من كل ما امتلكه.
فلا تترك وراءك أثرَ ظلمٍ يطاردك، بل اترك أثراً إذا ذُكر اسمك معه… دعت لك القلوب قبل الألسنة.
وفي النهاية، لا أحد يملك أن يضمن طول الطريق، لكن كل إنسان يملك أن يختار كيف يمشيه.
فإن كنتَ مظلوماً… لا تنكسر.
وإن كنتَ صاحب حق… لا تتنازل عن كرامتك.
وإن كنتَ صاحب سلطة… فاتقِ الله فيمن ائتمنك الله عليهم.
وإن كنتَ قادراً على إنصاف إنسان… فلا تؤجل الخير.
لأن الحياة أقصر من أن نملأها بالظلم،
وأجمل من أن نلوثها بالانتقام،
وأعمق من أن نعيشها خلف الأقنعة.
وفي آخر الطريق…
لا يبقى الكرسي.
ولا يبقى التصفيق.
ولا تبقى السلطة.
ولا يبقى الخوف.
يبقى الإنسان…
ويبقى أثره.
ويبقى السؤال الذي لا يملك أحدٌ الهروب منه:
حين انتهت قدرتك على ظلم الناس… ماذا بقي منك في قلوبهم؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.