
بيوت من حديد البيوت.. سكنٌ فوق الركام لا تحته ، بقلم : أكرم أبو شرخ
لم يخرجوا من بيوتهم؛ البيوت هي التي خرجت منهم.
في غزة، لم يعد الركام نهاية الحكاية. عائلات تعود إلى أماكن بيوتها المهدمة، تزيح ما تستطيع من الحجارة، وتبحث بين الأنقاض عن نافذة، أو باب، أو قطعة من ذاكرة المكان. لا جرافات تساعدها، ولا إمكانات كافية، لكن هناك إرادة تقول إن البيت لا يغيب ما دام أصحابه باقين فيه.
المشهد في خانيونس، وفي مناطق واسعة من غزة، ليس مشهد نزوح جديد، بل مشهد عودة إلى المكان. عائلات تحاول أن تستعيد حياتها فوق الركام، وأن تصنع من المستحيل مأوى يشبه البيت.
والأشد وجعًا أن بعضهم يصنع خيمته من حديد بيته المدمر.
الحديد الذي كان يحمل السقف أصبح سقفًا، والأعمدة التي كانت جزءًا من جدران المنزل تحولت إلى أعمدة لخيمة. حديد كان يومًا يحمي غرفة طفل، صار اليوم يحمي أسرة كاملة من برد الليل وحرارة النهار.
إنه مشهد يبدو قاسيًا، لكنه يحمل في داخله شيئًا من العناد الجميل.
لماذا يفعلون ذلك؟
لأنهم لا يريدون خيمة غارقة في مواصي النزوح، ولا حياة معلقة بطابور مساعدات. يريدون أن يبقوا حيث كانت بيوتهم، حيث لعب أطفالهم، وحيث تركوا تفاصيل أعمارهم.
هنا أتذكر طفلًا كان يحمل جالون ماء بكل شهامة، ويقول: «نفسي في مرجيحة.. مش في طابور مساعدات».
فالمرجيحة كانت هنا، في هذا المكان، ولن يتركوا مكانها.
هذه ليست خيمة نازح عابرة؛ إنها بيت عنيد. والبيوت العنيدة لا تموت بسهولة. حين تُقتلع أغصان الزيتون، ويُقتل الحنان، وتُسرق البسمة من العيون، يمكن للإنسان أن يأخذ حديد بيته ويعيد تشكيله مأوى، كأنه يزرع زيتونة جديدة في أرض الركام.
لقد فهم الناس الحقيقة المرة: أن البيت ليس جدرانًا وسقفًا فقط، وأن فقدان الجدران لا يعني فقدان المكان. لذلك، حين لم يجدوا بيتًا يعودون إليه، عادوا إلى مكان البيت، وصنعوا من بقاياه بداية جديدة.
ما تصنعه هذه العائلات فوق الركام ليس مجرد حل مؤقت؛ إنه إعلان تمسك بالحياة والمكان. الفلسطيني لا يريد أن يكون ساكنًا دائمًا في خيمة، بل يريد أن يعود إلى بيته، حتى لو اضطر إلى أن يبدأ من حديد بيته المهدّم.
بيوت من حديد البيوت ليست صورة للنكبة وحدها، بل صورة للانتماء أيضًا. فالوطن ليس عنوانًا على ورق، بل مكان يتمسك به الإنسان حتى عندما تتساقط جدرانه من حوله.
وحين يولد طفل في خيمة مصنوعة من حديد بيتٍ مدمر، سيعرف ذات يوم أن هذا الحديد لم يكن سقفًا مؤقتًا فقط؛ كان شاهدًا على بيتٍ هُدم، وأهلٍ بقوا، وذاكرةٍ رفضت الرحيل.
لذلك ستبقى الحكاية مفتوحة…
فالبيت قد يُهدم، لكن أهله يستطيعون أن يسكنوا فوق ركامه، لا تحته.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.