9:22 مساءً / 26 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

رحلة نضال.. أمهات غزة بين الخيمة والمستشفى بعد غياب الأزواج ، بقلم : لينا مهنا

في إحدى مخيمات النزوح في قطاع غزة، لا تنتهي مسؤوليات الأم عندما تغيب الشمس. طفلتان تنتظران جلاء، وإحداهما تحتاج إلى رعاية صحية مستمرة. وبين زجاجات المياه والحفاضات ومصاريف المستشفى، تحاول أم أرملة أن تبقي أسرتها صامدة وسط قسوة النزوح والحرب.
في الليل، حين تهدأ الحركة بين الخيام، وتخفت أضواء المخيم وتضيق الممرات بحركة النازحين، لا تنام جلاء كما تنام الأمهات الأخريات. قد تضطر إلى الخروج لشراء الماء لابنتها، أو البحث عن دواء كتبه الطبيب، أو العودة إلى المستشفى بالطعام والحليب والحفاضات.
تقول جلاء، وهي أم بلا معيل تعيش في أحد مخيمات النزوح: «كله تعب.. نقل المي تعب، أروح أجيب الجرة وأنقل، وقعدتي ببنتي في المستشفى أسبوعين، أنزل في الليل أجيب لها أكل لحالها تعب».


منذ استشهاد زوجها في السنة الثانية للحرب، لم تعد حياتها مقسمة بين أدوار واضحة؛ أصبحت المسؤوليات كلها على كتفيها: رعاية طفلتين، وتأمين الطعام والماء، وتدبير تكاليف العلاج والتنقل، ومرافقة ابنتها المريضة التي قد تمكث في المستشفى أسبوعين متواصلين.
قمر.. الجزء الأكبر من معاناة أمها
من بين كل ما تواجهه جلاء، تبدو حالة ابنتها «قمر» الأكثر استنزافًا لها. وبحسب رواية والدتها، تعاني الطفلة من مشكلات صحية، من بينها ثقب في القلب وتأخر في النمو، إضافة إلى مشكلات أخرى ظهرت لاحقًا، وتحتاج إلى متابعة وفحوصات وعلاج مستمر.


تقول الأم إن ابنتها تمكث في المستشفى نحو أسبوعين في كل مرة، وإن احتياجاتها من علاج وفحوصات وطعام وغيرها قد تصل، بحسب تقديرها، إلى نحو ألفي شيكل.
لكن الرقم ليس أصعب ما تواجهه أم تعيش وحدها في مخيم نزوح؛ فالسؤال الذي يتكرر مع كل حاجة هو: «من أين سأوفر هذه الاحتياجات؟».
تقول جلاء: «في المستشفى إذا أتى أحد أو مبادرة ممكن يساعدني، وأمي كانت تساعدني أدبر حالي، كتير كنت أحتاج، بس ربنا ما تركني، الحمد لله».
حتى الماء يتحول في المستشفى إلى عبء إضافي. تقول إن ابنتها تحتاج إلى مياه معدنية، وإن الزجاجة الصغيرة تكلف خمسة شواقل، وقد تضطر في بعض الأيام إلى شرائها أكثر من مرة، لتصل كلفة الماء وحده، بحسب روايتها، إلى نحو 30 شيكلًا يوميًا.
وتضيف: «الحفاضات أنا اليوم عندي مصروف تاني، مشكلة تانية».


أحيانًا تحصل على مساعدة، وأحيانًا ترسل لها أسرتها المال، وأحيانًا تضطر إلى بيع بعض المساعدات الغذائية التي تحصل عليها، لتشتري ما تحتاجه ابنتاها.
وفي غزة، لا تبدو أزمة الماء تفصيلًا خاصًا بهذه الأسرة. فبحسب بيانات اليونيسف في منتصف عام 2026، يعاني معظم سكان القطاع من ظروف قاسية مرتبطة بالمياه والخدمات الأساسية، في ظل أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي.


امرأة أخرى.. وأربعة أطفال
جلاء ليست وحدها. في بيت لاهيا، وجدت وئام نفسها بعد استشهاد زوجها أمام مسؤولية تربية أربعة أطفال: ولدين وبنتين.
استشهد زوجها في اليوم الأول للحرب بعدما استُهدف مسجد كان يؤدي فيه صلاة العشاء، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة أخرى من النزوح والمسؤولية. تقول إن أسرتها نزحت من بيت لاهيا إلى رفح، ثم إلى خان يونس ومناطق أخرى، وتقدر أن عدد مرات النزوح وصل إلى سبع أو ثماني مرات.
لكن النزوح لم يكن أصعب ما واجهته، كما تقول، بل أن تصبح الأم والأب في الوقت نفسه.
قبل الحرب، كانت تعتمد على زوجها في الذهاب إلى السوق وتلبية الاحتياجات اليومية، أما بعد وفاته فأصبحت هي التي تذهب، وتحمل المياه، وتؤمن الطعام، وتدير تفاصيل الحياة اليومية لأطفالها الأربعة.


سؤال طفلة عن أبيها.. غصة أخرى
تتذكر وئام ابنتها «رزان»، التي كانت في الثامنة من عمرها عندما استشهد والدها، وكانت شديدة التعلق به.
تقول إن ابنتها سألتها: «ماما، مين بده يزفني لما أتزوج؟».
ثم كانت تكرر: «ماما، اشتقت لبابا».
لم تكن الأم تملك إجابة تعيد الأب إلى طفلته، فكانت تحاول مواساتها بالقول إن والدها في الجنة، وإنها ستلتقيه هناك.
وتقول وئام إنها تأخذ أطفالها إلى البحر، كما كان يفعل والدهم قبل الحرب، لكن المشهد لم يعد مكتملًا. هناك ترى عائلات تجلس مع آبائها، فتنظر إلى أطفالها وتتذكر الرجل الذي كان يصطحبهم إلى المكان نفسه.
تقول إن رؤية العائلات مكتملة تترك في قلبها «غصة».


فقدان الزوج لم يكن بالنسبة إليها فقدان شخص فقط، بل فقدانًا أيضًا للأدوار التي كان يؤديها داخل الأسرة، من اصطحاب الأطفال إلى البحر إلى تلبية احتياجاتهم اليومية.
بين الخيمة والمستشفى، تتقاطع حكايتا جلاء ووئام. الأولى تبحث عن الماء والدواء والحليب والحفاضات لطفلتها المريضة، والثانية تحاول تربية أربعة أطفال بعد فقدان والدهم، وسط نزوح متكرر وحياة أثقلتها الحرب.
لا تتحدث المرأتان عن أدوارهما الجديدة بلغة البطولة أو الشعارات. تحكيان فقط عن تفاصيل يومية: جرة ماء تُحمل، ودواء يُبحث عنه، وحفاضات وحليب، وطفل يسأل عن أبيه.
وفي غزة، ربما كان من أقسى ما خلّفته الحرب بعد فقدان الأزواج أنها تركت وراءهم نساء لم يفقدن أحباءهن فقط، بل حملن أيضًا كل ما تركه الغياب وراءه من مسؤوليات.
في الخيمة أطفال ينتظرون، وفي المستشفى طفلة تحتاج إلى أمها، وبينهما تمضي جلاء في طريق لا تعرف كم مرة ستقطعه، لكنها تعرف أنها في كل مرة ستواصل السير.

شاهد أيضاً

ممثلا عن الرئيس... خوري يستقبل بطريرك بلغاريا كيريوس كيريوس دانيال في بيت لحم

ممثلا عن الرئيس… خوري يستقبل بطريرك بلغاريا كيريوس كيريوس دانيال في بيت لحم

شفا – ممثلا عن سيادة الرئيس محمود عباس، استقبل عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، …