
فيلم «حذاء أبي»… حين يحاول طفل غزة أن يُنبت أباه من التراب ، بقلم : شريف الهركلي
في غزة، صار البحر يعرف أكثر مما ينبغي عن الغياب؛ يحمل في أمواجه حكايات الآباء الذين رحلوا، والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، والبيوت التي صارت ذكرى. وصار التراب أكثر من تراب؛ يحمل أسماء الغائبين، وأحلامًا دُفنت قبل أن تجد طريقها إلى الحياة.
من هذه المساحة الموجعة بين الفقد والحلم، يأتي الفيلم الروائي القصير «حذاء أبي»، الذي لم يُعرض بعد، ويشارك حاليًا في مسابقة عالمية، من قصة وسيناريو وإخراج مصطفى النبيه، عن فكرة ديانا الشناوي.
تبدأ الحكاية على شاطئ البحر، حيث يعيش أب وابنه لحظة فرح وأمان. يركض الطفل إلى جوار والده، قبل أن تنقلب السماء والبحر إلى عاصفة، وتبتلع موجة سوداء الأب أمام عيني طفله.
يهرب الطفل، تحمله العاصفة، ويسقط في فراغ مظلم، فيما تسقط خلفه فردة حذاء والده الوحيدة المتبقية. يحتضنها بقوة؛ فهي بالنسبة إليه ليست حذاءً، بل آخر ما تبقى من أبيه.
يستيقظ على عالم من الخيام، وطوابير الانتظار، والوجوه المنهكة، والحرمان؛ عالم يشبه غزة في تفاصيله الإنسانية، حيث أصبح الفقد جزءًا من ذاكرة الأطفال اليومية.
وفي أحد الأيام، يرى أمه تزرع نبتة صغيرة في التراب. يتأمل يديها، ثم ينظر إلى فردة حذاء أبيه، فتولد في ذهنه فكرة طفولية تشبه المعجزة: إذا كانت النبتة تنمو من التراب، فلماذا لا ينبت أبي من جديد؟
يحفر حفرة صغيرة فوق تلة تطل على مخيم الخيام، ويدفن فردة الحذاء، ثم يسقي المكان كل يوم، وينتظر.
هنا تتحول فردة الحذاء من غرض بسيط إلى ذاكرة، ويتحول الانتظار إلى فعل حب. فالطفل لا يفهم الموت بوصفه نهاية، ولا يستطيع أن يصدق أن من أحبهم يمكن أن يصبحوا مجرد غائبين.
وتبدو عبارة محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» كأنها صدى لفكرة الفيلم؛ فحتى في أقسى اللحظات، يبحث الطفل عن نبتة، وعن أبيه، وعن سبب للاستمرار. وربما لو كان للانتظار صوت، لكانت أغنية «موطني» واحدة من الأصوات التي ترافق هذا الحلم الفلسطيني.
قوة «حذاء أبي» لا تكمن في الحديث عن الموت وحده، بل في النظر إليه من عين طفل لم يتعلم بعد أن بعض الغياب لا عودة منه. طفل يرفض أن يصدق أن الذين نحبهم يمكن أن يصبحوا ذكرى، فيخلق لهم مكانًا في الحلم، ويزرع أثرهم في التراب، وينتظر معجزة يعرف المشاهد أنها لن تأتي.
ومن الناحية النقدية، تحمل الفكرة إمكانات بصرية عالية؛ فالبحر والعاصفة والحذاء والخيمة والنبتة والتراب ليست مجرد عناصر في الحكاية، بل علامات يمكن أن تتكامل لتصنع لغة الفيلم. ويبقى التحدي في التنفيذ: أن تترك الصورة تقول ما لا يحتاج إلى شرح، وأن تحافظ المعالجة على براءة الطفل من دون الوقوع في المباشرة أو استدرار العاطفة.
وفي غزة، تبدو هذه الحكاية أبعد من مجرد قصة سينمائية. فخلف كل خيمة يمكن أن تكون هناك حكاية طفل يبحث عن أب، أو أم، أو بيت، أو لعبة، أو صورة، أو حتى قطعة صغيرة من حياة كانت ذات يوم طبيعية.
لهذا يصبح البحر في بداية الفيلم أكثر من مكان للأحداث، ويصبح التراب في نهايته أكثر من مكان للدفن. بين البحر والتراب، تتحرك حكاية غزة كلها: حياة تُنتزع، وذاكرة تحاول أن تبقى.
قد لا ينبت الأب من التراب، وقد تبقى فردة الحذاء مدفونة إلى الأبد، لكن شيئًا آخر سينبت: الذكرى.
وستنمو معها قدرة الطفل على أن يحمل أباه في قلبه، وأن يمشي به إلى المستقبل.
في غزة، حيث دُفن كثير من الأحبة تحت التراب، ربما لا يستطيع الأطفال إعادة من رحلوا، لكنهم يستطيعون أن يحفظوا أسماءهم وصورهم وأحلامهم، وأن يقولوا للعالم: لم ننسَ.
وهنا تتحول «حذاء أبي» من فيلم قصير إلى سؤال طويل عن الإنسان والحرب والفقد، وعن طفل صغير يضع فردة حذاء في التراب، ثم ينتظر أن ينبت منها أبوه.
إنه انتظار طفل لمعجزة، وربما هو أيضًا انتظار غزة لأن تُنبت من ترابها حياة جديدة.
فيلم عن الموت، نعم، لكنه في جوهره فيلم عن الحب الذي يرفض أن يموت.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.