
شعرية محمد علوش: من جغرافيا الجرح إلى شعرية الأثر ، بقلم: نعيم الفقيه
لا تستمد تجربة محمد علوش الشعرية أهميتها من كونها تنتمي، في جذورها الأولى، إلى الامتداد الطبيعي للقصيدة الفلسطينية الحديثة، ولا من استعادتها للموضوعات الكبرى التي شغلت الشعر الفلسطيني منذ بداياته الحديثة، كالأرض والمنفى والاقتلاع والذاكرة والشهادة والمقاومة؛ فهذه العناصر، على أهميتها، لا تمنح أي تجربة شعرية فرادتها بصورة تلقائية، والقيمة النقدية الحقيقية تبدأ من الكيفية التي يعيد بها الشاعر تشكيل هذه العناصر داخل اللغة، ومن المسافة التي يقطعها النص بين الموضوع بوصفه مادة جاهزة، والتجربة بوصفها إعادة خلق للموضوع في الوعي والخيال واللغة.
ومن هذه الزاوية تبدو تجربة علوش أكثر تعقيداً مما قد توحي به القراءة الأولى لبعض نصوصه، فالشاعر الذي بدأ من فضاء الجرح الفلسطيني، ومن الأسئلة المرتبطة بالأرض والحرية والإنسان، لم يبقَ أسير القصيدة الوطنية في صورتها المباشرة، وإنما أخذ، مع تراكم التجربة، ينقل مركز الثقل من الحدث إلى أثر الحدث، ومن القضية إلى ما تتركه القضية في الذات، ومن الذاكرة بوصفها مخزوناً للماضي إلى الذاكرة بوصفها قوة فاعلة في الحاضر، ومن المكان بوصفه جغرافيا إلى المكان بوصفه بنية وجدانية، ومن اللغة بوصفها أداة للتعبير إلى اللغة بوصفها فضاءً لإعادة بناء العالم.
وهنا تحديدًا تبدأ خصوصية تجربة الشاعر الفلسطيني محمد علوش، تجربة لا يمكن مقاربتها من خلال القصيدة المفردة وحدها؛ لأن نصوصه، على اختلاف مراحلها وتنوع موضوعاتها، تبدو كأنها تدخل في حوار طويل ومفتوح مع بعضها بعضاً، فهناك مفردات تعود، وصور تتكرر، ومجازات تنتقل من نص إلى آخر، غير أن التكرار هنا لا يعني الثبات؛ فالمفردة الواحدة لا تحتفظ بالضرورة بدلالتها الأولى، وإنما تتغير بتغير موقعها داخل التجربة، النار، والضوء، والظل، والريح، والنهر، والجبل، والمدينة، والسجن، والأم، والأرض، والزيتون، والحنطة، والمحراب، والقيامة، والقصيدة، ليست مجرد مفردات متناثرة في معجم الشاعر، وإنما تتحول تدريجياً إلى علامات تتبادل وظائفها وتنتج شبكة من العلاقات الداخلية.
ولذلك فإن قراءة علوش تقتضي الانتقال من سؤال: «عمَّ يتحدث الشاعر؟» إلى سؤال أكثر تركيباً: «كيف يتحول ما يتحدث عنه إلى عالم شعري؟»، وهذا التحول هو، في تقديري، المدخل الأكثر ملاءمة لفهم تجربته.
لقد كانت فلسطين في البدايات حضوراً واضحاً ومباشراً، وهو حضور يتصل بطبيعة التجربة التاريخية والسياسية التي نشأ فيها الشاعر، وبالمناخ الثقافي الذي تشكلت فيه حساسيته الأولى، وقد توقفت قراءات مبكرة عند ديوان «سترون في الطريق خطاي»، مشيرة إلى حضور الهم الفلسطيني والجماعي، وإلى المقاومة والعمال والشهادة والمدن الفلسطينية بوصفها مكونات مركزية في الخطاب الشعري، غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في تسجيل حضور فلسطين فحسب، وإنما في أنها أسست العلاقة العميقة بين الذات والمكان؛ وهي العلاقة التي ستتطور لاحقاً من مستوى الانتماء إلى مستوى الذاكرة، فالمدينة عند علوش ليست موقعاً على الخريطة، والشهيد ليس موضوعاً للرثاء، والأرض ليست خلفية للحدث، والأم ليست شخصية عابرة في المشهد؛ فهذه العناصر تتسلل شيئاً فشيئاً إلى البنية الداخلية للذات، وبذلك ينتقل الوطن من كونه موضوعاً تقوله القصيدة إلى كونه شيئاً تتشكل منه القصيدة.
وهذا انتقال جوهري، فالقصيدة الوطنية المباشرة تقول إن الأرض لنا، وإن التاريخ لنا، وإن الجرح لنا، وإن الذاكرة لنا، أما القصيدة التي بلغت مرحلة أكثر تركيباً من الوعي الشعري، فإنها لا تحتاج دائماً إلى إعلان هذه الملكية؛ لأنها تجعل المكان حاضراً في نسيج اللغة نفسها، وعندئذ لا تصبح فلسطين اسمًا يتكرر بقدر ما تصبح أثراً يسكن التفاصيل: في رائحة الخبز، وفي صورة الأم، وفي الزيتونة، وفي الطفل، وفي الطريق، وفي اسم مدينة، وفي وجه الغائب الذي لم يصل.
من هنا تتحول فلسطين عند علوش من قضية إلى حالة وجودية، ومن خطاب إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى بنية في تكوين الذات، ولا يعني ذلك أن السياسي ينحسر لصالح الوجداني، أو أن الوطني يتراجع أمام الشخصي؛ بل إن العكس هو الأقرب إلى طبيعة التجربة، فالسياسي يعاد إنتاجه من داخل الشخصي، والتاريخ يصبح أكثر حضوراً حين يتجسد في ذاكرة فردية، والقضية تكتسب إنسانيتها حين تمر عبر جرح ذاتي.
ولعل المكان هو الحقل الأوضح الذي يمكن من خلاله رصد هذا التحول، فالقدس، وطولكرم، وحيفا، وعكا، وغزة، وبيت لحم، وأريحا، وبيروت، ودمشق، وبغداد، وغيرها من الأمكنة التي تحضر في شعر علوش، لا تعمل باعتبارها علامات جغرافية محضة؛ إنها أمكنة مشحونة بطبقات من الزمن والذاكرة والحنين والاقتلاع والحضور والغياب.
المكان، في شعره، لا يصف الإنسان فقط؛ بل يعيد إنتاجه، فالمدينة تستدعي تاريخها، والتاريخ يستدعي الذاكرة، والذاكرة تستدعي الذات، والذات تعيد إنتاج المكان داخل القصيدة، وهكذا لا تعود المدينة إطاراً لما يحدث، وإنما تصبح جزءاً من الحدث نفسه، بل طرفاً في التجربة الشعرية.
إن حيفا ليست حيفا الجغرافية وحدها، والقدس ليست القدس التاريخية وحدها، وطولكرم ليست المدينة التي يمكن تحديد موقعها على الخريطة؛ إنها أمكنة استقرت في الوعي قبل أن تستقر في القصيدة، إنها جغرافيا داخلية، أو ما يمكن تسميته «الجغرافيا الوجدانية»، حيث يتداخل المكان الواقعي بالمكان المتخيل والمكان المستعاد من الذاكرة.
وفي «وصية النار» تتجلى هذه الخاصية بصورة لافتة؛ إذ يستحضر الشاعر عبد الناصر صالح، فتتحول طولكرم من فضاء جغرافي إلى ذاكرة حية، ويغدو الشاعر الراحل جزءاً من المكان، كما يصبح المكان جزءاً من صورته، وهنا لا تعود القصيدة رثاءً لشاعر غائب بالمعنى التقليدي، وإنما تصبح محاولة لإعادة بناء حضوره من خلال اللغة، وهذه النقطة تقودنا إلى واحدة من أكثر السمات عمقاً في تجربة علوش: علاقته بالذاكرة، فالذاكرة لديه ليست مستودعاً للماضي، ولا مجرد آلية لاسترجاع ما مضى؛ إنها فعل مقاومة للنسيان، والكتابة لا تستدعي الغائب لكي تعيد إنتاج الحزن عليه، وإنما لكي تمنحه إمكانية أخرى للحضور.
ومن هنا يمكن فهم قصائد الرثاء في تجربته بوصفها نصوصاً تتجاوز الوظيفة التأبينية التقليدية، فالشاعر لا يكتفي بتعداد مناقب الراحل أو إعلان الحزن لفقده، وإنما يحاول تحويل الغياب إلى حضور لغوي، وتحويل الشخص إلى أثر، والأثر إلى ذاكرة، والذاكرة إلى قصيدة.
في «وصية النار»، مثلاً، لا يبقى عبد الناصر صالح مجرد شخص غاب عن العالم الواقعي، بل يتحول إلى صوت ولغة وذاكرة ونار، والموت، في هذه الحالة، لا يكون خاتمة التجربة، بل بداية لتحولها إلى مادة شعرية، كأن القصيدة تقول إن ما يموت في الواقع يستطيع أن يجد شكلاً آخر من البقاء في اللغة.
ومن هنا أيضاً تكتسب النار دلالتها المركزية في عالم علوش، فهي ليست مجرد صورة للدمار أو الاحتراق، كما أنها ليست رمزاً أحادي المعنى، فالنار تحرق، لكنها تضيء؛ وتفني، لكنها تترك أثراً؛ تلتهم الأشياء، لكنها تترك الرماد بوصفه شهادة على ما كان موجوداً، ولذلك فإن حضور النار في تجربة علوش يتجاوز الصورة المفردة ليقترب من بنية رمزية تتقاطع فيها الذاكرة والمقاومة والموت والاستمرار.
النار عنده ليست نهاية الأشياء بقدر ما هي العلامة التي تظل بعد احتراقها، ومن هنا يمكن فهم اقترانها المتكرر بالضوء والظل؛ فهذه المفردات الثلاث لا تعمل منفردة، بل داخل علاقة جدلية: النار تنتج الضوء، والضوء يكشف الظل، والظل يعلن عن حضور غائب، وهكذا يتحول المعجم البصري في شعر علوش إلى معجم للذاكرة والأثر، ولا ينفصل ذلك عن الحضور المتنامي للمقدس في تجربته، غير أن المقدس هنا لا يدخل القصيدة باعتباره خطاباً وعظياً أو زينة بلاغية، وإنما بوصفه أحد مكونات التجربة الروحية والجمالية.
في «فوق سروج الريح»، مثلاً، تتجاور مفردات الأذان والمئذنة والآيات والغيب مع الزعتر والزيتون والحنطة والأرض والأم، فتتداخل المرجعية الدينية مع اليومي والفلسطيني، وفي «محراب القصيدة» تصبح القصيدة نفسها محراباً، ويتجاور العشق مع القدس والكعبة والأنبياء والصلاة والسماء والصليب، وهنا تحدث عملية شعرية شديدة الدلالة: المقدس لا يمنح القصيدة قداسة جاهزة، بل القصيدة تعيد اكتشاف المقدس من خلال التجربة الإنسانية، فالمحراب يصبح استعارة للكتابة، والقيامة تتحول إلى احتمال للنهوض، والصلاة تصبح بحثاً عن معنى، والسماء ليست فقط فضاءً دينياً، بل أفقاً تتطلع إليه الذات في لحظة اختناقها.
ومن هذه الزاوية تبدو عناوين مثل «محراب القصيدة» و«قيامة ناقصة» أكثر من مجرد عناوين لافتة؛ إنها مفاتيح إلى وعي الشاعر بفعل الكتابة ذاته، فالقصيدة ليست وعاءً للتجربة فقط، بل تتحول إلى مكان تجري فيه محاولة الخلاص، وهنا نقترب من مفهوم يبدو مركزياً في تجربة محمد علوش: «الغياب»، غير أن الغياب عنده لا ينبغي أن يفهم بوصفه نقيضاً للحضور؛ إنه، على نحو مفارق، أحد أشكال الحضور الأكثر كثافة، فالغائب يعود من خلال الذاكرة والمكان والصورة والصوت والقصيدة، وما لا تستطيع الحياة الاحتفاظ به تحاول اللغة أن تستبقيه.
ولهذا تبدو «السَّريرة» محطة مهمة في تطور التجربة؛ إذ تنفتح اللغة فيها على مساحة أكثر حميمية، ويتداخل الحب والغياب والذاكرة والداخل الإنساني، بينما تبدو القصيدة في بحث دائم عن شيء لا يمكن القبض عليه بصورة كاملة، وهنا لم تعد القضية هي الغياب السياسي أو المكاني وحده، وإنما غياب الآخر داخل الذات، وغياب اللقاء، واستحالة استعادة ما انقضى بالصورة التي كان عليها، وهذا يفتح سؤالاً أكثر خصوصية: ماذا يبقى من الآخر حين يغيب؟ ماذا يبقى من الحب حين يستحيل اللقاء؟ ماذا يبقى من المكان حين يتحول إلى ذاكرة؟
في شعر علوش لا تأتي الإجابة في صيغة تقريرية، وإنما في صيغة أثر، وهنا بالذات يمكن اقتراح مفهوم «شعرية الأثر» بوصفه مفتاحاً نقدياً قادراً على الإحاطة بجانب واسع من تجربته، فالأثر هو ما يبقى بعد غياب الشيء، لكنه في الوقت ذاته دليل على أن الشيء كان موجوداً، ومن هذه الزاوية يصبح الأثر بنية شعرية لا مجرد موضوع، فالراحل يترك أثراً، والمكان يترك أثراً، والحب يترك أثراً، والوطن يترك أثراً، والطفولة تترك أثراً، والقصيدة نفسها ليست إلا أثراً لتجربة مرت في الذات ورفضت أن تختفي.
لهذا تتجاور في شعر علوش النار والرماد، والضوء والظل، والحضور والغياب، والموت والقصيدة، فالظل أثر للضوء، والرماد أثر للنار، والذاكرة أثر للماضي، والقصيدة أثر للتجربة، وهذا يجعل الشعر عنده فعل استبقاء، لا فعل استعادة فقط، إنه لا يستعيد الواقع كما كان، لأنه يعرف أن الواقع لا يعود؛ وإنما يستعيد ما تركه الواقع في الروح، وهذه النقلة تحديداً هي التي تجعل تجربته قابلة للقراءة خارج إطار الشعر السياسي المباشر، من دون أن تفقد جذورها الفلسطينية، فالقضية لم تختفِ، وإنما تغير موقعها داخل النص، فلم تعد دائماً شعاراً معلناً، بل أصبحت بنية عميقة تتحرك من خلالها الذات والذاكرة والمكان واللغة.
وإذا كان الرمز عنصراً مهماً في هذه العملية، فإن قيمته لا تأتي من فرادته في ذاته؛ فالنار والضوء والريح والجبل والنهر والظل والزيتون والمدينة رموز معروفة في الشعر العربي، لكن الشاعر لا يحتاج إلى ابتكار الرموز من الصفر لكي يكون مميزاً؛ ما يهم هو الطريقة التي يعيد بها توزيعها داخل تجربته، والعلاقات الجديدة التي ينشئها بينها، فالضوء عنده يمكن أن يكون خلاصاً، لكنه قد يكون أيضاً كشفاً؛ والظل يمكن أن يكون غياباً، لكنه قد يكون أثراً للحضور؛ والنهر يمكن أن يكون استمراراً أو عبوراً؛ والجبل يمكن أن يتحول إلى ثبات؛ والريح يمكن أن تكون سفراً أو اقتلاعاً؛ والقصيدة نفسها يمكن أن تصبح محراباً، وهكذا يتشكل المعجم الشعري بالتراكم، لا بالاختراع المنعزل.
إن خصوصية الرمز في شعر علوش لا تكمن في غرابته، وإنما في موقعه داخل شبكة من العلاقات الدلالية التي يعيد النص إنتاجها باستمرار، ومن هنا يمكن الحديث عن انتقال من «المفردة» إلى «المعجم»، ومن المعجم إلى «العالم الشعري»، أما التناص، فهو بدوره أحد الأبواب التي تكشف عن طبيعة هذه العملية، فمحمد علوش يكتب داخل ذاكرة شعرية فلسطينية وعربية كثيفة، ومن الصعب على شاعر فلسطيني أن يكتب خارج إرث درويش والمناصرة وسميح القاسم وتوفيق زياد وسواهم، كما يصعب عليه أن يتجاهل الحضور العميق للتراث العربي والديني والتاريخي.
لكن المسألة النقدية ليست في وجود التأثر، وإنما في طبيعة العلاقة معه، والتناص في تجربة علوش يبدو أقرب إلى الحوار منه إلى الاستنساخ، إنه يستدعي أسماء وأمكنة وصوراً ومرجعيات من الذاكرة الشعرية، ثم يعيد إدخالها في سياقه الخاص، وفي «وصية النار» لا يستدعي عبد الناصر صالح باعتباره اسماً فقط، وإنما يستدعي تجربته وذاكرته ومكانه، بحيث يتحول الشاعر الراحل من شخصية خارج النص إلى عنصر داخل بنيته، وهنا ينبغي التمييز بين التأثر والتبعية؛ فوجود الذاكرة الشعرية السابقة لا يعني الوقوع في أسرها، فالشاعر لا يستطيع أن يبدأ من فراغ، لكنه يستطيع أن يغير وظيفة ما ورثه، وهذا ما يحدث في تجربة علوش بدرجات متفاوتة: تتحول الذاكرة الشعرية إلى مادة لإعادة البناء، لا إلى قالب جاهز لإعادة الإنتاج.
ولعل التحول الأوضح في المسار كله يتمثل في العلاقة بين المباشرة والتكثيف، ولا يمكن إنكار أن بعض النصوص المبكرة اتسمت بمباشرة تتصل بطبيعة الخطاب الوطني والنضالي، وهي ملاحظة يمكن العثور عليها في قراءات تناولت «سترون في الطريق خطاي»، لكن هذه المباشرة ينبغي ألا تقرأ خارج سياق المرحلة التي أنتجتها؛ فالشعر الوطني الفلسطيني نشأ في قلب الصراع، وكان مطالباً في مراحل كثيرة بأن يقول ويعلن ويشهد، لا أن يكتفي بالإيحاء، غير أن تطور التجربة يبين أن علوش أخذ يميل أكثر فأكثر إلى التكثيف والإيحاء، بحيث لم تعد فلسطين تحتاج إلى أن تكون في كل مرة موضوعاً معلناً؛ إذ يمكن أن تظهر في رائحة، أو في صورة، أو في اسم مدينة، أو في أم، أو في غائب، أو في ذاكرة، وهنا تتحول الوطنية من خطاب إلى بنية، وهذا، نقدياً، أكثر أهمية من مجرد الانتقال من المباشرة إلى الرمز؛ لأن التحول الحقيقي يقع في مستوى رؤية العالم، لا في مستوى الأسلوب وحده.
واللافت أيضاً أن الشاعر يطور وعياً متزايداً بالقصيدة بوصفها موضوعاً داخل القصيدة، ففي «محراب القصيدة» تصبح الكتابة نفسها موضعاً للتأمل، وفي نصوص أخرى تتداخل القصيدة مع الموت والحب والذاكرة والغياب، وهذا يعني أن علوش لا يسأل فقط: ماذا أكتب؟ بل يطرح، بصورة ضمنية، سؤالاً أعمق: ماذا تستطيع القصيدة أن تفعل؟ هل تستطيع أن تحفظ الغائب؟ هل تستطيع أن تنقذ الذاكرة من التآكل؟ هل تستطيع أن تعيد للمدينة روحها؟ هل تستطيع أن تمنح الحب شكلاً جديداً بعد استحالة اللقاء؟ وهل تستطيع اللغة أن تمنح الموتى حياة أخرى؟
هذه الأسئلة تجعل القصيدة عنده تتجاوز كونها وسيلة للتعبير، لتصبح موضوعاً للتأمل في قدرتها على مقاومة الفناء، ومن هنا يمكن فهم المقارنة التي قد تفرض نفسها بين محمد علوش ومحمود درويش، على الرغم من ضرورة الحذر من أي مقارنة تختزل شاعراً في شاعر آخر، فالتشابه في حضور فلسطين والمكان والذاكرة والمقدس لا يعني التطابق، كما أن الاشتراك في المرجع التاريخي لا يعني وحدة الرؤية.
لقد جعل درويش من فلسطين سؤالاً وجودياً وجمالياً ولغوياً بالغ الاتساع، واشتغل على إعادة بناء علاقة الذات بالمكان والتاريخ والهوية واللغة، أما علوش، فتبدو تجربته أكثر ميلاً إلى مزج المكان بالمقدس والوجداني، وإلى إدخال المرجع التاريخي والديني في التجربة الشخصية، بحيث يتحول المكان من ذاكرة جماعية إلى ذاكرة داخلية، ومن هنا يمكن القول، دون مفاضلة بين التجربتين، إن درويش جعل فلسطين تدخل في سؤال الوجود، بينما يميل علوش إلى إعادة الوجود الإنساني نفسه إلى فلسطين، عبر الذاكرة والحب والغياب والمقدس، أما علاقته بعز الدين المناصرة، فتبدو أكثر اتصالاً بإشكالية المكان والتاريخ والذاكرة، غير أن علوش لا يترك المكان في مستواه التاريخي، بل يدفعه باتجاه الوجدان الشخصي، فالمكان عنده ليس سجلاً للأحداث فحسب؛ إنه ذاكرة فردية أيضاً، وهذا الانتقال من التاريخ إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الذات، يمثل أحد المسارات الأساسية في تشكل تجربته.
وإذا كان الجرح إحدى نقاط انطلاق هذه التجربة، فإن الضوء يمثل أحد آفاقها، لكن الضوء لا يأتي بوصفه نقيضاً للجرح، وإنما ينبثق منه. ولهذا تبدو ثنائية الضوء والظل أعمق من كونها ثنائية جمالية؛ فالظل لا يوجد إلا بوجود الضوء، والغياب لا يصبح محسوساً إلا من خلال أثر حضور سابق، والحزن لا يتحول إلى شعر إلا عندما تعثر الذات على مسافة جمالية تسمح لها بتحويل الألم إلى معنى.
وهنا تحديداً يكمن الفارق بين الواقعة الشعرية والواقعة الحياتية، فالحياة تمنح الشاعر الجرح، لكن الشعر لا يكتفي بنقل الجرح؛ إنه مطالب بأن يعيد خلقه في اللغة، ولذلك فإن قيمة التجربة لا تقاس فقط بما تقوله عن الألم، وإنما بما تفعله بهذا الألم داخل القصيدة، هل يتحول إلى شكوى؟ أم إلى سؤال؟ أم إلى صورة؟ أم إلى ذاكرة؟ أم إلى جمال؟ أم إلى معرفة جديدة بالذات؟
في تجربة علوش يبدو أن المسار العام يتجه، بدرجات متفاوتة، من الألم بوصفه واقعة إلى الألم بوصفه معرفة، ومن الجرح بوصفه حدثاً إلى الجرح بوصفه أثراً، ومن الأثر بوصفه ذاكرة إلى الأثر بوصفه مادة لبناء عالم شعري، وعند هذه النقطة يمكن الحديث عن انتقال الشاعر من مرحلة «كتابة القصائد» إلى مرحلة أكثر تركيباً هي «بناء العالم الشعري»، فالعالم الشعري ليس مجموع القصائد، وإنما النظام الخفي الذي يجعل القصائد، على اختلافها، تنتمي إلى حساسية واحدة، وفي تجربة محمد علوش يتكون هذا النظام من المكان والذاكرة والغياب والمقدس والحب وفلسطين والموت والنار والضوء والظل والإنسان والقصيدة، لكن الأهم أن هذه العناصر لا تعمل منفصلة، فالمكان يصبح ذاكرة، والذاكرة تصبح مقاومة، والمقاومة تصبح أثراً، والأثر يصبح لغة، واللغة تصبح قصيدة، والقصيدة تصبح مكاناً جديداً للغائب، وهكذا لا تسير التجربة في خط مستقيم، بل في حركة دائرية تتبادل فيها العناصر مواقعها ووظائفها؛ فيعود المكان في صورة ذاكرة، ويعود الغائب في صورة لغة، وتعود النار في صورة ضوء، ويعود الموت في صورة قصيدة.
من هنا فإن شعرية محمد علوش لا يمكن اختزالها في كونه شاعراً فلسطينياً يكتب عن فلسطين، كما لا يمكن اختزالها في كونه شاعراً يستعيد المكان والذاكرة والمقدس، فهذه توصيفات صحيحة، لكنها تظل خارجية ما لم نصل إلى الطريقة التي تتحول بها هذه العناصر داخل النص، والأعمق في التجربة أن الجمعي لا يختفي حين يدخل الشخصي، والفلسطيني لا يتراجع حين يتقدم الوجداني، والمقدس لا ينفصل عن اليومي، والموت لا يغلق النص، بل يفتح فيه إمكانية أخرى للحضور.
لقد بدأت التجربة من الجرح الجمعي، لكنها أخذت تتجه نحو الجرح الشخصي من دون أن تتخلى عن الجمعي، والأدق أنها أعادت اكتشاف الجمعي من خلال الفردي، واكتشفت الوطن في الذاكرة، والذاكرة في الذات، والذات في اللغة، وهنا تكمن إحدى أكثر خصائصها دلالة، ففلسطين عند علوش ليست خريطة فحسب، والقدس ليست مدينة فحسب، والشهيد ليس غائبًا فحسب، والحب ليس علاقة فحسب، والقصيدة ليست كلاماً فحسب، وكل شيء يتحول إلى أثر، ولهذا يمكن اقتراح «شعرية الأثر» بوصفها مفهوماً نقدياً مركزياً في قراءة تجربته؛ فالأثر هو المسافة بين ما كان وما بقي، بين الحضور والغياب، بين التجربة واللغة، بين الواقع والذاكرة، إنه العلامة التي لا تعيد الشيء، لكنها تمنع اختفاءه الكامل، ما يبقى من الوطن في الذات، وما يبقى من الغائب في الذاكرة، وما يبقى من الحب بعد انطفائه، وما يبقى من المكان بعد الرحيل، وما يبقى من الطفولة حين يصير الزمن ماضياً، وما يبقى من الإنسان بعد موته، وكل ذلك لا يبقى لأن الواقع استطاع أن يحفظه، وإنما لأن القصيدة منحته إمكانية أخرى للوجود.
ومن هذه الزاوية فإن محمد علوش لا يكتب عن الغياب بقدر ما يحاول مقاومة آثاره، ولا يكتب عن الذاكرة بقدر ما يعيد بناءها، ولا يكتب عن فلسطين بقدر ما ينقلها من جغرافيا المكان إلى جغرافيا اللغة، وهنا، تحديداً، تتشكل شعرية تجربته الأكثر نضجاً: حين لا تعود القصيدة مرآة لما هو موجود، ولا مجرد سجل لما حدث، وإنما تصبح فضاءً مستقلاً يعيد ترتيب العالم وفق قوانين الذاكرة والحلم والحب والموت والضوء.
إن القصيدة، في النهاية، ليست عند علوش ما يقوله الشاعر عن العالم، وإنما ما يبقى من العالم بعد أن يعبر في الشاعر، وهذا الباقي هو الأثر، والأثر، حين يتحول إلى لغة، لا يعود مجرد علامة على الغياب، بل يصبح شكلاً آخر من أشكال الحضور، ومن هنا تبدأ شعرية محمد علوش الحقيقية: من اللحظة التي يتحول فيها الجرح إلى ذاكرة، والذاكرة إلى لغة، واللغة إلى قصيدة، والقصيدة إلى عالم يستطيع أن يحتفظ بما عجز الواقع عن الاحتفاظ به.
⦁ نعيم الفقيه – ناقد وباحث لبناني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.