12:43 مساءً / 12 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

لغة النقد وظلال السرد: حوار معرفي مع الباحثة والكاتبة ميساء وهبة

لغة النقد وظلال السرد: حوار معرفي مع الباحثة والكاتبة ميساء وهبة

شفا – لغة النقد وظلال السرد: حوار معرفي مع الباحثة والكاتبة ميساء وهبة – حوار:عطا درغام


تتحرك الكاتبة والباحثة السورية ميساء وهبة في منطقة معرفية بالغة الخصوصية، حيث يلتقي وعي الناقد بالمبدع. في هذا الحوار المكثف، نغوص في عوالمها القصصية والبحثية والنقدية، لنفكك معاً أسرار بنيتها السردية، ومقارباتها النسقية، واشتباكها المعرفي مع قضايا الهوية والتاريخ والذاكرة، بعيداً عن الأنماط الحوارية التقليدية السائدة.

المحور الأول: تقنيات السرد القصصي وبنيته (حوارية الصوت والزمن)
•1- في نصوصك القصصية، يلاحظ المتلقي انحيازاً لتقنية تعدد الأصوات (البوليفونيا)؛ كيف تفصلين بين صوتك الخاص كمؤلفة وصوت الشخصية لتمنحيها وعيها المستقل؟

تعدد الأصوات بالنسبة لي ليس مجرد مصطلح نقدي أطبقه، بل هو بالأساس موقف إنساني وأخلاقي تجاه أبطال قصصي. لكي يتنفس العمل الدرامي يجب أن يتحرر النص من هيمنة صوت الكاتبة أو آرائها الشخصية. عندما أبدأ السرد، أمارس نوعاً من الإنصات الواعي لأبطالي؛ أتنحى جانباً وأمنح كل شخصية حريتها الكاملة لتبني منطقها النفسي الخاص وتتحدث بلغتها الممتدة من بيئتها، حتى وإن تصادمت أفكارها مع قناعاتي الشخصية كمؤلفة. الفصل يحدث عندما أحترم حق الشخصية في الخطأ، وفي التناقض، وفي الصراخ بوجه واقعها، بدلاً من تحريكها كدمية تنطق بأفكاري.

2- • تتخلين في كثير من الأحيان عن الزمن الكرونولوجي (الخطي) لصالح الزمن النفسي المتقطع. كيف تخدم هذه اللعبة الزمنية هواجس شخوصك؟

أنا لا أفرض على الزمن حركة هندسية جافة تكبح انسياب المشاعر، بل أترك الزمن النفسي للمشاعر يتشكل بتلقائية. في الوقت ذاته، تعمل خلفيتي في كتابة السيناريو كـوعي باطني خفي يضمن عدم تشتت المعمار الدرامي، ليتحرك الزمن النفسي المتقطع بحرية ولكن داخل بؤرة درامية متماسكة.”

•3 • المفارقة السردية عندك ليست مجرد مفاجأة في نهاية النص، بل هي بنية درامية ممتدة. كيف تبنين هذه الفجوة الدلالية بين ما تدركه الشخصية وما يعرفه القارئ؟

في فهمي للبناء الدرامي، المفارقة ليست خدعة مجانية أو صدمة أؤجلها للسطر الأخير لإدهاش القارئ ثم تنتهي؛ بل هي خيط خفي يُنسج في بنية النص منذ بدايته. أبني هذه الفجوة الدلالية من خلال منح القارئ زاوية رؤية أوسع وأشمل مما تملكه الشخصية الغارقة في أزمتها أو وهمها. هذا يمنح المتلقي دورالقارئ الشريك؛ فهو يراقب بوعي تحولات البطل ويقيس المسافة بين ظاهر الأحداث وباطنها، مما يدفعه لإعادة قراءة القصة وتأمل العلامات والرموز التي زُرعت بعناية خلف انفعالات الأبطال.

•4 • تؤدي التفاصيل الهامشية أو الأشياء الصغيرة في قصصك دور العدسة المكبرة للمأساة؛ ما هي فلسفتك في تحويل “الهامشي” إلى مركز ثقل دلالي؟

المآسي الإنسانية الكبرى لا تعلن عن نفسها دائماً بالصراخ، بل تختبئ بهدوء في التفاصيل اليومية البسيطة وفي ملامح العابرين. هذه التفاصيل لم أخترعها بل لمستها وعشتها؛ رأيتها في نظرة دامعة لفتاة تحكي قصتها بضحكة مصطنعة، حين سألتها عن اسمها فقالت بوجع: («أنا ما عندي اسم ولا وجود.. ولدت بعد وفاة أختي بشهرين، وأبي أطلق عليّ اسمها لتبقى موجودة بينهم.. هي عاشت وأنا متّ!»)، ولمستها في نظرة طفل يكسره الألم وهو يذكّر حاله بأنه («ابن البطل»)، بينما تحرقه غصة عتب على أمه التي تركته لتبحث عن حماية.
هذه التفاصيل الهامشية في ظاهرها (ضحكة كاذبة أو غصة طفل)، هي الباب الحقيقي والدقيق للدخول إلى عمق الوجع الإنساني، وتحويل الجزيئي البسيط إلى مركز ثقل دلالي يحمل المأساة كلها دون تزويق.

•5 • نلاحظ في بعض النصوص انتقالاً سَلساً بين ضمير الغائب وضمير المتكلم (انزياح الراوي)؛ ما الحِرفية الفنية التي يتطلبها هذا التداخل دون إرباك القارئ؟
أنا لا أنظر للضمائر كقواعد جافة أثناء الكتابة، بل أراها تشبه حركة الكاميرا ومسافة القرب أو البعد الإنساني من الشخصية.أحياناً أجد نفسي مدفوعة للحلول في عمق الشخصية، أتنفس وجعها وأتحدث بلسانها عبر ضمير المتكلم ليكون البوح عارياً ومباشراً دون حواجز؛ وفي لحظات أخرى، أشعر بالاحتياج للابتعاد خطوة كـ راوٍ غائب لأسمح للقارئ بأن يرى المشهد كاملاً ويتأمل الحكاية من زاوية أوسع.كما في قصة (عريّ من طين) حيث تبدأ الأحداث برصد حيادي بارد للغرفة والزر الصدفي من الخارج، قبل أن تنزاح الكاميرا السردية فجأة لتذوب في صراخ البطل الداخلي ووعيه المأزوم بضعف طينته أمام صلابة الواقع.البراعة الفنية بالنسبة لي ليست استعراضاً لغوياً، بل في أن يتدفق هذا الانتقال بين الضمائر بنعومة تتبع النبض الانفعالي للشخصية دون أن يشعر القارئ بأي إرباك أو افتعال.

المحور الثاني: المقاربات الجمالية والمنجز النقدي

  • 1- تقترب قراءاتك النقدية للنصوص المعاصرة من المنهجية النسقية والتأويلية. كيف توازنين بين صرامة المنهج النقدي وعاطفة التذوق الأدبي؟
    أفضّل دائماً لقب القارئة الواعية على لقب الناقدة بحمولته الأكاديمية الجافة؛ لأن النقد الصارم بمفرده قد يفقدنا متعة الغوص في عوالم النص. عندما أتناول نصاً، لا أقرأ بصفتي سلطة تُصدر أحكاماً، بل ككائن حي يتحرك داخل العمل ويتألم لوجع الشخوص. التوازن يحدث عندما أترك روحي تعيش التجربة الجمالية كاملة أولاً، ثم يأتي وعيي النقدي والسيميائي ليرشح هذه الانفعالات ويترجمها إلى تفكيك يُضيء جوهر العمل. أنا لا أوفق بين صرامة وشاعرية كعنصرين متضادين، بل أترك المنهج ينبع بتلقائية من رحم التذوق الوجداني الرفيع.
  • 2- تتعاملين مع “التناص” بوصفه فضاءً حوارياً حياً لا مجرد استدعاء تراثي أو اقتباس. كيف يسهم التناص في إثراء الطبقات الدلالية للنص الحداثي برأيك؟
    التناص بالنسبة لي ليس مجرد استدعاء تراثي أو استعراض للثقافة؛ بل هو طاقة حية وشغف تناديني به الكلمات من داخل النص. عندما يتناص النص الحداثي مع الرموز التاريخية أو الأسطورية، فهو يفتح طبقات دلالية تجعلني أتماهى مع القراءة وأرى بعين الروح ما خلف السطور. التناص يحول النص إلى فضاء حواري تتشابك فيه الأزمنة والرؤى؛ حيث يستشعر القارئ أن الكلمة الحاضرة تحمل في أحشائها أصداء نصوص سابقة، مما يمنح المنجز الأدبي اتساعاً وجودياً يتجاوز لحظته الزمنية.
  • 3-في ظل الانقسام حول ثنائية الشكل والمضمون؛ كيف تبرهن دراساتك النقدية على الاندماج العضوي بينهما، وأنه لا وجود لفكرة خارج قالبها اللغوي؟
    لا يمكن فصل الفكرة عن قالبها اللغوي؛ فالشكل والمضمون هما وجهان لعملة إبداعية واحدة. أؤمن أن المعنى يتخلق في ثنايا التشكيل اللغوي والسيميائي، والنص لا يكتمل ولا يكتسب وجوده الفعلي إلا عندما يمر بعين وعقل قارئ مشارك. في قراءاتي النقدية، لا أضع أحكاماً نهائية أو قاطعة وكأنني أمتلك الحقيقة المطلقة، بل أفكك كيف ألبس الكاتب فكرته ثوباً لغوياً يخدمها. أترك مساحات بيضاء وفجوات لأنني أثق بحرية القارئ في التأويل؛ فجمال الأدب يكمن في أن يقرأ شخصان النص نفسه، فيرى كل منهما انكساراً أو أملاً مختلفاً بناءً على تجربته الإنسانية.
  • 4- تؤكد نظريات التلقي الحديثة على دور “القارئ المنتج”؛ إلى أي مدى ترين أن القارئ العربي اليوم قادر على فك شفرات النصوص المتعددة وتأويلها؟
    القارئ العربي اليوم يمتلك حساسية عالية ووعياً متجدداً يجعله قادراً على فك شفرات النصوص وتأويلها متى ما احترم الكاتب ذائقته. إن القارئ المنتج ليس مجرد متلقٍ سلبياً، بل هو صانع ثانٍ للمعنى ومكمل للعمل الأدبي. النص الذكي هو الذي يمارس المخاتلة الروائية ويرمي بالدلالات بين السطور، ليغري القارئ بالسباحة في أعماقه وتحويل العلامات المغلقة إلى طاقات تأويلية مفتوحة، مما يجعل عملية القراءة فعل خلق وإعادة إنتاج مستمرة.
    • 5 يتحول الرمز في نقدك من إشارة مغلقة إلى طاقة إيحائية متجددة. ما هي المعايير التي تفصل بين الرمز الفني الناضج والغموض العبثي في النص المعاصر

المعيار الفاصل بالنسبة لي يكمن في مدى قدرة الرمز على أن ينادي المتلقي ويفتح له رحلة تأويلية ذات معنًى، بدلاً من أن يكون مجرد غموض عبثي مغلق للاستعراض. عندما أقرأ، لا أحمل مسطرة نقدية جامدة، بل أترك العلامات النقدية تناديني؛ فالرمز الناضج لا يقتصر على مفردة أو مجاز صريح، بل قد يتسرب ليشمل اللغة، المشهد، أو التفصيلة الهامشية: اللغة كرمز: أحياناً تتحول اللغة نفسها إلى بطل كلي يرمز بقسوته وإيقاعه إلى مأساة النص، كما في قراءتي لرواية المئذنة البيضاء.
المشهد والفن كرمز: قد يتجسد الرمز في مشهد بليغ يتجاوز حدوده المكانية، أو في استخدام “الفن” كلغة بديلة للتعبير عن الإنسان المختلف، كما في رواية مختلف للدكتور أشرف، أو التكثيف الجمالي للمشهد كما في لحظات لا غير.
الشخصية والتفصيلة: تارة تستفزك الشخوص التي تبدو غير نامية لتكتشف عمقها بصلتها بالثريا النصية كما في أغالب مجرى النهر، أو تناديك تفصيلة هامشية مثل “الحذاء الرياضي” في فهل كنت نذلاً، أو يغريك العنوان بمخاتلته الفكرية كما في ختان الزهور.
الرمز الناضج—سواء كان مفردة، مشهداً، أو لغة—هو الذي يتخلق من رحم النص ويملك طاقة إيحائية تكشف أسرارها للقارئ الشريك، بينما الغموض العبثي هو جدار جاف يقطع التواصل ولا يحمل أي ثقل دلالي.

المحور الثالث: البعد الفكري والثقافي في البحوث

  • 1- تجمع بحوثك الثقافية بين المقاربة الأنثروبولوجية والتحليل السوسيولوجي. كيف يسهم هذا الدمج في تفكيك بنى السلطة والعادات في مجتمعاتنا؟
    الأدب والفن في نظري هما السجل الأصدق لروح الناس. أنا أؤمن أن أي مجتمع يمكنك معرفة خفاياه من خلال ما يكتبه شعراؤه وكُتّابه، وحتى من مسلسلاته وسينمائه. هذه الفنون تكشف لنا كيف تحولت العادات والتقاليد والعشائرية في كثير من الأحيان إلى سجون غير مرئية تُكبل الإنسان وتمنعه من أن يفكر أو يختار بحرية. قراءتي للنصوص لا تنفصل عن هذا الفهم؛ أحاول دائماً الغوص تحت السطح لأفهم الوجع الخفي للشخصيات الرازحة تحت حكم العادات والتقاليد. الأدب الحقيقي هو الذي يملك الشجاعة ليقشر هذه الطبقات القديمة، ودوري أن أسلط الضوء على هذا الوجع لنساعد الإنسان على التحرر منه.
  • 2- تطرحين مفهوم الهوية بوصفها سيرورة ديناميكية متحولة وليست جوهراً ثابتاً. كيف تشتبك أبحاثك مع تحولات الهوية العربية في زمن العولمة والأزمات؟

الهوية بالنسبة لي ليست بطاقة شخصية جامدة ولا قيداً نولد به ونبقى فيه، بل هي مثل نهر يتدفق ويتغير مع كل تجربة وصدمة ووعي جديد نكتسبه. في مجموعتي القصصية (خارج القيد الوجودي) وقراءاتي، أرى أن الحروب والأزمات التي مررنا بها هزّت مفاهيمنا القديمة عن الانتماء. الكتابة هنا تصبح المساحة الحرة التي نعيد فيها اكتشاف أنفسنا بعيداً عن التعصب والقيود الضيقة. الهوية في زمن العولمة والأزمات تضعنا بين خيارين: إما أن ننغلق على أنفسنا بخوف، أو نذوب تماماً. وأنا أرى أن الحل هو أن نتمسك بذاكرتنا وجذورنا، وفي الوقت نفسه نكون منفتحين على العالم ونتغير للأفضل دون خوف.

  • 3- كيف يستجلي وعيك البحثي التداخل المعقد بين “العقلانية والأسطورة” في الوعي الجمعي العربي، خاصة في أوقات التحولات الكبرى؟
    الناس في أوقات الصدمات والتحولات الكبرى يهربون أحياناً إلى الغيبيات لأن الواقع أشرس من أن يتحمله العقل. الحرب والأزمات المتعاقبة تركت جروحاً غائرة في ذاكرتنا المشتركة، لكن الأدب جاء ليرمم هذه الجروح. عندما نلتفت بوعي لقصص الناس البسيطة كما في قصة ‘استيطان الجحيم’ التي تفكك أثر القهر والنزوح على النفس، أو ‘قطيع البلاستيك’ التي تبرز تحول المشاعر الإنسانية إلى آلات وسلع صماء نكتشف أن ألمنا الإنساني واحد. الأدب يجمع هذه الشظايا لأنه يذكرنا بأننا ضحايا لمأساة واحدة، وفهم هذا الألم وقبوله هو بدايتنا للتصالح والتعافي.
  • 4- تقيمين اشتباكاً معرفياً مع الخطابات الحداثية وما بعد الحداثية؛ كيف يمكن للباحث العربي تغريب هذه المناهج وتوظيفها دون السقوط في فخ التبعية الفكرية؟

أنا لا أتعامل مع نظريات الحداثة وما بعد الحداثة كقوالب إسمنتية صلبة نُسقطها قسراً على النص، بل كـ أدوات تفكيك مرنة وسياقية. الإبداع والنقد بالنسبة لي يولدان من روح الإنسان وواقعه المعاش، لا من المقولات النظرية المعلبة. مشكلة بعض الطروحات النقدية أنها تطبق المناهج الغربية بحذافيرها على واقعنا بآلية جافة، فتنفصل عن أوجاع الناس الحقيقية. والمنهج النقدي لا يكتسب مشروعيته الحقيقية إلا حين يستوعب خصوصيتنا الاجتماعية والوجدانية؛ فعندما ننطلق من إنساننا ونبض ألمنا الخصوصي، نصنع وعينا المعرفي والجمالي الخاص الذي يشبهنا بعيداً عن التبعية والتقليد الأعمى.

  • 5- تؤطرين دور المثقف بوصفه “مثقفاً عضوياً” مشتبكاً مع الواقع. ما هي حدود مسؤولية المثقف الأخلاقية عندما يواجه أزمات حضارية خانقة؟
    الأدب الذي يحبس نفسه داخل فكرة سياسية أو حزبية يموت سريعاً وتتحول كلماته إلى منشورات باردة. الكاتب والمثقف الحقيقي في رأيي هو من يلتزم بـالإنسان أولاً؛ بألمه، وحريته، وتفاصيله الصغيرة، وعيوبه المنسية. مسؤولية المثقف الأخلاقية في الأزمات أن يقول الحقيقة ويرفض التزييف، وأن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم بدلاً من أن يكون بوقاً لأي جهة. عندما ننتصر للإنسان وأزمته وننقل وجعه بصدق، نحن نعبر عن المجتمع كله بأمانة أكبر بكثير من الخطابات والشعارات السياسية الجافة.

المحور الرابع: اشتغالات الذاكرة والتاريخ في الأدب

  • 1- كيف يعيد قلمك صياغة التاريخ الرسمي (الأرشيفي البارد) وتحويله إلى ذاكرة سردية حميمة تتنفس من خلال يوميات البشر العاديين؟
    أنا لم أكتب قصصاً تاريخية قديمة غارقة في الماضي، بل كتبتُ عن أوجاع عشناها ونعيشها اليوم؛ كتبتُ عن معاناة الطفولة من واقع الحرب في بلدي سوريا. هذه القصص لم تكن يوماً بهدف التأريخ الأرشيفي الجاف، بل صِيغت لتسليط الضوء على الخاسر الأكبر في أي حرب.. وهو الإنسان، وأولهم الطفل. الأخبار والتقارير الرسمية تحول الكوارث والمآسي إلى أرقام وإحصائيات باردة وصامتة، أما الأدب فيعيد نبض الحياة والدموع إلى هذه الأرقام؛ فحين أكتب عن غصة طفل يحترق ألماً أو يعتب على أمه، أنا أحول الحدث من مجرد خبر عابر إلى ذاكرة سردية حميمة وموجعة تتنفس. قراءة الأحداث من خلال الأدب أراها أصدق بكثير من كتب التاريخ الرسمية؛ لأن تلك الكتب غالباً ما تنتصر للسياسة والقادة، أما الأدب الصادق فلا ينتصر إلا للإنسانية العارية من أي زيف.
  • 2- يحضر “المكان الأول” في نصوصك كحامل للذاكرة الجمعية ومعادل موضوعي للزمن الضائع؛ كيف تتجاوز جغرافيا المكان حدودها لتصبح فضاءً روحياً؟
    المكان الأول بالنسبة لي ليس مجرد حجارة أو إحداثيات جغرافية صامتة، بل هو الخريطة الأولى التي تشكلت عليها حواسنا ووعينا بالوجود. في إحدى قصصي، كتبتُ عن بيت جدي القديم في حي “القيمرية” بدمشق، ذلك البيت المترع بعبق الذكريات والذي تحوّل اليوم إلى مطعم شعبي تجاري؛ حيث يلتقي الغرباء في مكان كان يوماً حضناً عائلياً دافئاً. عندما يحضر المكان في السرد فهو لا يرسم الجدران الصماء، بل يستحضر روح المكان والزمن الضائع الذي عاش فيه. المكان يتحول هنا إلى فضاء روحي ومعادل موضوعي للفردوس المفقود؛ يتجاوز حدوده الحجرية ليصبح رمزاً للأمان والأصل الشفيف الذي نحمله في أرواحنا أينما ارتحلنا، حتى لو تغيرت وظيفة المكان أو طاله الخراب في الواقع.
    3- تتداخل الذات الفردية في قصصك لترشح الوجع الجماعي؛ كيف تصنعين من ألم الشخصية الواحدة مرآة تعكس انكسارات مجتمع بأكمله؟
    الفرد هو الخلية الأساسية للمجتمع، والوجع الجمعي ليس سوى حاصل جمع آلامنا الفردية المكتومة. عندما أعمّق الحفر في التجربة النفسية لشخصية واحدة في قصصي—كما في ‘سر ضارس’ حيث يتحول ألم الضرس البسيط إلى رمز لقهور اجتماعية ومكبتوات عميقة، أو في ‘كافور الجنون’ حين يتماهى الوجع الوجداني الفردي مع الانكسار الجمعي وتلاشي الأمان—أنا أصل إلى النواة المشتركة التي نتقاسمها جميعاً. الألم الخاص، حين يُكتب بصدق وبناء فني متماسك، يتحول تلقائياً إلى مرآة يرى فيها القارئ انكساره الخافي، فيغدو وجع البطل الواحد انعكاساً لمأساة مجتمع بأكمله.”
    -4يُعد استنطاق «المسكون عنه والمكبوت التاريخي» ركيزة في مشروعك. ما هي التحديات التي تواجه المبدع عندما يحاول كسر طوق السرديات الأحادية؟
    المسكوت عنه بالنسبة لي ليس شعارات براقة، بل هو ذلك الوجع المسكوب في العتمة؛ التابوهات الاجتماعية والنفسية، والمصائر الفردية المنسية التي تتجاهلها السرديات الأحادية والرسمية. التحدي الأكبر لا يكمن فقط في مواجهة سلطة الرقابة والمجتمع، بل في مواجهة «الرقابة الداخلية» والتخوف من التفكير خارج الأطر الجاهزة. عندما كتبتُ قصصاً مثل (استيطان الجحيم)، أو عندما أمارس تفكيكي السيميائي لنصوص أدبية تحاكي قضايا شائكة كما في قراءتي لـ (ختان الزهور) كان التحدي هو امتلاك الشجاعة الفكرية والأخلاقية لتفكيك هذه العلامات، ونبش المكبوت النفسي والاجتماعي دون خوف من الأحكام المسبقة. كسر السردية الأحادية يتطلب من المبدع والناقد أن يكون حارساً للذاكرة الحقيقية؛ يعيد الصوت لمن سُلب منهم الكلام، ويجبر القارئ على مواجهة المرايا التي يتحاشى النظر إليها.”
    5- كيف تتجاوزين التوثيق الأرشيفي الجاف لصالح “شعرية المكان والزمان” في استرجاع الذاكرة السورية والعربي

التوثيق الأرشيفي الجاف يكتفي برصد الخراب وإحصاء الدمار، أما «شعرية المكان والزمان» فتقوم على استحضار الحياة التي كانت تنبض داخل هذا المكان قبل أن يطاله الخراب. أنا أسترجع الذاكرة السورية والعربية من خلال تفاصيل روحية وحسية صغيرة: عبق رائحة الياسمين، حركة الضوء على جدار قديم، طقوس الأيام العادية، ونبرات أصوات أناس غابوا لكن أداءهم الصوتي لا يزال يتردد في أرواحنا. هذه التفاصيل الشاعرية والبسيطة هي التي تمنح الذاكرة الحصانة ضد النسيان، وتجعل الحكاية تعيش حية في قلب القارئ ولا تندثر.

المحور الخامس: الجماليات اللغوية والتشكيل الإيقاعي

  • 1- لغتك السردية مشحونة بـ “الانزياح الدلالي” الذي يخرج المفردات من سياقها المعجمي. كيف تمنعين هذا الانزياح من الانزلاق نحو التجريد اللغوي غير المفهوم؟

الانزياح الدلالي بالنسبة لي ليس تحليقاً في التجريد المبهم ولا استعراضاً لغوياً معقداً، بل هو محاولة بليغة لتقريب الوجع الإنساني الذي تعجز اللغة المعجمية النمطية عن رصده. لكي لا ينزلق النص نحو الغموض المغلق، أحرص دائماً على ربط المفردة بالتجربة الحسية والعاطفية الملموسة؛ ففي قصتي “خطأ نحوي في جملة عسكرية” مثلاً، لم يكن الانزياح مجرد لعبة لغوية، بل وظفتُ قواعد النحو وقسوة القالب المعجمي الجاف لتتحول داخل السياق إلى معادل ينبض بالقهر والوجع الإنساني، ليغدو “الخطأ النحوي” رمزاً لانكسار وجودي أكبر وأعمق داخل النص. أنا أمد الكلمة بأبعاد جديدة تستمد حيوية اشتقاقها من روح المشهد وواقعه، ليبقى الخيال متصلاً بقلب القارئ وشعوره الحي قبل عقله الأكاديمي؛ فالهدف الأساسي هو أن يشعر المتلقي بالمعنى ويتأثر به قبل أن يحلله.

  • 2- الإيقاع الداخلي للجملة عندك يتغير بتغير الحالة النفسية للشخصية. كيف يتحكم التوتر الشعوري في طول الجملة وقصرها ووقفاتها النثرية؟
    أنا لا أزن الجمل بمسطرة النحو أو قواعد التنقيط الجافة أثناء الكتابة، بل أترك إيقاعها يتبع التنهيدة النفسية للبطل. حين تعيش الشخصية لحظة قلق أو خوف أو صدمة وجودية، تأتي الجمل قصيرة، متلاحقة، ومقطوعة كأنفاس خائفة تسابق الوقت. وحين تغرق في الحنين أو التأمل، تتمدد الجملة وتطول وتتباطأ وقفاتها النثرية لتعكس ثقل اللحظة وشرود الذهن. الإيقاع السردي عندي هو بمثابة البصمة الصوتية والنفسية لأبطالي.
    1. توظفين الصورة البصرية والمجاز الكلي لخلق معادلات موضوعية للمشاعر؛ كيف يتحول الحزن أو الخوف المجرّد إلى مادة محسوسة (كالمطر أو الجدار) في مشهدك السردي؟

يتحول الشعور المجرد في مشهدي السردي إلى مادة محسوسة عبر تقنية التجسيد الحسّي (المعادل الموضوعي)؛ حيث أنقل العاطفة من خانة “الوصف الكلامي المباشر” إلى خانة “العين واللمس”، لتصبح الفكرة كائناً أو جماداً يتحرك داخل النص. يحدث هذا التحول حين أمنح الخوف أو الحزن أو الغياب كتلة، وقواماً، ورمزيّة مادية يراها القارئ ويستشعر ثقلها: يتجسد الحزن والعزلة كـ “جدار شفاف” يفصل الشخصية عن عالمها. تجمد قسوة الغياب وبرود الذاكرة في قطعة صلبة مثل “زر قميص صلب” في عريٌّ من طين. وتنسكب الذاكرة البديلة والوجود في مادة ملموسة مثل “قارورة عطر” تفوح منها الأطياف. بهذه الطريقة، لا يقتصر دور الصورة البصرية على التزيين، بل تفتح نافذة تجعل القارئ ينفذ إلى عمق المأساة؛ فلا يكتفي بأن يقرأ عن الألم، بل يراه ويلمسه ويتنفس حواسه داخل المشهد.

  • 4- بين لغة النقد الصارمة ولغة السرد الشاعرية؛ كيف تروض ميساء وهبه أدواتها اللغوية لتنتقل بين الضفتين دون أن تطغى إحداهما على الأخرى؟
    أنا لا أروض لغتي بقسوة أو افتعال، لأنني ببساطة لا أدخل إلى النص النقدي بصفتي “ناقدة صارمة”، بل بصفتي “قارئة واعية” عاشقة للأدب. حين أكتب قصصي، أتكلم بلسان القاصة الشاعرة التي تعيش وجع الشخوص وتتماهى مع إحساسهم العاري. وحين أتناول نصاً بالتحليل النقدي، أترك الشاعرية تضيء النص دون أن تجرده من وعيه السيميائي. الضفتان عندي تندمجان بنعومة؛ فالشاعرية تمنح التحليل روحاً وحرارة، والوعي السيميائي يمنح السرد تماسكاً وعمقاً.
  • 5- أخيراً، إلى أي مدى ترين أن الإيقاع النثري في القصة القصيرة المعاصرة قادر على تعويض غياب الوزن العروضي والشعري التقليدي؟

الإيقاع النثري ليس بديلًا تعويضيًا لسد غياب الوزن الشعري، بل هو موسيقى خاصة تنبع من إيقاع الروح ونبض الموقف الدرامي. القصة المعاصرة لم تعد بحاجة لقوالب العروض الجافة لتكون بليغة؛ فاللغة في النص المكثف هي “المسرح” و”الممثل” في آن واحد، والكلمة كائن حي يحمل شحنته السيميائية وجرسه الخاص. النثر السردي ينسج موسيقاه الداخلية من خلال أدوات بسيطة وعميقة. اختيارمفردات جملة لصوتها وجرسها بجانب معناها القاموسي، مما يجعل للعبارة رنينًا يمس الحواس. التنقل المرن في طول العبارات بناءً على حرارة الحدث والنبض الشعوري للشخصية. يمنح الإيقاع النثري روح القصة مساحة لتتنفس بحرية، فتصل إلى القارئ بشعرية عالية وحميمية أعمق.

شاهد أيضاً

المهندس منير سعد

لكي لا يضيع شيء: الأمن الغذائي بين البركة والمسؤولية ، بقلم : المهندس منير سعد

لكي لا يضيع شيء: الأمن الغذائي بين البركة والمسؤولية ، بقلم : المهندس منير سعد …