
هل أوروبا تضحك علينا أم تستصغر عقولنا؟ بقلم : أحمد سليمان
كلما تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية تتحرك أوروبا بالإدانة وأحيانًا بفرض عقوبات على أفراد أو مجموعات.
لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا تقول أوروبا بل ماذا تفعل؟
فالمحاسبة لا يمكن أن تبدأ بالمستوطن وتنتهي عنده بينما تبقى الدولة التي تسمح بالاستيطان وتوسعه وتوفر له القرارات والتمويل والبنية التحتية والحماية خارج دائرة العقوبات.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل أوروبا تضحك علينا أم تستصغر عقولنا؟
نعم، يجب معاقبة المستوطن الذي يعتدي على الفلسطينيين، لكن الاستيطان ليس مشروع أفراد. فالمستوطن لا يصادر الأرض بقرار دولة، ولا يخطط وحده لبناء المستوطنة، ولا يشق الطرق ويوفر البنية التحتية والحماية. إنها منظومة سياسية ومؤسساتية متكاملة، ولذلك فإن المحاسبة يجب أن تبدأ بالسياسات والمسؤولين والمؤسسات التي تقف خلفها، لا أن تقتصر على من ينفذ الاعتداء على الأرض.
إذا كانت أوروبا تعتبر المستوطنات غير قانونية وفق القانون الدولي، فعليها أن تتعامل مع المسؤولية على هذا الأساس. فلا يكفي فرض عقوبات على مستوطنين بينما تستمر العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل دون أن يترتب على استمرار سياسات الاستيطان ثمن حقيقي.
ويزداد التناقض عندما تتمسك أوروبا بحل الدولتين بينما تتآكل الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية بفعل الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقطيع التواصل الجغرافي الفلسطيني. فلا يمكن الدفاع عن حل الدولتين وترك مقوماته تُقوَّض على الأرض.
ومن الإنصاف القول إن أوروبا ليست موقفًا واحدًا. فهناك دول اعترفت بدولة فلسطين، وهناك حكومات وبرلمانات وأحزاب اتخذت خطوات أكثر تقدمًا. لكن الاختبار الحقيقي اليوم هو الانتقال من المواقف إلى القرارات.
على الدول الأوروبية التي لم تعترف بدولة فلسطين أن تعترف بها، وعلى أوروبا مراجعة علاقاتها واتفاقياتها وامتيازاتها مع إسرائيل عندما تتعارض سياساتها مع القانون الدولي.
وإذا كانت المستوطنات غير قانونية، فإن الخطوة المنطقية هي مقاطعة المستوطنات ومنتجاتها، ومنع استيراد وتسويق بضائعها، ووقف الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، ومنع أي تمويل يساهم بصورة مباشرة في استمرارها أو توسعها.
فلا يستقيم اعتبار المستوطنة غير قانونية ثم السماح لاقتصادها ومنتجاتها بالاستفادة من الأسواق الأوروبية.
كما يجب أن تشمل المحاسبة المسؤولين والمؤسسات المرتبطة بسياسات الاستيطان غير القانونية عندما تتوافر الأسس القانونية لذلك، إلى جانب مراجعة صادرات السلاح والتعاون العسكري وتعليق أي صادرات عندما يوجد خطر من استخدامها في انتهاكات للقانون الدولي.
هذه ليست مطالب انتقامية، بل تطبيق لمبدأ بسيط: من يقول إن القانون الدولي ملزم، عليه أن يقبل بأن لانتهاكه عواقب.
أما الجاليات الفلسطينية في أوروبا، فعليها تحويل هذه المطالب إلى ضغط سياسي منظم على الحكومات والبرلمانات والأحزاب، ومساءلة النواب والمرشحين عن مواقفهم وتحويل قضية الاستيطان من موقف أخلاقي معلن إلى قرارات سياسية قابلة للقياس والمحاسبة.
المطلوب من أوروبا واضح: محاسبة إسرائيل على سياسات الاستيطان قبل اختزال القضية في عقوبات على المستوطنين، والاعتراف بدولة فلسطين، ومقاطعة المستوطنات، ومراجعة العلاقات والاتفاقيات وصادرات السلاح وفق الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي.
عندها فقط يمكن القول إن أوروبا انتقلت من التعامل مع نتائج الاستيطان إلى مواجهة السياسة التي تقف خلفه.
أما إذا بقيت العقوبات تصل إلى المستوطن ولا تصل إلى السياسات والمؤسسات التي صنعت المستوطنة، فسيبقى السؤال قائمًا:
هل تريد أوروبا فعلًا وقف الاستيطان، أم أنها تريد فقط أن تبدو وكأنها تعارضه؟
- أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.