9:43 مساءً / 8 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

“عازف الربع تون الهارب من فخ البكائية.. حسام أبو الحيات في حوار الذاكرة والوتر”

"عازف الربع تون الهارب من فخ البكائية.. حسام أبو الحيات في حوار الذاكرة والوتر"

شفا – حوار:عطا درغام


من رعب الطفولة على حدود جنين، إلى منصات “التيك توك” و”اليوتيوب”، يعبر الفنان الشامل حسام أبو الحيات ممرات الهوية الفلسطينية بريشة انطباعية وقلم يرفض التصنّع ووتر يبحث عن النغمة الشرقية الأصيلة. هو الشاعر الذي ترك الأدب الإنجليزي في “بيرزيت” ليركض خلف شغف الفن في الأردن، وهو الخطاط الذي زينت يداه قبب المساجد وجدرانها، والموسيقي الذي طوّع “الأورج” والعود ليعزف ألحاناً وليدة اللحظة تُغرس في نفوس طلاب المدارس. في هذا الحوار الشامل، نُبحر مع أبو الحيات في محطات مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود؛ لنكتشف كيف تحول من الكاريكاتير الصحفي إلى جماعة “أصيل” التشكيلية، وكيف يرى إرث لوحاته المعلقة على جدران بيته في جنين كشاهد حي على أمل لا ينضب.


المحور الأول: النكبة، طفولة الحدود، وفلسفة الأمل (ضد البكائية)

  1. س: أستاذ حسام، بدأت شهادتك بعبارة لافتة تقول فيها إن “النكبة ولدت معك أو ولدت معها”؛ كيف يتشكل وعي طفل بالنكبة قبل أن يدرسها في الطابور المدرسي؟

تشكل هذا الوعي من خلال إحساسي بالرعب في سن الرابعة والخامسة من عمري، بسبب أحداث لم أكن أعرفها حينها، وهي الغارات الصهيونية على مدينة جنين إبان عهد الحكم الأردني، حيث كانت جنين مدينة حدودية بالنسبة للخط الأخضر.

  1. س: هذا الرعب الطفولي المبكر على خط التماس؛ كيف تجلى وتحول لاحقاً في محطات حياتك اللاحقة؟

تجلى ذلك الرعب تماماً في حرب عام 1967 حيث كنت أعيش جداً ما يحدث، وفي مرحلة الدراسة الإعدادية والثانوية بدأت تلك الأحداث تتسلل إلى محاولاتي الشعرية والفنية التشكيلية بشكل عفوي لأنها كانت جزءاً من حياتنا اليومية.

  1. س: أصدرت ديوانك الأول “إلى الشمس ترنو” عام 1983 أثناء دراستك في الأردن؛ ما الذي كانت تمثله لك “الشمس” في تلك المرحلة المغتربة؟ الديوان كان مزيجاً من الشوق لفلسطين وتعبيراً عن الغضب مما يحدث للأهل هناك، وكانت “الشمس” في ذلك الوقت هي رمز الأمل الذي يصبو ويرنو له كل إنسان فلسطيني.
  2. س: يقع الكثير من شعراء المقاومة في فخ “البكائية” واستدرار العطف بالألم؛ كيف نجت قصائد حسام أبو الحيات ورسوماته من هذا المنزلق؟ ج: لم يصل معنى البكائية الصرفة لقصائدي أبداً؛ لأنني حرصت دائماً على أن يكون هناك مزيج متوازن من الحنين، والغضب، والمقاومة، وبث الأمل المستمر، سواء كان ذلك في خطوط الشعر أو في ألوان الرسم.
  3. س: تؤصل للفن الفلسطيني بأنه متجذر “مثل جذور الزيتون ورائحة النعناع والزعتر”؛ كيف ترى الامتداد التاريخي لهذا الفن؟ الفن الفلسطيني موجود وممتد من قبل عام 1948، فالشاعر إبراهيم طوقان كتب قصائده الشهيرة قبل النكبة، لأن النكبة في الحقيقة ابتدأت من عهد الانتداب البريطاني، وكان فن “الزجل الفلسطيني” حينها هو المنبر الأول للتعبير عن الأحداث، وأنا أرى نفسي امتداداً طبيعياً لهذه المشاعر والثورة.

المحور الثاني: التمرد الأكاديمي، هندسة الديكور، وقواعد الخط العربي
6. س: بعد نجاحك في التوجيهي، التحقت بجامعة “بيرزيت” لدراسة الأدب الإنجليزي لكنك اتخذت قراراً مفاجئاً بتركها؛ ما الذي دفعك لهذا التمرد الأكاديمي؟

تركت الجامعة برغبتي الملحة في دراسة أحد فروع الفن التشكيلي، وللأسف لم يكن هذا التخصص متوفراً في الجامعات الفلسطينية في ذلك الوقت، فقررت المغادرة لولاية شغفي الفني.

  1. س: ترك جامعة عريقة مثل بيرزيت في ذلك الوقت لم يكن أمراً سهلاً؛ كيف استقبل المحيطون بك هذا القرار الباحث عن الفن؟

واجهت استغراباً شديداً وعلامات تعجب من الأهل والأصدقاء، لكني أصررت على موقفي وذهبت إلى الأردن لدراسة الفن هناك.

  1. س: بعد دراسة الفن والديكور، خضت تجربة عمل في شركة ديكور بالسعودية عام 1985 لكنك عدت سريعاً؛ لماذا لم تَرُق لك تجربة الاغتراب المهني؟

عشت هناك لمدة سنة واحدة، ولم ترق لي طريقة العيش والعمل في تلك البلاد، ففضلت العودة إلى أرض فلسطين لأبدأ مساري المستقل.

  1. س: بعد عودتك، افتتحت محلاً يدوياً لعمل اللافتات (الخط العربي)؛ كيف ساهمت هذه الحِرفة التجارية الصارمة في صقل موهبتك التشكيلية؟

هذا المحل اليدوي ساهم بشكل كبير في أن أهتم بالقواعد الأصيلة للخط العربي، وتطور الأمر من مجرد خط لافتات إلى رسم الجداريات، والزخرفة، وكتابة قبب وجدران المساجد، وهو ما أهّلني عام 1995 للتقدم لوظيفة معلم تربية فنية.

  1. س: في لوحاتك التشكيلية، كيف توظف “الحرف العربي”؟ هل هو مجرد تزيين أم له بعد موضوعي آخر؟

الخط العربي يلعب دوراً أساسياً في عناصر بعض لوحاتي؛ فهو يكمل صياغة المعنى جمالياً وموضوعياً، حيث أقوم بتوظيف الحروف وتطويعها لتكون إما عنصراً يعبر عن التراجيديا، أو عنصر سيادة لجذب انتباه المشاهد للّوحة.

المحور الثالث: رحلة الوتر واللحن (من الجيتار الغربي إلى العود الشرقي)
11. س: ننتقل إلى عالم الموسيقى في حياتك؛ كيف كانت البداية ومن أين تسلل حب العزف إلى وجدانك؟

ج: البداية كانت أثناء دراستي في عمان بالأردن، حيث كنت أسكن مع ابن عمي وكان يعزف على آلة "الجيتار"، وبسبب حبي للموسيقى أمسكت الجيتار وبكل سهولة بدأت أعزف بعض الأغاني التي أحبها، ثم تطورت المهارة وانتقلت بعدها للاورج.
  1. س: عند عودتك إلى فلسطين، عملت مع فرقة موسيقية صغيرة في الأعراس وكان لديك جيتار كهربائي، لكنك تراجعيت عنه لصالح الأورج؛ ما هي المشكلة الفنية التي واجهتك مع الجيتار؟ ج: الجيتار آلة غربية بإمكانات تفتقر إلى “الربع ونصف تون”، أي أنها تفتقر إلى النغمة والروح الشرقية الأصيلة، وهذا النقص هو ما جعلني أتراجع عنه وأهتم بآلة الأورج أكثر لتلبية الإحساس الشرقي في الموسيقى.
  2. س: انتقلت بعد ذلك لتعلم “العود” على يد فرقة فلسطينية عريقة من مدينة الناصرة بقيادة المايسترو سهيل رضوان؛ كيف تصف تلك التجربة؟

نعم، كانت “فرقة الموسيقى العربية” وهي فرقة احترافية عريقة كانت تشارك في بعض الحفلات بدار الأوبرا في القاهرة، وتلقيت تعليمي على أيديهم.

  1. س: رغم عشقك للعود، إلا أنك لم تكمل تعليمك الأكاديمي عليه؛ ما الذي حال بينك وبين إتقان هذه الآلة الشجية؟

آلة العود كانت تحتاج إلى وقت طويل جداً للتمرس، وفي تلك الفترة كنت قد توظفت كمعلم في المدرسة بالإضافة إلى إدارتي لعملي الخاص في المحل، ولم يساعدني ضيق الوقت على الإكمال، رغماً عن أمنيتي القديمة بأن أبدع في عزفها.

  1. س: تقول بحسرة: “لو كان صوتي جميلاً لكنت اشتهرت بالأغاني والأناشيد التي كتبتها ولحنتها”؛ كيف تتعامل مع معضلة التلحين الفطري في ظل غياب الصوت المؤدي؟ أنا أرى أن الأناشيد والأغاني التي كتبتها ولحنتها تضاهي أجمل الأغاني في العالم العربي، لكننا هنا في فلسطين نعيش في مجال متخلف ومقيد بسبب الظروف؛ لذا كنت أقوم بتلحين الأغنية في ذات الوقت الذي أصوغ فيه كلماتها، ليكون اللحن وليد اللحظة ومناسباً للنص.

المحور الرابع: الكورال المدرسي، العمل النقابي، والتمرد على الحزبية
16. س: وظفت موهبتك الموسيقية في سلك التعليم من خلال قيادة وفرق الكورال في المدارس؛ ما هي الروح التي كنت تحرص على بثها في قلوب الطلاب؟

كانت معظم الألحان والأناشيد التي أدرب الطلاب عليها وطنية مفعمة بالغضب، وهدفي الأساسي منها هو تأجيج روح المقاومة والتشبث بالأرض وتحدي الاحتلال من خلال جيل وعي.

  1. س: كانت لك تجربة طويلة مع “اتحاد الكتاب الفلسطينيين” لكنك خرجت منها بمرارة وانتقاد لاذع؛ ما الذي اكتشفته داخل هذه المؤسسة؟

اكتشفت أن الاتحاد كان مجرد مؤسسة حزبية أو فئة معينة تخدم مصالح ضيقة، ورغم عضويتي فيه لسنوات طويلة، تبين لي أن مهمتنا بالنسبة للقائمين عليه كانت تنحصر فقط في عملية التصويت بالانتخابات دون تقديم دعم حقيقي للأدباء.

  1. س: هذا الإحباط النقابي لم يمنعكم من التحرك الميداني المستقل في جنين؛ كيف واجهتم هذا الركود المؤسسي؟

قمت أنا ومجموعة من الشعراء في محافظة جنين بتنظيم الكثير من الأمسيات والمهرجانات الأدبية بجهودنا الخاصة، ومنها أمسية شعرية كبرى أقمناها عام 1992 على مسرح سينما جنين.

  1. س: في تلك الأمسية الشهيرة عام 1992، نجحتم في استضافة رمز شعري كبير وهو الشاعر سميح القاسم؛ كيف جرى ذلك العرس الأدبي؟

دعونا الشاعر الكبير سميح القاسم -رحمه الله- وشاركنا بالفعل هذا العرس الأدبي على مسرح سينما جنين، ورغم أن الأمسية كانت تحت رعاية ما يسمى “اتحاد الكتاب”، إلا أن الاتحاد لم يقدم لنا سوى حضور بعض أعضائه فقط كجمهور، بينما الجهد كله كان شبابياً مستقلاً.

المحور الخامس: جماعة “أصيل”، معركة الكاريكاتير، وإرث الجدران الرقمي
20. س: عند عودتك إلى فلسطين عام 1991، شاركت في مهرجان القدس بمسرح الحكواتي؛ كيف كانت الأجواء قبيل إغلاق الحدود؟

شاركت في أمسية شعرية وفي معرض للفن التشكيلي بمسرح الحكواتي عام 91، وكانت تلك الفترة تمثل آخر الأنفاس الحرة في التواصل قبل أن يقوم الاحتلال بإقفال الحدود تماماً وحظر التنقل بحرية.

  1. س: أسست مع مجموعة من فناني جنين جماعة (أصيل) للفن التشكيلي؛ ما الذي حققته هذه الجماعة وأين انتهت شعلتها؟

أقمنا من خلال جماعة “أصيل” مجموعة من المعارض الناجحة في جنين ومختلف مناطق الضفة الغربية واستمرت المجموعة لسنوات، ولكن كعادة العمل الجماعي تحت الحصار خبت شعلتها مع الوقت، وتحول عملي الفني إلى مسار فردي مستقل.

  1. س: تتنقل في لوحاتك بين المدارس الفنية، وتحديداً “الانطباعية” و”السريالية”؛ كيف يخدم هذا المزيج القضية الفلسطينية؟

الانطباعية تنقل واقع الأرض والتراث، والسريالية تمنحني مساحة للتعبير عن التناقضات والتراجيديا الفلسطينية التي تتجاوز حدود العقل الواقعي بسبب بشاعة الاحتلال.

  1. س: خضت معركة “الكاريكاتير” لأكثر من 30 عاماً ونشرت في صحف كبرى كالقدس والدستور الأردنية؛ كيف ترى التحول من الورق إلى عهد الإنترنت؟

بدأت بالنشر في الصحف والمجلات المحلية والعربية أثناء عملي بالسعودية، ومع ظهور عهد “النت” انتقلت للنشر في المواقع الإلكترونية وأصبح لي حساب خاص بالكاريكاتير، وتوّجت مسيرتي الكاريكاتيرية بإقامة أول معرض خاص للكاريكاتير فقط في جنين عام 2022.

  1. س: أصدرت ديوانك الثاني “بوح القوافي” بعد نشاط مكتب وزارة الثقافة مع قدوم السلطة؛ ما هي فلسفتك في صياغة بحور الشعر؟

فلسفتي أن القصيدة الحقيقية غير المصطنعة تأتي من نبضات القلب بشكل عفوي؛ فالشاعر لا يمكنه أن يحدد مسبقاً كل تفاصيل القصيدة أو يفرض عليها بحراً معيناً سواء كانت عمودية أو تفعيلة، العفوية والصدق هما الأساس.

  1. س: ختاماً أستاذ حسام، أنت اليوم متقاعد، تنشر قصائدك وفيديوهاتك عبر “التيك توك” و”الفيس بوك”، وبيتك يمتلئ باللوحات؛ كيف تنظر إلى مصير هذا الإرث البصري؟

نعم، أعمل حالياً في مجال اللافتات والرسوم الجدارية كعمل تجاري شحيح الرزق بسبب الظروف الصعبة في فلسطين وجنين خاصة. أعزف العود لنفسي، وأنشر قصائدي بصوتي مع مؤثرات موسيقية عبر منصات التواصل لتبقى في الأثير، أما لوحاتي فهي تغطي جدران بيتي، وهي الإرث الحقيقي الذي سيبقى لأبنائي من بعدي، ولا أعلم ما سيكون مصيرها في ظل هذا الواقع الحرج.

شاهد أيضاً

محافظ بيت لحم يلتقي مدير النيابة العامة الجديد ويبحث عدد من القضايا المتعلقة بالمدينة

محافظ بيت لحم يلتقي مدير النيابة العامة الجديد ويبحث عدد من القضايا المتعلقة بالمدينة

شفا – التقى المحافظ محمد طه أبو عليا، اليوم الثلاثاء 8/9/2026 في دار المحافظة، السيد …