
شفا – حوار : عطا درغام – فارس القصيدة العمودية.. إضاءات على مسيرة الشاعر محمد الدبلي الفاطمي
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتداخل فيه الأنماط الأدبية بين الحداثة والتجريب، يبرز الشاعر والأديب المغربي محمد الدبلي الفاطمي كحارس لـقلاع القصيدة العربية الأصيلة. لم تمنعه رقمية العصر من التمسك بـجزالة اللفظ وتوازن البحور الخليلية، بل جعل من المنصات الرقمية جسراً يعبر به نحو وجدان القارئ العربي من المحيط إلى الخليج.
بين نفحات المدائح النبوية، ولوعة الوجدانيات، وصوت الهم الاجتماعي، تتشكل ملامح تجربته الإبداعية التي تحمل رسالة إصلاحية واضحة؛ تؤمن بأن الحرف سلاح، وأن البيان موقف.
يسعدنا اليوم أن نلتقي بنهر العطاء المغربي المتدفق، الشاعر محمد الدبلي الفاطمي، لنبحر معه في عوالم قصائده، ونفتش في دفاتر فكره عن سر هذا الصمود الجميل في وجه رياح التغريب الثقافي.
المحور الأول: الهوية الشعرية والتمسك بالأصالة
1.في زمن تتسيد فيه قصيدة النثر، ما الذي يدفعك للتمسك بـبنية القصيدة العمودية الكلاسيكية؟
لا شك في أنّ الهوية الشعرية لدي ترتبط بالأصالة أكثر من ارتباطها بالحداثة.ومعلوم أن الترقيع في نظم الشعر يحط من قيمة اللغة مبنىً ومعنى.ذلك أن الشعر هو ديوان العرب كما جاء في الأثر وما نراه اليوم هو عبارة عن تدني شعوري وثقافي أوصل الأدب إلى الحضيض ،مما جعله لا يماشي وظيفته التي ولد من أجلها
2.هل ترى أن بحور الشعر الخليلية قادرة على استيعاب قضايا إنسان القرن الحادي والعشرين؟
هذا لا يحتاج إلى توكيد ؛فبحور الشعر هي الميزان الذي يتوجب الحفاظ قد المستطاع.ومع الأسف فكل علوم اللغة العربية تخلفت أو كادت تنقرض بفعل إهمالها.والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة، ذلك أن علم النحو مثلا أُهملَ بشكل فظيع ؛مما أثر على بنية اللغة ومستوى تدريسها.وقس على ذلك علم الصرف وعلم الإملاء وعلوم البلاغة، وهلم جرا.
إن اللغة وعاء لمشاعرنا وأفكارنا؛ فإن سلمت سلم التواصل والتحديث، وإن عجز أبناؤها عن الإلمام بها أصبحت لغوا وهرطقة لا محلّ لها في القدرة على الإعراب عما نريد الإفصاح عنه،وكذلك اعتماد بحور الشعر والأوزان والقوافي.
3.من هم أبرز الرواد من الشعراء القدامى أو المحدثين الذين تركوا بصمة في تكوينك الأدبي؟
لا أنكر أن الشعراء القدامى كان لهم تأثير قوي على ناصيتي الأدبية ،ففي أشعارهم وسلامة لغتهم وفصاحة ألسنتهم وجدت نفسي، حتى أنني أكاد أجزم أن الشعر العمودي لا بديل له.فقد صمد قرونا في وجه التحولات وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.إن أبرز الشعراء الذين كان لهم الأثر الكبير في حياتي الأدبية كثر..أذكر منهم عنترة بن شداد وطرفة العبد وعمرو بن كلثوم وامرؤ القيس ونابغة بنو دبيان، كذلك المتنبي والبحتري وأبو تمام ،وأخيرا معروف الرصافي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأبو القاسم الشابي .
4- كيف توفق بين جزالة وقوة اللفظ التراثي وبين سلاسة الفهم لدى القارئ المعاصر؟
الفهم لا يمكن أن نتوفق في صناعته إلا من خلال لغة سليمة مبنىً ومعنىً .وغيرُ ذلك، لن يقرّبنا من الإرتقاء بأسلوبنا اللغوي ،مادام علم النحو في واد ونحن في واد
5.هل تشعر أحياناً أن الالتزام بالوزن والقافية يشكل قيداً على حرية تدفق مشاعرك أثناء الكتابة؟
حينما يكون الذهن مُسلّحا بالأدوات اللغوية السليمة، تأتي السلاسة مطأطئةً رأسها من دون عناء سواء في الشعر أو النثر.
المحور الثاني: التنوع الموضوعي بين الوجداني والاجتماعي
6.تتراوح قصائدك بين المدح النبوي والوجدانيات والهم الاجتماعي، أين يجد محمد الدبلي الفاطمي نفسه أكثر؟ا
الكتابة حاجة ثقافية ووجدانية واجتماعية، يحتاجها المرء للتعبير عن نفسه من خلال تفاعله مع محيطه.وأولُ هذه الحاجات الجانب الروحي وعلاقة الإنسان بمعتقداته.ومدح رسول الله( صلى الله عليه وسلم )من واجباتي كمثقف مسلم .
7.في قصيدتك الشهيرة “دعوا الدهماء”، ما هي الرسالة الفكرية أو الاجتماعية الإنسانية التي أردت إيصالها؟
وما أريد تبليغه للجميع هو الرجوع إلى سلامة اللغة، تعبيراً وأسلوباً.وما لم تلتزم بذلك سنظل دائما خارج التّغطية إلى ما شاء الله
8.كيف تولد قصيدة المدح النبوي عندك؟ وهل تختلف طقوس كتابتها عن بقية الأغراض الشعرية؟
لا اختلاف في البناء ،بل الإختلاف يكون في التفكير .وبقدرما يكون المرء أو الشاعر متعلقا بأمرٍ ما ،بقدر ما يعربُ عن أحاسيسه ومشاعره في الموضوع
9.متى يتحول الهم اليومي للمواطن المغربي والعربي إلى ملهم حقيقي يفرض نفسه على حبرك؟
يأتي الإلهام حينما تفرض الفكرة نفسها على الشاعر، فهو ابن بيئته ،وما يقع في محيطه يؤثر فيه من قريب أو بعيد.
10.هل تعتقد أن قصائد الحب والوجدان في عصرنا الحالي ما زالت تحتفظ بنقائها القديم أم تغيرت مفاهيمها؟
الحبُّ وداد لدى البعض وكمين لدى البعض والتربية، هي التي ترشد الأشخاص فتصنع منهم السعداء وتصنع منهم الأشقياء.
المحور الثالث : الرسالية ودور الأدب كمنبر إصلاحي
11.تؤمن بأن للشعر رسالة مصلحة في المجتمع؛ كيف يمكن للقصيدة اليوم أن تواجه موجات التسطيح الفكري؟
لولا الثقافة كان الناس كلهمُ مثل البهائمِ( علي مسئولية الكاتب)، لا علمٌ ولا أدبُ.إنّ الشعررسالة مصلحة في المجمع، ذلك أن الكلمة قادرة على إحداث التغيير. إذا ما تمّ توظيفها بالطّرق الصحيحة ،وإلاّ فما الفائدة منها.فالعقيدة كلمة والثقافة كلمة والحضارة برمتها كلمة.والكلمة السليمة الصادقة قادرة على تبليغ الرسالة وإحداث التغيير المطلوب.أمّا التسطيح، فسببه الجهل بوظيفة اللغة ،مما يؤدي إلى أن تصبح الكلمة هرطقة وقشو،ر لا تزيد الكلمة إلا هبوطاً وانحطاطا.
12.هل تؤيد مقولة “الفن للأجل الفن”، أم ترى أن الأدب يجب أن يكون دائماً ملتزماً بقضايا أمته؟
الأدب الذي لا يكون مواكبا لمطالب المجتمع وحاجياته، لا يسمّى أدباً بل هو ضربٌ من التفاهة والانبطاح. والأدب يجب أن يكون منصة معبرة عن المجتمع واللسان الناطق باسمه.
13.كيف يمكن للغة والبيان (كما ذكرت في نصك “أتيت من البلاغة بالبيان”) أن يكونا سلاحاً في وجه الأفكار الدخيلة؟
كلما تطورت أساليب التدريس، وكلما أصرّ السّاهرون على التربية والتعليم وجاهدوا في محاربة الجهل حقّ جهاده. كلما استطاعت المدرسة أن تصلح أحوالها قلبا وقالباً.والإصلاح كما أسلفت، يبدأ من سلامة اللسان في مبناه، وفي معناه وحينئذ لا تجد الأفكار الدخيلة منفدا للتشويش والمغالطة.
14.هل تراجع دور الشاعر كــلسان حال مجتمعه في ظل غياب المنابر الثقافية التقليدية؟
من وجهة نظري ،أصبح دور منحرفاً بسبب التفاهة والإنحلال وخدمة الشهوات والموبقات.وهذه هي الأسباب التي حرفت وظيفة الأدب عامة ،ووظيفة الشعر على وجه الخصوص
15.ما هي أسمى قيمة إنسانية تحرص على زرعها في وعي قارئك عبر دواوينك وقصائدك؟
إنّ ما أريد أن أوصله لقرائي ،هو الإخلاص في تعليم الناشئة علماً نافعا ومعرفة مفيدة ،تماشيا مع يفرضه التعليم النافع من متطلبات:
قال الشاعر
وعلّمْ ما اسْتطعت لعلّ جيلاً
سيأتي يُحْدثُ العجب العُجابا
المحور الرابع: الإبداع في الفضاء الرقمي
16.تميزت بـحضور قوي ونشط في المنصات الثقافية الرقمية؛ كيف خدم الإنترنت والمواقع الأدبية قصيدتك؟
هذا أكيد؛ فأنا أومن بمعادلة العرض والطلب الجودة.فالمجتمع العربي عامة ،فقد اللغة العربية مبنىً ومعنىً قلبا وقالبا ،وأصبح يشعر بعطش حاد لكل ما هو فصيح .ولولا بيان القرآن ومتانة بنائه، لكُنا فقدنا لسان الضاد منذ زمن بعيد.
17.هل ترى أن الجمهور الرقمي يمتلك نفس الذائقة الفنية والشعرية لجمهور الأمسيات والكتب الورقية؟
لا ريب أن الجمهور الرقمي مازال في بداية المشوار ،وقد عرى التواصل الاجتماعي ما كان مستورا ،وهو ما يؤثر في وعينا على المستويين المتوسط والبعيد.
18.ما هي أبرز تحديات النشر الرقمي التي تواجه الشاعر المعاصر، خاصة فيما يتعلق بالسرقات الأدبية وحقوق الملكية؟
لا شك أن الصعوبات التي تواجه الشاعر، هي الفوضى والسرقات الأدبية ،وانتشار التفاهة بشكل رهيب ،مما أثّر ويؤثر في السياق الأدبي بشكل عام.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.