
نبض الأرض المقدسة: قراءة روحية للتنوع الحيوي ، بقلم : المهندس منير سعد
يكفي أن نتأمل المشهد الطبيعي في فلسطين حتى نرى حياةً تتوزع بين الجبال والوديان والبراري والحقول؛ طيورٌ تعبر السماء، وحيواناتٌ تتحرك بين الصخور والأعشاب، وقطعانٌ ترافق الإنسان في مراعيه. وقد ترك هذا الحضور أثره في ذاكرة الأرض، فظهرت الحيوانات في الكتاب المقدس منذ قصة الخلق، ثم أصبحت صورها جزءًا من لغة الإيمان، تحمل معاني القوة والوداعة والحكمة والرجاء.
أعلن سفر التكوين أن الله خلق الكائنات الحية، ورأى أن ما صنعه «حسن جدًا» (تكوين 1: 31). ولم تظهر الخليقة في النص الكتابي بوصفها مجرد موارد مسخرة للإنسان، بل كجزء من نظام متكامل أودع الله فيه حكمته. أما الإنسان، فقد وُضع في الجنة «ليعملها ويحفظها» (تكوين 2: 15)، وهي عبارة تحمل معنى المسؤولية والرعاية إلى جانب الانتفاع. ومن هذا المنظور، فإن حماية الحيوانات والحياة البرية ليست فكرة بيئية مستحدثة، بل يمكن أن تُفهم باعتبارها امتدادًا للدعوة الكتابية إلى حفظ الخليقة ورعايتها.
وقد ساعد التنوع الجغرافي والمناخي في فلسطين على وجود بيئات مختلفة للحياة البرية. ففي المناطق الجبلية عاشت أنواع من الغزلان والوبر وغيرها من الحيوانات المرتبطة بالموائل الصخرية، وفي المناطق البرية وشبه الصحراوية وجدت الثعالب والذئاب والضباع وغيرها من الكائنات التي تكيفت مع الطبيعة القاسية. أما القرى والحقول، فكانت فضاءً مشتركًا بين الإنسان وحيوانات الرعي والعمل، مثل الأغنام والماعز والحمير والخيول والثيران والجمال، التي ارتبطت بالحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكان البلاد عبر أجيال طويلة.
وكانت هذه الحيوانات حاضرة في الذاكرة الكتابية إلى درجة أنها تحولت إلى لغة رمزية يفهمها الإنسان من خلال حياته اليومية.
فالخروف، مثلًا، كان جزءًا أساسيًا من حياة المجتمعات الرعوية، ولذلك اكتسب حضورًا روحيًا واسعًا في الكتاب المقدس. وعندما قال السيد المسيح له المجد: «أنا هو الراعي الصالح» (يوحنا 10: 11)، كان يتحدث إلى مجتمع يعرف جيدًا العلاقة بين الراعي وقطيعه، ويفهم معنى السهر والحماية والبحث عن الضال. وهكذا انتقلت صورة الراعي من الحقل إلى القلب، وأصبح القطيع صورةً للإنسان الذي يحتاج إلى الرعاية والهداية والمحبة.
أما الغزال، فقد ارتبط بالجمال والرغبة والاشتياق، كما في قول صاحب المزمور: «كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله» (مزمور 42: 1). وفي هذه الصورة يلتقي الحيوان بالماء، وتتحول حاجته الطبيعية إلى صورة روحية تعبّر عن عطش الإنسان إلى حضور الله بحياته.
والأسد، الذي عرفته أرض فلسطين في عصور تاريخية قديمة، أصبح في الكتاب المقدس رمزًا للقوة والهيبة والشجاعة وأصبح صورة للمسيح المنتصر بالمحبة لا بالعنف.
أما الثعلب، فقد ارتبط بالمكر والحذر في عدد من النصوص. ويستخدم السيد المسيح صورته في حديثه عن هيرودس حين قال: «اذهبوا وقولوا لذلك الثعلب» (لوقا 13: 32). كما تظهر صورة الثعالب الصغيرة التي تفسد الكروم في مشهد يجعل الحيوان جزءًا من لغة رمزية تتجاوز وجوده الطبيعي.
والذئب بدوره يحمل صورة مختلفة، فهو يمثل الخطر والافتراس في بعض النصوص، لكنه يظهر أيضًا في سفر إشعياء: «فيَسكن الذئب مع الخروف» (إشعياء 11: 6). حيث يتحول الحيوان من رمز للخوف إلى صورة لزمن جديد يسوده السلام.
والحية وقد عُرفت بأنواعها المتعددة في بيئة فلسطين الصخرية والصحراوية ، ارتبطت في الذاكرة الكتابية بالخداع والسقوط، لم تحمل معنى واحدًا. ففي قصة الحية النحاسية ارتبطت بالشفاء والرجاء، وفي كلام السيد المسيح لتلاميذه تظهر في عبارة: «كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام» (متى 10: 16) كمثال للحذر والوعي.
ولم ينظر آباء الكنيسة إلى الخليقة باعتبارها مجرد خلفية صامتة لحياة الإنسان. فقد رأى القديس باسيليوس الكبير في تنوع الكائنات وحكمتها إعلانًا عن عظمة الخالق، وتأمل في خصائصها وسلوكها باعتبارها دروسًا يمكن للإنسان أن يتعلم منها. وفي التقليد النسكي، امتدت المحبة الروحية إلى الخليقة كلها؛ فالقديس إسحق السرياني تحدث عن القلب الرحيم الذي يتسع حنانه ليشمل المخلوقات، حتى تصبح الرحمة تجاه الحيوان جزءًا من اتساع المحبة في الإنسان.
وهنا تلتقي الرؤية الروحية مع الوعي البيئي الحديث. فالحيوان ليس مجرد كائن يمكن الانتفاع به، بل جزء من شبكة الحياة التي تحفظ توازن البيئة. وكل نوع يؤدي وظيفة داخل النظام البيئي، سواء في السلسلة الغذائية أو تلقيح النباتات أو نشر البذور أو المحافظة على التوازن بين الكائنات. وعندما يختفي نوع من الأنواع، فإن الخسارة لا تتوقف عند غياب ذلك الحيوان، بل قد تمتد آثارها إلى البيئة التي كان جزءًا منها.
وتواجه الحياة البرية في فلسطين اليوم ضغوطًا متعددة، من فقدان الموائل الطبيعية وتجزئتها، إلى التوسع العمراني والتلوث والصيد الجائر، إضافة إلى آثار التغير المناخي. ومع تقلص المساحات الطبيعية، تصبح حماية الأنواع البرية والمحافظة على موائلها ضرورة بيئية وايمانية وأخلاقية.
ومن هنا، فإن حماية الحياة البرية ليست ترفًا فكريًا، ولا قضية منفصلة عن الإيمان. إنها صورة من صور احترام الخليقة، وحفظ للأمانة التي تركها الله للإنسان. فكل نوع نحافظ عليه، وكل موطن طبيعي نحميه، وكل مساحة نتركها للحياة البرية كي تستمر فيها، هو مساهمة في إبقاء هذا النشيد حيًا.
وهكذا يبقى نبض الأرض المقدسة حيّاً في كل ما يسكن تلالها ووديانها؛ في طير يشق السماء، وغزال يعبر البراري. وكلها دعوة صامتة لتذكر أننا لسنا سوى أمناء على هذا الجمال الإلهي؛ فحفظ تنوع الخليقة وحمايتها هو التزام أخلاقي وروحي يبقى شاهداً على أمانة الإنسان تجاه أرضه وهويته.
- – المهندس منير سعد – بيرزيت
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.