12:16 مساءً / 16 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

قصة قصيرة.. العريشة اليتيمة ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قصة قصيرة..
العريشة اليتيمة


بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

لم يبلغ الطفل من العمر11 ربيعاً بعد، كان يتحرك بغرابة ملفتة أمام منزله، ويجول مهموماً في محيطه كالحصان الجامح.. عندما تنظر إليه تقرأ في صفحة محياه الغض إشارات لن يمحوها الزمان من ذاكرته.. فقد رسُمت عليه علامات ألم فظيعة.. رث الثياب.. أشعث..لا يستطيع الجلوس لفترة متواصلة، كلما سمع هدير طائرات في السماء أو دبابات على الأرض.. كأن منزله صار محرّما عليه بدون إرادته!!..


لا يوجد أحد من عائلته حوله.. أصبح كالغزالة الطريدة، يتوجس من كل شيء ليلاً ونهاراً.. لكن ترى فيه الصلابة وقوة الطفولة الطموحة رغم مأساته.. ينظر إلى منزله بحرقة.. ولا يجرؤ على دخوله للإيواء والاحتماء فيه!! ولم يبق له شيء سواه في هذه الحياة وأهل الخير..


كلما وقف أمامه وعلى أطلاله يتأمله والدموع تنهمر من عينيه اللتين تشعان بالأمل وتنحدر على وجنتيه ثم تهوي على قميصه.. وبين فينة وأخرى يمسحها بأكمامه، ثم يعود إلى عريشته المكونة من خشبتين على شكل صليب، وطرف إحداهما مغروس في الرمل.. وتعلوهما قطعة خيش صغيرة ممزقة الأطراف، نصبها بجوار بيته، لاتقاء شر حرارة الشمس الساطعة.. يجلس تحتها ويفترش أرضها.. ويحتفظ بكتبه المدرسية.. وكان يستخدمها كغرفة دراسية طارئة له وحده وللاستراحة والنوم تحت ظلها.. كانت عبارة عن عريشة يتيمة و بالية.. رأيته يُخرج كتبه وينهمك بالقراءة ويحل واجباته المدرسية تحتها.. مستعيناً ببقايا طاولة محطمة.. كلما نظرت إليه أراه يتشبث بقوة بدراسته كأنها حلمه الوحيد الذي بقي له للخلاص من مخاطر المستقبل والطفولة المعذبة، ولمواجهة مأساته بمسؤولية الرجال.. لم ينتظر أحدا لمساعدته.. كان مبادراً دائماً ويعتمد على ذاته رغم صغر سنه..


هذا الطفل، هو أحد أفراد أسرة كانت تعيش معاً في وئام وهدوء.. يبيت مع باقي أفراد أسرته ووالديه في منزلهم المبني من الباطون.. يأكلون معاً.. ويلعب مع أخواته وإخوته .. ويذهبون إلى مدارسهم معاً.. ويعودون فرحين معاً.. كان سعيداً بجميع أفراد أسرته.. يتقاسم معهم الحلوة والمُرة.. لكن في لحظة قاسية همجية فقد أفراد أسرته جميعهم.. وتدمر المنزل باستثناء بقايا غرفة كان يبيت مع إخوته فيها.. وبقي هو الناجي الوحيد من بينهم والشاهد على الجريمة.. يصارع قسوة الحياة لوحده برعاية إلهية.. وقد رسمت دماء أشقائه وشقيقاته و أدمغتهم المتناثرة على جدران الغرفة وعلى فراشهم وأثاثهم لوحة شلال الدم الفلسطيني النازف..


مشهد هذه الغرفة الرهيب التي وقعت فيها المجزرة.. ترك في نفسه رعباً لا يستطيع أن يتحمله الكبار.. وتنوء تحته الجبال.. تزعزع كيانه.. وارتعدت أوصاله.. وصار يخاف من الدخول للمبيت في الغرفة.. لأنه عاش نكبة أهله الثانية بأم عينيه عندما فتح جنود الاحتلال الإسرائيلي النار عليهم وهم نيام.. هجر المنزل.. وآثر افتراش الأرض والتحاف السماء تحت مظلته النخِرة التي تذروها الرياح يميناً وشمالاً، وتعفرها برمال الأرض عندما تهب.. فتتلوث كتبه وملابسه من غبار الرمل المتطاير.. لكنه استعذب العيش تحتها مكرها وهو قرب منزله.. فهي الوحيدة مثله، واليتيمة مثله.. مفتوحة الجوانب.. هادئة.. غير مُكلفة.. قام بعملها من بقايا حطام المنازل المهدمة.. كما نفسيته المحطمة.. لكن لا توجد فيها أبسط الخدمات الإنسانية.. ويستطيع منها رؤية كل شيء يتحرك حوله على الأرض وفي السماء..


كل من زاره يشرح له حالة الخوف المعششة داخله من دخول منزلهم.. بعد أن كان منزلا آمنا تحول بفعل الجريمة النكراء إلى مصدر قلق للطفل.. وكلما نظر إليه يتذكر أمه ووالده وأشقاءه وشقيقاته الشهداء الذين قضى الاحتلال عليهم في ليلة ظلماء إبّان الاجتياح الأخير لقطاع غزة، كما يتذكر البشاعة التي حولته إلى مُشرّد..

شاهد أيضاً

وفد وزاري يتفقد بلدة قصرة ويطّلع على احتياجاتها من المشاريع التطويرية والخدمية لتعزيز صمودها

وفد وزاري يتفقد بلدة قصرة ويطّلع على احتياجاتها من المشاريع التطويرية والخدمية لتعزيز صمودها

شفا – أجرى وفد وزاري، بتوجيهات من رئيس الوزراء د. محمد مصطفى، اليوم الأحد، جولة …