2:54 مساءً / 13 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

إطلالة على بدء تدهور التعليم في القدس ، هل بات التعليم في القدس الشرقية لعبة سياسية ؟؟ بقلم : دكتور غسان عبد الله

إطلالة على بدء تدهور التعليم في القدس ، هل بات التعليم في القدس الشرقية لعبة سياسية ؟؟ بقلم : دكتور غسان عبد الله

بكل أسف، منذ قرون خلت، لم يحظ التعليم الفلسطيني من الاستقلالية الكاملة في تقرير فلسفته، أهدافه ورؤاه، وما زال لليوم يعمل تحت مطرقة املاءات وقرات نجمت عن اتفاقيات لم تحقق للشعب طموحاته، ناهيك عن طلبات و الشروط والمواصفات التي تشترطها الدول المانحة كي تواصل دعمها سواء للمنظومة التربوية التعليمية أو خزينة السلطة الفلسطينية.

حيث كان للنظام السياسي الذي يحكم ويدير البلاد هو الذي يضع الفلسفة التربوية التعليمية في فلسطين بالشكل الذي تخدم وتتماشى مع أهدافه وطموحاته السياسية.
ما ان احتلت إسرائيل، ما تبقى من فلسطين المحتلة عام 1967 بما فيها الجزء الشرقي لمدينة القدس، حاولت بسط سيطرتها على جميع مناحي الحياة  ومكونات الهوية  للشعب العربي الفلسطيني، من خلال إحكام السيطرة التامة،  وفق رؤية احتلالية تقوم على الإلحاق والتبعية ، الانحلال ، الاختلال يليها  الإحلال – استبدال السكان العرب الأصليين .


أدرك القائمون على هذا النمط من الاستعمار، أهمية غسل الأدمغة للمواطنين العرب brain washing من خلال توظيف سرديات مزورة، بدأت ب عبرنه أسماء الشوارع والأماكن التاريخية ثم محاولة أسرّلة مناهج التعليم  في مدينة القدس المحتلة، موظفين أسلوب تعميم السرديات المختلفة والمزورة استنادا الى روايات وأساطير دينية مختلف عليها حتى داخل المجتمع الإسرائيلي ( شلومو ساند، الان بابيه، عالم الاّثار اليهودي مئير دفيدوف، حركة ناطوري كارتا…..)  

 واجهت مثل هذه المحاولات، مقاومة صلبة  ورفض تام من خلال  حملة مقاومة مدروسة قادتها نخبة من القيادات المجتمعية المقدسية، منهم على سبيل المثال لا الحصر، التربوي الفذّ  المرحوم حسني الأشهب، والتربوي نهاد أبو غربية والتربوية المثابرة علية نسيبة ولاحقا انضم لهم المهندسان ابراهيم الدقاق و المهندس حسن القيق  والدكتور أمين الخطيب ، مما أعاق افتتاح العام الدراسي سنة 1967 إلى منتصف شهر أكتوبر بدلا من بداية شهر أيلول من العام ذاته، بعد أن توصلت الجهود الى استمرار استعمال المناهج التعليمية الأردنية في بعض المدارس المقدسية و التقدم لامتحان المترك –  نهاية الصف التاسع، وامتحان التوجيهي – نهاية الصف الثالث الثانوي كوسيلتي تقييم وقياس  مدى الإنجاز الأكاديمي للطالب. 
تتوزع  الجهات المشرفة على التعليم في القدس على : الأوقاف الاسلامية والتي باتت تعرف مدارسها لاحقا ب مدارس حسني الأشهب  والتي باتت تتبع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو،(وان كان دور الوزارة بمثابة الحاضر الغائب ، بدليل اقدام حكومة بينت الاحتلالية، على اغلاق مكتب التربية والتعليم في البلدة القديمة من القدس واذعان السلطة للقرار من خلال الانتقال الى بلدة الرام ، أحد ضواحي مدينة القدس )، ومدارس خاصة تشرف عليها مؤسسات دينية – مسيحية وإسلامية  وجمعيات أهلية وخيرية كانت قد تأسست في منتصف القرن العشرين ( دار الفتاة اللاجئة ، دار الطفل العربي، دار الأولاد، مدارس جمعية الشابات المسلمات، الأقصى الشرعية، ومدارس المحبة الإسلامية التي تشرف عليها  الهيئة الإسلامية العليا  التي يترأسها سماحة الشيخ الدكتور عكرمة صبري ومدرسة لجنة اليتيم العربي  التي أدارها  المهندس المرحوم حسن القيق  حتى وفاته ، وها هي هي اليوم في مهب الريح. كما أشرفت دائرة التربية والتعليم في وكالة الغوث الدولية على عدة مدارس مقدسية تم تخصيصها للطلبة اللاجئين اثر نكبة 1948.
بعد الاحتلال عام 1967 بسطت بلدية الاحتلال سيطرتها على ما بات يعرف بمدارس البلدية / المعارف الإسرائيلية مع تهميش واضح مقصود للمدارس التاريخية في القدس ( الكلية العربية، المدرسة الرشيدية  مثالا).
منذ أن سيطرت  بلدية سلطات الأمر الواقع عل تلك المدارس ، وهي تفتقر الى مقومات العملية التربوية التعليمية السليمة : غرف تدريس، ملاعب ومختبرات …… الأمر الذي أنذر ولا يزال ينذر ب كوارث تربوية و تعليمية قائمة و قادمة ، لعلّ تسرب وتسيب الطلبة  من المدارس  خير دليل ، اذ بلغت نسبة التسرب حوالي 26%.( راجع كتاب : ظاهرة التسرب في المدارس  الفلسطينية ، وقائع مؤتمر مركز الدراسات  والتطبيقات التربوية ، 1995).
عمدت الجهات الإسرائيلية  المختصة، الى تخصيص الميزانيات التي رصدتها بلدية الاحتلال لبناء الغرف الصفيّة المطلوبة ، عمدت الى صرفها على كل ما من شأنه أن يسهم في  تهويد معالم المدينة المحتلة، على سبيل المثال لا الحصر،  هناك حاجة ماسة الى تأمين  77 غرفة صفية للعام الدراسي 2026-2027، رغم الادعاء بتخصيص ميزانية لبناء اكثر من الف ومئتي غرفة صفية ، هذا ما أكدته مصادر اسرائيلية للإذاعة الرسمية العبرية، مضيفة أن الميزانيات التي تم تخصيصها لفرض التعليم الإسرائيلي في القدس العربية الشرقية اختفت ، لكن مصادر اخرى قالت ان هذه الميزانيات ذهبت من اجل دعم الاستيطان في الاحياء العربية وخاصة في البلدة القديمة .

مصيدة العسل

 احدى الأساليب التي اتبعتها بلدية الأمر الواقع لإحكام أسّرلة التعليم العربي في القدس المحتلة عام 1967،   اغداق المال  على ما يسمى فلسطينيا مدارس المقاولات وما تسميه البلدية مدارس معترف بها لكنها غير قانونية الخاصة، مقابل ملايين الشواكل التي تصرفها البلدية سنويا لهذه المدارس  ، إضافة الى  محاولة سد النقص القائم في عدد الغرف المدرسية اللائقة،  التي هي بازدياد مضطرد نظرا  للتزايد الملحوظ في عدد الطلبة  المقدسيين ، للأسف الشديد ,وجدت  دائرة المعارف الإسرائيلية عدد ليس بالقليل  من الفلسطينيين لتمرير هذه السياسة، متبعة القول والنهج ” ان درستم  جيد، وان لم تتفعلوا ذلك فهو أجود” ،مع شن حملات تفتيش على البعض من هذه المدارس للتأكد من قيامها بتدريس المنهاج الإسرائيلي.

هكذا التحق الالف من الطلبة المقدسيين برتل الطلبة ممن يدرسون المنهاج الإسرائيلي القائم بالأساس على حذف الرواية العربية و محاولة ترسيخ الرواية الاسرائيلية.

ثمة خطر اّخر جراء هذه السياسة يتمثل في بدء غياب بعض المدارس  المقدسية العريقة في القدس بالاختفاء والغياب عن ساحة العمل، رغم الحاجة الماسة لدورها لا سيما كونها تقوم باحتضان فئة من الطلبة الأيتام ( مدرسة لجنة اليتيم العربي) أو تقوم بتأمين نوع من التعليم المهني  للطلبة محاولة لمواجهة قوافل البطالة  المتلاحقة وسط الخريجين ( مدرسة دار الأيتام – البلدة القديمة من القدس، مدرسة الاتحاد اللوثري- سوق الدباغة وتلك الكائنة في بيت حنينا حيث تم نقلها الى المنطقة الصناعية في مدينة رام الله، هذا ولا يزال الخطر يحيق ويهدد عمل مدارس مقدسية أخرى بسبب الذريعة المالية ( مار متري، دار الأولاد، دار الطفل…) والتي نخشى أن تتحول الى مجرد أطلال كما حصل مع الكلية العربية في القدس. ثمة تهديد اّخر يتمثل في الارتفاع الجنوني لأقساط المدارس الخاصة والاهلية بشكل غير مقبول، لدرجة أن مدير احدى المدارس قال إن قسط الروضة والحضانة عنده لن يقل عن 11 ألف شيكل ، مع التأكيد عن ان هذه المدرسة مدعومة ماديا من البلدية الشريكة فيها ومن الاتحاد الأوروبي ومن دول اخرى ، وكان الأمل بأن تكون هذه المدرسة للطلبة المبدعين من جميع الفئات.

يتشعب الحديث عن التعليم في القدس، ذلك التعليم الذي فقد البوصلة واصبح الفقير لا مكان له في المدراس، والغني له مكانا لتعليم ابنه المنهاج الأجنبي المستورد أوالإسرائيلي معا ليخرج لنا جيل غريب عن مدينته ضمن ما نسميه هنا بوضع مصيدة ” honey trap”

عودة الى محاولات الحكومات الاسرائيلية المتتابعة للسيطرة على التعليم في القدس وبدء أسرلته تدريجيا ،وهروبا من مسؤوليتها ،(كسلطة قائمة بالاحتلال تجبي الضرائب ذات المسميات المتنوعة )، في بناء مدارس وتأمين احتياجات العملية التعليمية، كما أشرنا أعلاه، أوجدت بلدية الاحتلال ما يسمى بمدارس المقاولات تحت مسمى مدارس غير قانونية وغير رسمية ، لكن معترف بها . تقوم البلدية بدفع مبالغ شهرية الى مشغلي هذه المدارس من الفلسطينيين مع اغراءات مادية عديدة ووجدت ضالتها في بعض من تجاوب معها ، اذ بادر هؤلاء المشغلون الى استئجار بنايات ، غالبيتها غير مرخّصة من  هذه البلدية ( ونحن نعرف الحرب الشعواء من قبل البلدية على مثل هذه البنايات ، تبدأ بالغرامات الباهظة وتنتهي بالهدم)، يتركز معظمها في منطقة سمير أميس –كفر عقب ، مخيم شعفاط ،كمناطق تابعة جغرافيا للقدس منذ القدم .

جنت اسرائيل من ذلك، فائدة أخرى تتمثل في عدم ضخ طلبة فلسطينيين الى مدارس القدس داخل جدار الفصل العنصري، الأمر الذي ساهم في شلّ الوجود العربي و الحركة التجارية في القدس، اذ كان اّلاف الطلبة يتوجهون صباحا الى هذه المدارس ويعودون منها مساء وذلك قبل بناء جدار الفصل.

سنوات عديدة لاحقا، بدأت الجهات الرسمية الاسرائيلية  القيام بتحريف المنهاج الفلسطيني المطبّق عبر حذف أشعار واّيات قراّنية ومصطلحات جغرافية معينة ، تبع ذلك وبشكل فض مطالبة هذه المدارس البدء بتطبيق المنهاج الاسرائيلي وفي حالة عدم الاستجابة ، تتوقف المساعدات المالية ، لدرجة مداهمة طواقم بلدية رسمية للصفوف المدرسية ،بين الفينة والأخرى ،في بعض المدارس، للتأكد من تطبيق المنهاج الاسرائيلي ،كما حصل مع  الكلية الابراهيمية ومدارس الايمان .

يمكن القول أن نسبة عالية من المدارس الخاصة، بما فيها تلك التي كانت قد تأسست ابان العهد لأردني، مسيحية كانت أم اسلامية تتلقى الدعم المالي بموجب السياسة الإسرائيلية هذه ، فقط مدارس تعد على أصابع اليد الواحدة لا تتلقى دعما ماديا من هذا القبيل، ( مدارس الأوقاف الاسلامية ومدرسة الحصاد التابعة الى جمعية الفتاة اللاجئة ،وهي جمعية  نسوية مخضرمة في القدس).

من أبرز التحديات الذاتية التي يواجها التعليم في القدس المحتلة

تعدد وتناحر الجهات المشرفة على التعليم في القدس ( ما اّلت اليه مدرسة لجنة اليتيم العربي مثالا على ذلك)
غياب دور وطني فاعل يشرف على التعليم في القدس، فالسلطة بمثابة الحاضر الغائب وبقية المؤسسات محدودة الامكانيات والقدرات المالية والتكنولوجية، وهنا لا بد من تسجيل التقدير والاحترام الى مبادرات نوعية تقوم بها مؤسسة فيصل الحسيني حيال بعض المدارس في القدس. هنا نقترح تشكيل المجلس الأعلى للتربية والثقافة والفنون تعمل في القدس ليس فقط لتعويض الطلبة عما فاتهم من تربية وتعليم وطني أصيل، بل وأيضا مجابهة الانهيار الاّتي للمؤسسة التربوية و التعليمية، اذ عار علينا، وان كنا قد خسرنا المعركة السياسية في القدس، عار علينا أن نخسر المعركة الثقافية والتربوية والتعليمية في العاصمة المنشودة.
غياب رؤى عملية قبالة للتنفيذ والتطبيق، قد يكون الضعف هنا فلسطينيا حيث تسود الفئوية الضيّقة والانقسامات السياسية .
الحاجة الى تدريب طواقم الهيئات التدريسية و الادارية وتزويدها بمهارات تعليم في ظل الأزمات، للعمل على اعادة بناء ذات الانسان المقدسي .
غياب منهاج مدرسي موحد تتوحد فيه الرؤى التعليمية كي تصل الى الأهداف المنشودة من تعليم المضطهدين.

ناهيك عن تحديات يعيشها الطالب الفلسطيني وذويه يوميا ،مثل
جدار الفصل العنصري الذي شتتت العائلات الفلسطينية اجتماعيا وسيكولوجيا واقتصاديا 
تعمد اعتقال الطلبة لا سيما في المراحل العمرية المبكرة (أحمد مناصرة 12 عاما ورولا باكير 14 عاما، اضافة الى قتل وحرق جثمان الطفل محمد أبو خضير (شعفاط القدس)
يكمن التحدي الأكبر في تفشي ظاهرة البطالة في القدس وارتفاع نسبة الفقر، اذ حوالي 39% من سكان القدس الشرقية يعيشون دون خط الفقر وهذا حسب احصاءات مؤسسة التأمين الوطني الاسرائيلية والذي تم نشره في الاعلام العبري والعربي، الأمر الذي أوجد منسوبا عاليا من اللامبالاة والدافعية الى الانخراط في العملية التعليمية.
محاولات تدمير ما تبقى من أسس تعليمية متينة من خلال نشر واقامة معاهد ومراكز تعليمية وسيطة بين بعض الشباب ومؤسسات تعليمية وهمية، اذ يقوم مثل هؤلاء الوسطاء ببيع كراتين، يسمونها شهادات تعليمية وبمختلف التسميات والدرجات
الافتقار المتنامي الى غرف صفيّة وبنايات مدارس مجهزة بالبنية التعليمية التربوية، تصلح لتكون مدرسة فعليا 

  • – دكتور غسان عبد الله – القدس .

شاهد أيضاً

بلدية البيرة ومؤسسة عبد المحسن القطان تفتتحان مشروع "حين تمشي المدينة"

بلدية البيرة ومؤسسة عبد المحسن القطان تفتتحان مشروع “حين تمشي المدينة”

شفا – افتتحت بلدية البيرة، اليوم الخميس، في مكتبتها العامة، مشروع “حين تمشي المدينة”، وذلك …