
شفا – (شينخوا) في فصل دراسي هادئ بالعاصمة الليبية طرابلس، يقف طه شلبيك أمام سبورة بيضاء، ممسكا بقلم تخطيط، يرسم بعناية الخطوط الأولى للحروف الصينية بدقة شخص اعتاد في الماضي رسم مخططات الدوائر الإلكترونية.
ومن حولَه، ينحني الطلاب فوق دفاترهم، تتنقل أعينهم بين السبورة والملاحظات، وهم منغمسون في استكشاف عالم لغوي جديد.
ويعمل شلبيك اليوم مساعدا لتدريس اللغة الصينية في “بيت الحكمة لتعليم اللغة الصينية في ليبيا”، بعد رحلة استغرقت عشر سنوات انتقل خلالها من العمل مع لوحات الدوائر الإلكترونية إلى الوقوف أمام السبورة لتعليم اللغة.
بدأت القصة عام 2015، عندما تخرج شلبيك في قسم هندسة الاتصالات بجامعة طرابلس، والتحق للعمل في شركة تكنولوجيا صينية في ليبيا، حيث تعرّف للمرة الأولى على اللغة الصينية، لتثير فضوله منذ اللحظة الأولى.
وقال شلبيك “كانت اللغة جديدة تماما بالنسبة لي. كانت أصواتها مختلفة عن أي لغة عرفتها من قبل، وكان لها جمال خاص جذبني منذ البداية. دفعني فضولي إلى تعلم المزيد عنها، ثم امتد اهتمامي تدريجيا إلى الثقافة الصينية أيضا”.
وبعزيمة كبيرة، بدأ شلبيك تعلم اللغة الصينية ذاتيا من خلال مقاطع الفيديو على الإنترنت والمواقع الإلكترونية والكتب الدراسية، إلى جانب تلقي دروس أسبوعية على يد معلمين صينيين.
وبعد تسعة أشهر من الدراسة اليومية في المنزل، تمكن من حفظ نحو 1100 حرف صيني، قبل أن يسافر في أغسطس 2018 إلى الصين للدراسة في جامعة نانجينغ للملاحة الجوية والفضاء.
وخلال سنوات دراسته في نانجينغ، اندمج شلبيك في الحياة الصينية، الأمر الذي عزز مهاراته اللغوية وعمّق فهمه للمجتمع والثقافة في الصين.
وعندما عاد إلى ليبيا، جعل من مهمته نقل ما وجده من جمال في اللغة الصينية إلى مزيد من الليبيين.
وفي عام 2025، التقت رؤية شلبيك مع رؤية المهندس حمزة الغديوي، المتخصص في التدريب وتنمية الموارد البشرية، والذي أدرك وجود فجوة في النظام التعليمي الليبي، إذ إن فرص تعلم اللغة الصينية لا تزال محدودة رغم تنامي التأثير العالمي للصين.
وبعد زيارات استطلاعية ومشاركته في مؤتمرات ثقافية بالصين، تعاون الغديوي مع مجموعة بيت الحكمة الدولية الثقافية الصينية لإطلاق “بيت الحكمة لتعليم اللغة الصينية في ليبيا”.
ويقدم المركز حاليا دورات تعليمية عبر الإنترنت يشرف عليها مدرسون ليبيون ومعلمون صينيون يتحدثون العربية، من بينهم شلبيك، إلى جانب تنظيم ندوات وجلسات نقاش في مقره وسط العاصمة طرابلس.
كما يعمل المركز على إدخال برامج تعليم اللغة الصينية إلى المدارس الخاصة والمناهج الجامعية.
ومن بين طلابه مصطفى دريد (21 عاما)، وهو طالب في السنة الثانية بقسم اللغة الإسبانية بجامعة طرابلس، الذي نما اهتمامه باللغة الصينية بعد احتكاكه بمهنيين صينيين في مواقع العمل.
وبدأ دريد تعلم اللغة ذاتيا في نوفمبر 2024، ثم اجتاز اختبار الكفاءة في اللغة الصينية HSK المستوى الثاني في تونس، قبل أن يجد مسيرته تتطور بشكل كبير تحت إشراف شلبيك.
وقال دريد “آمل في الحصول على درجة البكالوريوس في الصين، وأن أصبح معلما معتمدا للغة الصينية في المركز”.
ويضم بيت الحكمة اليوم أكثر من 100 طالب من مختلف أنحاء ليبيا، يجمعهم شغف تعلم اللغة الصينية رغم تنوع خلفياتهم.
وبالنسبة لشلبيك، فإن تدريس اللغة الصينية ليس مجرد وظيفة، بل وسيلة لبناء جسر ثقافي بين الصين وليبيا.
وقال “ما نقوم به يتجاوز مجرد نقل المعرفة، فهو يتعلق ببناء جسور التواصل، وإحياء الأمل، والمساهمة بهدوء في رسم ملامح مستقبل لم يُكتب بعد”.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.