
من سيبني غزة إذا لم يتعلم أبناؤها؟ بقلم : أمينة خليفة
يواجه قطاع غزة واحدة من أسوأ أزمات التعليم في العالم، وذلك في أعقاب الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية المدرسية منذ أكتوبر 2023، والمشهد لم يعد مجرد مدارس مغلقة أو طلاب متأخرين، بل جيل كامل يقف على حافة الضياع.
ووفقاً لمنظمة اليونيسف، يُحرم حالياً ما يقرب من 700 ألف طفل -تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً- من حقهم الأساسي في التعليم. الرقم صادم، لكنه يصبح أكثر وجعاً عندما نعرف أن من بين هؤلاء من كانوا على بعد شهور من التخرج، ومنهم من كان يحلم بأن يكون مثل صبا رباح.
وربما تجاوز حجم الدمار كل التوقعات، فتُظهر التقييمات أن 98% من المؤسسات التعليمية قد تعرضت لأضرار متفاوتة الشدة، في حين يحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل أو إعادة بناء شاملة، بمعنى آخر، لم تعد هناك “مدرسة سليمة” يمكن العودة إليها، فالقاعات تحولت إلى ركام، والساحات إلى خيام نزوح، والسبورات إلى جدران متصدعة، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل قصة طالب متفوق تتحول إلى خبر قومي، لأنها الاستثناء وسط قاعدة عامة من الخراب.
وأيضا، قد لا تقتصر الأزمة على المباني فقط، فعندما تسقط المدرسة يسقط معها كل شيء: المعلم الذي فقد بيته، والكتاب الذي احترق، والإنترنت الذي انقطع، والكهرباء التي لم تعد تصل لساعات الدراسة، فالطالب الغزي اليوم لا يدرس في فصل، بل يدرس بين أطلال، وربما لهذا السبب بدا إنجاز من حقق 99.9% أشبه بمعجزة، لأنه تم في بيئة تفتقد لأبسط مقومات التعلم.
كما أن حرمان 700 ألف طفل من التعليم لن يكون له أثر على الحاضر فقط، بل سيمتد لعقود، فكل سنة دراسية ضائعة تعني طبيباً أقل، ومهندساً أقل، ومعلماً أقل، وهذا سيؤثر مباشرة على عملية إعادة الإعمار نفسها، فمن سيبني غزة إذا لم يتعلم أبناؤها؟، فوربما تسهم هذه الفجوة التعليمية في رفع معدلات البطالة والفقر مستقبلاً، وتحويل جيل كامل إلى جيل يعتمد على المساعدات بدل الإنتاج.
ولا يقتصر تأثير الدمار على الجانب الأكاديمي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، فالمدرسة في غزة لم تكن مكان دروس فقط، بل كانت ملاذاً آمناً، كانت المكان الذي ينسى فيه الطفل صوت القصف لساعات، واليوم ومع غياب هذا الملاذ، يبدو أن أعداد الأطفال الذين يعانون من الصدمة والقلق في ارتفاع مستمر، وقد يسهم غياب الروتين المدرسي في زيادة التسرب وتشغيل الأطفال، خاصة في الأسر التي فقدت معيلها.
وتبدو هذه الأزمة اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي ومنظمات الإغاثة. فالحديث عن “التعليم في الطوارئ” لم يعد كافياً، فالخيام والصفوف المؤقتة قد تحل أزمة شهر، لكنها لا تبني مستقبل، وربما تكون هناك حاجة إلى خطة عاجلة لإعادة تأهيل المدارس المتبقية، وتوفير تعليم عن بُعد حيث أمكن، وتدريب معلمين على التعامل مع طلاب الصدمة، حتى لا تضيع سنة أخرى من عمر هؤلاء الأطفال.
وفي الوقت ذاته، تبدو الحاجة قائمة إلى وجود ترتيبات تضمن استمرارية التعليم حتى أثناء الحرب، فتجارب سابقة أثبتت أن التعليم يمكن أن يستمر في الملاجئ وفي البيوت وعبر الراديو، وربما يسهم إنشاء “مدارس مجتمعية” صغيرة داخل مراكز الإيواء في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومنح الأطفال إحساساً بالعودة إلى الحياة الطبيعية، حتى لو كانت الحياة نفسها غير طبيعية.
كما أن الأرقام التي نشرتها اليونيسف، تضع المسؤولية على الجميع، لأن تضرر 98% يعني أن المشكلة ليست في مدرسة أو مدينتين، بل في النظام كله، وربما يكون هذا هو الوقت المناسب لإعادة التفكير في نموذج التعليم في غزة: مدارس أكثر مقاومة، مناهج مرنة، وشراكات مع جامعات خارجية تمنح الطلاب فرصة للتعلم حتى لو لم يستطيعوا السفر.
ويبدو أن المفارقة الأكبر هي أننا نتحدث عن جيل محروم من المدارس، وفي نفس الوقت يخرج منه طلاب يحصلون على المركز الأول بنسبة 99.9%، فهذه المفارقة تقول شيئاً واحداً: أن الإرادة لا تهدمها الصواريخ، لكن الإرادة وحدها لا تكفي. فالطالب الذي يدرس على ضوء شمعة اليوم، ربما لن يجد جامعة يلتحق بها غداً إذا لم يتم التدخل فوراً.
كما أن استعادة التعليم في غزة لن تكون مجرد إعادة بناء حجارة، بل إعادة بناء أمل، فكل فصل يتم ترميمه يعني مئات الطلاب عادوا إلى مقاعدهم، وكل كتاب يتم توزيعه يعني عقلاً لم يتم إطفاؤه، وربما تكون هذه هي المعركة الأهم في مرحلة ما بعد الحرب: معركة استعادة الطباشير والسبورة قبل استعادة الأسمنت والحديد.
وفي النهاية، قد تمثل أزمة التعليم في غزة تحذيراً للعالم، فعندما يُحرم 700 ألف طفل من المدرسة، فإننا لا نتحدث عن أرقام، بل عن مستقبل دولة بأكملها، وربما يكون تفوق طالب واحد وسط هذا الخراب هو الرسالة الأهم: أعطوا أطفال غزة فرصة، وهم سيعيدون بناء كل شيء.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.