9:16 مساءً / 21 يوليو، 2026
آخر الاخبار

رحلة علمية وثقافية إلى الصين… تجربة ستبقى علامة فارقة في مسيرتي المهنية ، بقلم: الاختصاصي عامر عوض

رحلة علمية وثقافية إلى الصين… تجربة ستبقى علامة فارقة في مسيرتي المهنية ، بقلم: الاختصاصي عامر عوض

أخصائي علاج طبيعي وتأهيل
مستشفى حقل الرعاة / بيت ساحور

هناك رحلات تبقى في الذاكرة لأنها تأخذنا إلى أماكن جديدة، وهناك رحلات تترك أثرًا أعمق لأنها تغير طريقة تفكيرنا وتوسع آفاقنا العلمية والإنسانية. بالنسبة لي، كانت رحلتي إلى جمهورية الصين الشعبية واحدة من تلك التجارب الاستثنائية التي جمعت بين العلم والثقافة والتواصل الحضاري، وكانت فرصة حقيقية للاطلاع على تجربة رائدة في مجال الطب الصيني التقليدي، والتعرف عن قرب إلى حضارة تمتد لآلاف السنين.

خلال الفترة الممتدة من 22 حزيران وحتى 14 تموز 2026، تشرفت بالمشاركة في البرنامج التدريبي المتخصص في تمريض الطب الصيني التقليدي، والذي استضافته مدينة تاييوان في مقاطعة شانشي، بمشاركة متخصصين من عدد من دول العالم. ومنذ اللحظة الأولى شعرت أن هذا البرنامج لم يكن مجرد دورة تدريبية، بل تجربة متكاملة صُممت لتجمع بين التعليم الأكاديمي، والتطبيق العملي، والتبادل الثقافي، وبناء جسور التعاون بين الشعوب.

ركز البرنامج على المبادئ الأساسية للطب الصيني التقليدي، حيث تعرفنا إلى فلسفة الين واليانغ، ونظرية العناصر الخمسة، ومفهوم أعضاء الجسم، والأسس التي يعتمد عليها هذا النظام العلاجي في الوقاية من الأمراض وتشخيص الحالات ووضع خطط الرعاية الصحية التي تراعي الإنسان بصورة شمولية، جسدًا ونفسًا.

كما تناولت المحاضرات مجموعة واسعة من الموضوعات الطبية، شملت الأرق، وأمراض الجهاز الهضمي، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض الثدي، وتأهيل الإصابات العضلية والعصبية، إلى جانب التعرف على الأعشاب الطبية الصينية، وطرق إعدادها وحفظها، والاستخدام الآمن لها ضمن الممارسة الصحية.

وكان الجانب العملي من أكثر المحطات التي أثرت في هذه التجربة، إذ أتيحت لنا الفرصة للتدرب على عدد من أشهر تقنيات الطب الصيني التقليدي، مثل الوخز بالإبر، والحجامة، والغوا شا، والموكسا، مع التعرف إلى استخداماتها العلاجية، وموانع استخدامها، ودورها في تحسين صحة المرضى ضمن منظومة الرعاية الصحية المتكاملة.

كما تعرفنا إلى تجربة الصين في إدارة جودة التمريض وسلامة المرضى، وكيفية الدمج بين الطب الصيني التقليدي والتقنيات الطبية الحديثة، وهو ما يعكس رؤية متقدمة تحافظ على الإرث الطبي العريق، وفي الوقت نفسه تواكب التطور العلمي والتكنولوجي.

ومن أكثر المحطات التي تركت أثرًا في نفسي، الزيارة الميدانية إلى مستشفى شانشي للطب الصيني التقليدي، حيث اطلعنا على كيفية دمج الطب الصيني التقليدي مع الطب الحديث داخل المستشفى، وزرنا أقسام التأهيل، وأمراض الجهاز التنفسي، والتنظير، ووحدات العلاج المختلفة، وشاهدنا عن قرب دور الكوادر الطبية والتمريضية في تقديم رعاية صحية متكاملة، إضافة إلى التعرف على أنظمة إدارة الجودة وآليات العمل داخل المستشفى. وقد منحتني هذه الزيارة فرصة حقيقية لربط الجانب النظري بالتطبيق العملي.

ولأن البرنامج لم يكن مقتصرًا على الجانب الأكاديمي، فقد تضمن برنامجًا ثقافيًا ثريًا أتاح لنا التعرف على التاريخ والحضارة الصينية. ففي مدينة تاييوان زرنا المدينة القديمة، وتجولنا في أسواقها التقليدية وشوارعها التاريخية، كما زرنا متحف شانشي، ومعبد جينتسي، وتمثال بوذا في منغشان، والحديقة النباتية، حيث لمسنا اهتمام الصين الكبير بالحفاظ على تاريخها وثقافتها وطبيعتها.

كما شملت الرحلة زيارة العاصمة بكين، حيث كانت لنا فرصة زيارة سور الصين العظيم، أحد أعظم الإنجازات الهندسية في تاريخ البشرية، إلى جانب التعرف على التطور العمراني والبنية التحتية الحديثة التي تعكس النهضة الكبيرة التي تشهدها الصين في مختلف المجالات.

ومن أجمل اللحظات التي عشتها خلال هذه الرحلة، تقديم عرض تعريفي عن دولة فلسطين أمام المشاركين من مختلف دول العالم. تحدثت فيه عن تاريخ فلسطين، وموقعها الجغرافي، وأبرز معالمها الحضارية والثقافية، كما استعرضت الواقع الصحي، ودور المؤسسات الصحية الفلسطينية في خدمة المجتمع.

كما خصصت جزءًا من العرض للحديث عن الطب الشعبي الفلسطيني، مستعرضًا استخدام النباتات الطبية والأعشاب الطبيعية في العلاج، وأوجه التشابه بين الطب الشعبي الفلسطيني وفلسفة الطب الصيني التقليدي، فكلاهما يقوم على الاستفادة من الطبيعة، والاهتمام بالوقاية، وتحقيق التوازن بين الجسد والنفس. وقد سعدت بالاهتمام الكبير الذي أبداه المشاركون للتعرف إلى فلسطين، وثقافتها، وتراثها، وهو ما منحني شعورًا بالفخر لتمثيل وطني في هذا المحفل الدولي.

وعلى المستوى الشخصي، كانت هذه التجربة فرصة ثمينة لبناء صداقات وعلاقات مهنية مع مشاركين من ثقافات ودول مختلفة، وتبادل الخبرات والتجارب الصحية معهم، وهو ما أضاف بعدًا إنسانيًا وثقافيًا لا يقل أهمية عن الجانب العلمي.

أعود اليوم إلى فلسطين وأنا أحمل معي معرفة جديدة، وخبرات عملية قيّمة، وإيمانًا أكبر بأهمية التعلم المستمر والانفتاح على تجارب الشعوب المختلفة. وأسعى إلى نقل ما اكتسبته من خبرات إلى زملائي، والاستفادة منه في تطوير الممارسة المهنية، وتعزيز الوعي بأهمية الطب التقليدي والطب التكميلي، بما يسهم في الارتقاء بالخدمات الصحية في وطننا.

وفي ختام هذه الرحلة، أتقدم بخالص الشكر والامتنان إلى حكومة جمهورية الصين الشعبية على هذه المبادرة الكريمة، وإلى سفارة جمهورية الصين الشعبية في فلسطين، ومحافظة بيت لحم على دعمها وحرصها على تعزيز التبادل العلمي والثقافي، كما أتوجه بالشكر إلى جميع الجهات المنظمة والمحاضرين والقائمين على البرنامج على حسن التنظيم وكرم الضيافة والرعاية الأكاديمية المتميزة التي لمسناها طوال فترة التدريب.

ستبقى هذه الرحلة علامة فارقة في مسيرتي المهنية والإنسانية، ليس فقط لما اكتسبته من معرفة وخبرة، بل لأنها أكدت لي أن العلم لغة عالمية، وأن تبادل المعرفة والثقافات هو أحد أهم الجسور التي تقرب بين الشعوب، وتعزز قيم التعاون والسلام والتنمية.

شاهد أيضاً

وفد مقدسي يلتقي سفير نيكاراغوا لدى فلسطين في رام الله

وفد مقدسي يلتقي سفير نيكاراغوا لدى فلسطين في رام الله

شفا – التقى ظهر اليوم الثلاثاء وفد مقدسي من مؤسسات وفعاليات مدينة القدس، سعادة سفير …