6:03 مساءً / 21 يوليو، 2026
آخر الاخبار

من فلسطين إلى الصين: تجربة غيّرت نظرتي إلى التمريض والطب والإنسان ، بقلم: ا. رائد دويك

رائد دويك


رئيس جمعية خود واعطي/ بيت لحم

لم تكن مشاركتي في دورة التمريض والطب الصيني التقليدي والصحة المجتمعية في جمهورية الصين الشعبية مجرد رحلة تدريبية عابرة، بل كانت تجربة متكاملة جمعت بين المعرفة العلمية، والتبادل الثقافي، واكتشاف مجتمع استطاع أن يمزج بين جذوره التاريخية العميقة وتطوره العلمي والتكنولوجي المتسارع.

منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى الصين ضمن الوفد الفلسطيني المشارك في البرنامج التدريبي، شعرت بأنني أمام تجربة مختلفة بكل تفاصيلها؛ من دقة التنظيم، والالتزام بالمواعيد، وحفاوة الاستقبال، إلى الاهتمام الكبير الذي أبداه القائمون على البرنامج بتوفير بيئة تعليمية وإنسانية مريحة للمشاركين.

بين التمريض الحديث وحكمة الطب الصيني

أتاحت لنا الدورة الاطلاع على جوانب متعددة من العمل التمريضي، وأساليب التعامل مع الحالات الطبية الطارئة، وتنظيم العمل داخل المستشفيات، إضافة إلى زيارة عدد من الأقسام الطبية، ومن بينها أقسام التأهيل وأمراض الجهاز التنفسي.

وقد لفت انتباهي مستوى الانضباط والتنسيق بين الطواقم الطبية والتمريضية، حيث يعمل كل فرد ضمن منظومة واضحة، يكون فيها المريض محور الاهتمام والمسؤولية. وأدركت أن نجاح المؤسسة الصحية لا يعتمد على الطبيب أو الممرض وحده، بل على فريق متكامل يعرف كل شخص فيه دوره ويؤديه بأمانة ودقة.

أما الطب الصيني التقليدي، فقد فتح أمامي نافذة جديدة للنظر إلى صحة الإنسان. تعرفنا خلال المحاضرات والتطبيقات العملية على عدد من المفاهيم التقليدية، مثل التوازن بين عناصر الجسم، ونظرية «الين واليانغ»، ومسارات الطاقة، والوخز بالإبر، والحجامة الصينية، والتدليك العلاجي، واستخدام بعض الأنظمة الغذائية والأعشاب ضمن الخطط العلاجية.

كان من اللافت أن الطب الصيني لا ينظر إلى المرض باعتباره عرضًا منفصلًا فقط، بل يحاول فهم الإنسان بصورة شاملة، من حيث نمط حياته وغذائه وحالته النفسية وتوازن وظائف جسده. وربما لا نتفق مع جميع التفاصيل أو التفسيرات، لكن التجربة أكدت لي أهمية الانفتاح على المدارس الطبية المختلفة، ودراستها بعقل علمي بعيد عن الرفض المسبق أو القبول المطلق.

التعلم لا يقتصر على قاعات المحاضرات

لم تقتصر تجربتنا على المحاضرات النظرية، بل شملت تطبيقات عملية وزيارات ميدانية للمؤسسات الصحية، الأمر الذي جعل المعرفة أكثر وضوحًا وواقعية. فالمعلومة التي نسمعها داخل القاعة تصبح أعمق عندما نشاهد تطبيقها في المستشفى أو مركز التأهيل.

وقد تعلمت أن التمريض ليس مجرد إعطاء الدواء أو تنفيذ تعليمات الطبيب، بل هو رسالة إنسانية تتطلب الرحمة والصبر والقدرة على الاستماع إلى المريض وفهم احتياجاته النفسية والاجتماعية، إلى جانب احتياجاته الجسدية.

وبحكم عملي في المجال الخيري ومتابعتي المستمرة للحالات الإنسانية والمرضية، كانت لهذه التجربة أهمية خاصة بالنسبة لي. فقد ربطت بين ما تعلمته في الصين وبين الحالات التي نواجهها يوميًا في مجتمعنا الفلسطيني، وخاصة المرضى والأطفال والأسر التي تحتاج إلى العلاج والرعاية والدعم.

أصبحت أكثر قناعة بأن مساعدة المريض لا تبدأ فقط عند جمع تكلفة العملية الجراحية، ولا تنتهي بعد خروجه من المستشفى، بل تشمل التوعية والوقاية والمتابعة والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.

الصين كما رأيتها

إلى جانب الجانب العلمي، كانت الرحلة فرصة للتعرف إلى الحضارة الصينية والشعب الصيني عن قرب. زرنا عددًا من المواقع الثقافية والتاريخية والسياحية، من بينها متاحف وحدائق ومعالم تاريخية، إضافة إلى زيارة العاصمة بكين وسور الصين العظيم.

وفي كل مكان زرناه، كان واضحًا حجم الاهتمام الذي توليه الصين للتعليم والبنية التحتية والنظام العام والحفاظ على التراث. لقد استطاع الصينيون بناء دولة حديثة ومتقدمة دون أن يتخلوا عن هويتهم وثقافتهم وتاريخهم.

كما تركت أخلاق الشعب الصيني وانضباطه واحترامه للعمل أثرًا إيجابيًا في نفسي. فالتقدم الذي شاهدناه لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة ثقافة تقوم على العمل الجماعي، والصبر، والاستمرارية، والاستثمار في الإنسان.

فلسطين كانت حاضرة

رغم بُعد المسافة، بقيت فلسطين حاضرة في قلوبنا وحديثنا وهويتنا. كنا حريصين على التعريف بوطننا وشعبنا وثقافتنا ورسالتنا الإنسانية، وعلى أن يكون الوفد الفلسطيني صورة مشرّفة عن فلسطين.

شعرت بالفخر في كل مرة عرّفت فيها عن نفسي بأنني من فلسطين، ولاحظت مشاعر الاحترام والتعاطف والمحبة التي عبّر عنها كثير من الصينيين تجاه شعبنا وقضيتنا.

لقد أدركت خلال هذه الرحلة أن تمثيل فلسطين في المحافل الدولية ليس مجرد مشاركة بروتوكولية، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. فكل كلمة نقولها، وكل سلوك نقوم به، يمكن أن يقدم صورة عن وطننا وشعبنا.

ما الذي تغير بعد هذه التجربة؟

عدت من الصين وأنا أحمل معي أكثر من شهادة تدريبية أو مجموعة من الصور والذكريات. عدت بأفكار جديدة، ورؤية أوسع للعمل الصحي والخيري، وقناعة أكبر بأهمية تبادل الخبرات بين الشعوب.

تعلمت أن المعرفة لا حدود لها، وأن الإنسان مهما بلغت خبرته يبقى بحاجة إلى التعلم. كما تعلمت أن التقدم يبدأ من احترام الوقت، والعمل بروح الفريق، ووضع خطط واضحة، وتحويل الأفكار إلى برامج قابلة للتنفيذ.

وأطمح إلى نقل ما اكتسبته من هذه التجربة إلى عملي المجتمعي والخيري، من خلال تعزيز التوعية الصحية، ودعم برامج الوقاية والتأهيل، والاستفادة من بعض الممارسات التي يمكن تطبيقها بصورة علمية وآمنة بما يخدم المرضى والأسر المحتاجة.

وفي ختام هذه التجربة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جمهورية الصين الشعبية، وإلى المؤسسات والطاقم التدريبي والمنظمين الذين أحاطونا بالرعاية والاهتمام، وإلى سفارة جمهورية الصين الشعبية في فلسطين، ومحافظة بيت لحم، وكل من ساهم في تنسيق هذه المشاركة ومتابعتها وإنجاحها.

كانت الصين محطة مهمة في مسيرتي، لكنها لم تكن نهاية الطريق؛ بل كانت بداية لمرحلة جديدة من التعلم والعمل، لأن المعرفة الحقيقية لا تبقى داخل القاعات أو بين صفحات التقارير، بل تتحول إلى أثر يخدم الإنسان ويمنحه الأمل.

ومن فلسطين إلى الصين، بقيت الرسالة واحدة:


العلم يبني الإنسان، والرحمة تمنح العلم معناه.

شاهد أيضاً

وفد مقدسي يلتقي سفير نيكاراغوا لدى فلسطين في رام الله

وفد مقدسي يلتقي سفير نيكاراغوا لدى فلسطين في رام الله

شفا – التقى ظهر اليوم الثلاثاء وفد مقدسي من مؤسسات وفعاليات مدينة القدس، سعادة سفير …