8:37 صباحًا / 21 يوليو، 2026
آخر الاخبار

في حضرة الكرة: تأملات في الانتصار والوجود والأيدولوجيا ، بقلم : نسيم قبها

في حضرة الكرة: تأملات في الانتصار والوجود والأيدولوجيا ، بقلم : نسيم قبها

حينما تهتز شباك المرمى، لا تهتز شباك الجغرافيا وحدها، بل تهتز طبقات من الوعي الجمعي، وتتشظى حدود الذات والآخر ، وتسقط الأيدولوجيا امام جماليات القدم . إن تشجيعنا لمنتخب إسبانيا في مواجهة الأرجنتين ليس مجرد ولاء كروي عابر، بل هو فعل وجودي يحمل في طياته تأملات فلسفية عميقة حول ماهية الانتماء، وطبيعة العداء، وإمكانية الفرح النقي في عالم مشحون بالتناقضات.

نحن كفلسطينيين، نحمل في وجداننا جرحاً مفتوحاً على اتساع الزمن، لكن هذا الجرح لم يحول قلوبنا إلى قبور موصدة، بل جعلها أكثر اتساعاً للحياة. حين نشجع إسبانيا، نحن لا نعلن عداءً للأرجنتين كشعب، بل نعبر عن توق إنساني للجمال، عن شهية الحياة التي لا تموت. الأرجنتين ليست نظامها السياسي، ولاعبوها ليسوا سفراء لحكومة معينة. إنهم بشر من لحم ودم، يحملون أحلام أطفالهم في عيونهم، ويهديهم شغفهم فوق المستطيل الأخضر.

في فلسفة “الآخر” عند إيمانويل ليفيناس، نجد أن لقاء الوجه الإنساني يُحدث انقلاباً في الوعي، حيث يظهر الآخر ككائن لا يمكن اختزاله إلى أي تصنيف سياسي أو جغرافي. لاعبو الأرجنتين هم وجوه إنسانية، تجمعنا بهم إنسانية مشتركة أعمق من أي خلاف سياسي. إنهم ليسوا النظام الذي يتخذ قرارات، وليسوا الحزب الذي يمارس سلطة، وليسوا الخطاب الرسمي الذي يستثني فلسطين. إنهم رياضيون يؤدون دورهم على مسرح الحياة.

الفرح بإسبانيا لا يستلزم التشفي بالأرجنتين، بل هو احتفاء بالبراعة الفنية، بالجمال الكروي، بالإرادة التي تصنع المعجزات. وكما يقول الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامر، فإن اللعب ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل هو حدث وجودي يكشف عن حقيقة الإنسان في علاقته بالعالم. حين نشاهد المباراة، نحن نشاهد صراعاً بين رؤيتين للوجود: رؤية ترى في الكرة وسيلة للسيطرة، ورؤية تراها فرصة للإبداع والتحرر.

فلسطين حية في قلوبنا، لكنها حية كقضية إنسانية، وليست كرهينة لعواطف الانتقام. فلسطين حية في كل تأوه للجماهير في المدرجات، وفي كل تمريرة جميلة، وفي كل هدف يهز الشباك. فلسطين ليست حالة استثنائية تعزلنا عن الآخرين، بل هي نموذج للعدالة المطلوبة في كل مكان. حين نفرح لإسبانيا، نحن نفرح للجمال الإنساني الذي لا يعرف حدوداً، وللقدرة على الإبداع رغم كل الظروف.

في هذا الإطار، يصبح التشفي بالأرجنتين خيانة لرسالتنا الإنسانية، وتحويلاً للعدالة إلى كراهية. العدالة ليست انتقاماً، بل هي سعي لتحقيق الخير للجميع. وكما علمنا جاك دريدا، فإن الضيافة الحقيقية تقبل الآخر باختلافه، ولا تحاول ترويضه أو تشويهه. الأرجنتين كشعب وكلاعبين تستحق الاحترام، تماماً كما نطلب الاحترام لفلسطين وشعبها.

لذا، حين نصطف خلف إسبانيا، نصطف خلف رؤية للعالم تقوم على الإبداع والجمال والانتصار للروح الإنسانية. نفرح بفوز إسبانيا لا لأنها تمثلنا سياسياً، بل لأنها تمثلنا فنياً وإنسانياً. نفرح باللعب الجميل، بالروح الرياضية، بالقدرة على تحويل المستحيل إلى حقيقة على أرض الملعب.

وفي النهاية، كل المباريات تنتهي، وكل الانتصارات تتحول إلى ذكريات، لكن القيم التي نتبناها أثناء التشجيع تبقى: الإنسانية قبل الانتماءات، والجمال قبل الانتصارات، والحياة قبل كل شيء. فلسطين حية فينا، لكنها حية كأمل، وكحلم، وكقدرة على الاحتفاء بالجمال حيثما وجد، حتى لو كان خلف شباك الخصم.

شاهد أيضاً

الجبهة العربية الفلسطينية : قانون الإعدام تشريع للفاشية الصهيونية وإعلان حرب مفتوحة على شعبنا وأسراه

الجبهة العربية الفلسطينية: تعديل مجلس النواب الامريكي عدوان سياسي وديني مرفوض وانحياز سافر للاحتلال

شفا – تدين الجبهة العربية الفلسطينية بأشد العبارات إقرار مجلس النواب الأمريكي تعديلاً يدعو إلى …