12:22 صباحًا / 20 يوليو، 2026
آخر الاخبار

ما تحتاجه القدس “الاّن الاّن وليس غدا ” بقلم: دكتور غسان عبد الله

ما تحتاجه القدس “الاّن الاّن وليس غدا ” بقلم: دكتور غسان عبد الله

وجهة نظر شخصيّة

لأن القدس ليست حجارة ولا مجرد أماكن للتسوق أو للزيارة، وكوني مواطن أتابع، أقرأ، وأصغي لما يبوح به الناس بالسر والعلانية، محاولا تفهم اّهاتهم وتحدياتهم في الحياة، وحتى بعد الممات- قضية نبش القبور مؤخرا-، ولكون الحياة الثقافية باتت تشهد انحسارا ، لم يحدث من قبل ، ولكون الواقع التربوي والتعليمي أخذ يتدحرج من حالة البؤس الى حالة غياب دوره الفاعل المنشود في القدس، لكل هذا تجيء هذه الكلمات والتي قد لا تروق للبعض،
نظرة خاطفة على معالم القدس أرض الحضارات ومهد الديانات السماوية، وما تبوح به معالمها الأثرية والدينية من اختلافات وخلافات وغزوات وحروب، نرى أنها شكّلت ولا تزال، فسيفساء بشرية و معمارية وثقافية، تكاد تنفرد به في الكون بأسره، سواء قبلنا بهذا أم لم نقبل، الأمر الذي يحتّم علينا الإقرار بضرورة أنسنه البشر واحترام ما تركه لنا السلف، بغض النظر عن الجنس والعرق والدين.
يلازمني سلوك منذ عقود خلت، اذ تراني بين فترة وأخرى، اندفع اليه مسرعا لنجلس سوية في صومعتنا الخاصة بنا، حيث نتناول فنجان القهوة السادة، يتلوه كعكة بالسمسم وبيضة مشويّة (حميّم على قول المقدسيين الأقحاح) أو قرص فلافل، دون أن نغفل عن الزعتر أو الملح بنكهة الزعتر. أثناء كل هذا، نستذكر جلساتنا في فرن المقاطيع” فرن أبو علي” رحمه الله، ونسمح لأنفسنا بتجاذب الأحاديث حول ما كانت عليه أحوال درّة التاج منتصف السبعينيات من القرن الفارط وما اّلت اليه هذه الأيام رغم زيف وقشور ومحاولات التصنع وما تخفيه من تفكك وبغضاء وكراهية.
حين يشرع المرء بالحديث عن تلك الأوضاع، نتمنى عدة أمنيات أولها:
أن تعود الألفة والمحبة والحرص على وحدة واّمان الحال فعلا لا قولا، و
الأمنية الثانية، أن نجد جوابا شافيا لسبب/ أسباب الوضع الاّخذ بالتدهور السريع لكل مكونات الحياة: صحة، تعليم، أوضاع اجتماعية و نفسيّة كلها تشهد اضطرابات متتالية ومتنوعة ومتفاوتة، وأن لا نكتفي باستخدام واقع السلطة القائم بالقوة كشماعة نضع عليه قصورنا وتقاعسنا .
ليس الهدف هنا، جلد الذات من خلال مواصلة الإغراق في التشخيص للواقع البائس، بقدر ما هو محاولة للبحث عن بوصلة من شأنها انقاذ ما يمكن إنقاذه على طريق البدء في صون ليس فقط ما تبقى بل وأيضا استرجاع ما تم سلبه منا أو ما دمّرناه بأيدينا، سواء عن جهل أو لحاجة في نفس يعقوب والتي غالبيتها تكمن في مربع المصالح الشخصية الذاتية .
بخصوص الأمنية الأولى لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا مقيتا في بث التناقضات والخزعبلات، الأمر الذي جعلنا نرى سلوكيات ترفضها المعتقدات الدينية وما تحويها من قيم وأخلاق، فنرى المنافقون وبائعي الشعارات، يمتطون صهوة الفروسية وبسط العضلات في حين نرى بسطات الأغذية المنتهية الصلاحية، ونسمع بل ونرى حالات قطع الصلة بالأرحام، ونرى الظواهر الصوتية هي التي تصول وتجول في شوارع وحواري القدس، وحين تسمع/ ترى ذلك تشعر وأن البلد في أحسن حال وكل شيء على ما يرام، لكن حين تشهد وتسمع عن مسلسلات الشجارات والقتل المتعمد،( ولأتفه الأسباب)، والاعتداء على القائمين بتأدية رسالة التربية والتعليم وداخل الصفوف المدرسية، وعيادات الأطباء، وحين ترى وتسمع عن سلوكيات التنمر والبلطجة وبأشكال عدّة، ودوام تهديد بعض النساء/ الأبناء، للوالدين/ الأزواج باللجوء الى الشرطة لفض نزاع تافه، وترى تفكك الأسرة وتدني الالتزام بصون صلة الرحم حتى في أيام الشهر الفضيل، أمام هذه الحالات ، ليس أمامنا فقط ضرورة شحن الهمم وحشد الطاقات لإعادة الأمور الى نصابها، بدلا من الاكتفاء بالانزواء وكأن الأمر لا يعنيني!!
هنا يأتي الدور المنشود لرجال الإصلاح للقيام بالرسالة الإنسانية بل والعقيدية، المنوطة بهم والتي هي عكس مهنة التكسب والاسترزاق، رسالة الإصلاح بين ذات البيّن والأهل عملا بموجب ” وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما ،فان طغت احداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تطغى حت تفيء الى أمر الله”، هكذا، يستتب ويتعزز السلم الأهلي وتنتشر المحبة والألفة بين الناس ،على أيدي رجال الإصلاح ممن تتوفر فيهم مخافة الله وتقواه وبالتالي نضمن النزاهة والرأفة .سنجد مثل هؤلاء الكثر في المجتمع المقدسي الذي هو بأمس الحاجة اليهم هذه الأيام نظرا للواقع السياسي القائم، الذي يحتم بلورة رؤية واضحة حيال القدس ومؤسساتها، من خلال اناطة الأمور للعاملين، ذوي الرؤية والبصيرة ” وبشّر العاملين”، وليس للمنظرين أو الذين تم انزالهم على المجتمع المقدسي ب البرشوتات أو المتسلقين أو من يتعاملون ب الأتوات عنوة أو من يستخدمون صفة مواطنة القدس تذكرة عبور لتحقيق مصالحهم الشخصية ، ولنتذكر دوما ” أن الله يرى”، وليكن دافع العمل ” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ” هكذا تبقى أعمالهم كنزا لهم وتاريخهم وذكراهم وسيرتهم العطرة وسط أبناء المجتمع المقدسي الشريف، كما هو حال الكثيرين من المقدسيين الأحياء والأموات منهم.
ثمة خطوة أخرى لإنجاز هذه الأمنية، تتمثل فيما أشارت اليه خبيرة شؤون الأسرة الأخت الدكتورة ربيحة أبو هلال التي دعت الى بدء أسلوب القدوة في الأسرة، بمعنى أن يكون الوالدين، والأخوة/ الاخوات قدوة وانموذجا لأفراد الأسرة الصغار واليافعين في ممارسة كل ما هو محمود والابتعاد عن كل ما هو مذموم وذلك كنهج حياة راسخ.
عودة الى الأمنية الثانية، لا يخفى على أحد أم من أهم أسباب التدهور المتواصل والذي يطال جميع مناحي الحياة، هو مرجعية واحدة يثق بها المجتمع المقدسي، تكون بعيدة كل البعد عن الفئوية الضيّقة والحزبية السياسية، مثل هذه نراها تتمسك في مكاتبها الفارهة وتحت مسميات عديدة، لا يجمع بينها سوى الابتعاد الفعل والعمل الجدي الملموس لحل مشاكل المجتمع أو بعض منها والتي من أهمها مسألة الارتفاع الباهظ على الإيجارات السكنية و الغلاء الفاحش في سعر العقار وما قد ينجم عن ذلك من احتكار وأحيانا كثيرة نسمع عن حالات نصب واحتيال.
لذا نحن بحاجة الى إيجاد مجلس تكنوقراط من مختصين وذوي خبرة كل في مجاله، ممن يتمتعون بأكبر قسط من النزاهة والامتداد المجتمعي في القدس، على أن لا يكون هذا بديلا عن الجهات الرسميّة العاملة وسط المجتمع المقدسي، بل تعمل وتمارس دورها المنشود بدوام التنسيق والتعاون مع هذه الجهات الرسمية. بهذا نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو إعادة بناء ذات الانسان المقدسي، في ظل أجواء تسودها المحبة والتنسيق والتعاون غير المشروط واللا محدود.
يأتي بعد هذا ضرورة الانتباه الى أهم مكوّن للسلم والأمن الأهلي، ألا وهو نظام التربية و التعليم الذي يجب أن يرتكز على تعزيز قيم التسامح والتعددية والاختلاف والتفكير الناقد، مثل هذا لن يتأتى الا اذا أعدنا الهيبة والمعنى الى رسالة التربية والتعليم واخراط أضلاعها الثلاث ( المعلم ، أولياء الأمور والطلبة) في التخطيط والتطبيق ومن ثم التقييم والتقويم.

شاهد أيضاً

عباس زكي يلتقي مع السفير الصيني سون تشن

عباس زكي يلتقي مع السفير الصيني سون تشن

شفا – التقى عباس زكي، سفير جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين السيد سون تشن، …