
شفا – CGTN – تشرق الشمس على أرضية المصنع، وتبدأ أحزمة النقل في الحركة. وتنساب الأذرع الآلية في الهواء بدقة متناهية، لتلتقط البراغي وتثبتها في هياكل الروبوتات التي تتحرك عبر خط الإنتاج. هنا وعلى النقيض من المصانع المزدحمة بصفوف العمال – تتولى الروبوتات الآن تجميع المكونات الرئيسية للجيل القادم من الآلات الذكية.
لقد تحول هذا المشهد ـ الذي كان يوما ما حبيس قصص الخيال العلمي – إلى واقع ملموس في بعض أكثر مراكز التصنيع تطوراً في الصين، وتحديداً في منطقة دلتا نهر اليانغتسي ومنطقة خليج قوانغدونغ-هونغ كونغ-ماكاو الكبرى.
على مدى عقود، رسخت الصين مكانتها في الاقتصاد العالمي بصفتها “مصنع العالم”، مستندة في ذلك إلى ضخامة الإنتاج وانخفاض تكاليفه. أما اليوم، فإن الميزة التنافسية للبلاد تشهد إعادة صياغة متزايدة.
وفي الوقت الذي تسرّع فيه الصين وتيرة تحولها من قوة تصنيعية كبرى إلى اقتصاد يقوده الابتكار، تعزو بعض الروايات الغربية قدرتها التنافسية الصناعية في المقام الأول إلى الدعم الحكومي. غير أن نظرة فاحصة على التطور الصناعي في الصين تكشف عن صورة أكثر وضوحاً؛ إذ بات الاستثمار طويل الأمد في التكنولوجيا والمواهب والبنية التحتية والتنسيق الصناعي هو المحرك الرئيسي للنمو.
ارتقاء المنظومة الصناعية
خلال العقد الماضي، أصبحت الصين أكبر سوق للروبوتات الصناعية في العالم. وتشير بيانات وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات إلى أن قاعدة الروبوتات المركّبة في البلاد استحوذت على أكثر من نصف الإجمالي العالمي حتى عام 2025. وفي الوقت نفسه، تظهر تقارير القطاع أن الصين تتصدر العالم في نمو شحنات الروبوتات الخدمية والروبوتات الشبيهة بالبشر (الروبوتات البشرية) المتطورة، مما يبرز التوسع السريع لقطاع الروبوتات الذكية فيها.
وتكمن وراء هذه الأرقام عملية تحول أعمق؛ فقد أرست الصين أساسا تكنولوجيا جوهريا للمصانع العملاقة المخصصة للروبوتات الشبيهة بالبشر، مما أوجد نظام إنتاج قابلاً للتوسع وقادراً على تقديم منتجات بتكاليف أقل وأداء أعلى نسبياً، وذلك حسبما ذكرت تشياو هونغ، الأكاديمية في الأكاديمية الصينية للعلوم.
ولا يقتصر الأمر داخل المصانع على قيام الروبوتات ببناء روبوتات أخرى، بل شهدت معدلات الإحلال المحلي للمكونات الأساسية – بما في ذلك مخفضات السرعة الدقيقة وأنظمة المؤازرة (سيرفو) ووحدات التحكم – ارتفاعاً كبيراً. وفي الوقت نفسه، تحقق الشركات الصينية اختراقات في تقنيات متطورة – مثل الإدراك البصري ثلاثي الأبعاد والذكاء الاصطناعي المتجسد (Embodied AI) المدعوم بنماذج ضخمة متعددة الوسائط – مما يعزز المرونة والقدرة على الصمود عبر السلسلة الصناعية بأكملها.
وتستند هذه القدرة التنافسية إلى نظام صناعي قوي ومرافق داعمة راسخة؛ إذ تظل الصين الدولة الوحيدة في العالم التي تضم كافة الفئات الصناعية المدرجة في نظام التصنيف الصناعي للأمم المتحدة، والذي يشمل 41 قطاعا صناعيا رئيسيا و207 فئات صناعية و666 فئة فرعية.
كما يتيح هذا النظام للشركات الانتقال السريع من مرحلة البحث والتطوير إلى التسويق التجاري مع خفض تكاليف الإنتاج بفضل التنسيق المتكامل عبر السلسلة الصناعية؛ وقد جاء هذا التقدم مدفوعاً بالمنافسة في السوق والتوسع المستمر في التطبيقات العملية الواقعية، وليس بمجرد دعم السياسات قصير الأجل.
الابتكار المدعوم بالمواهب والمؤسسات والسوق
إلى جانب قاعدتها الصناعية الفريدة، وبفضل وجود أكثر من 270 مليون شخص تلقوا تعليما عاليا ومعدل التحاق بالتعليم العالي يتجاوز 60%، تعد الصين موطنا لأكبر مجموعة من الكوادر العاملة في مجال البحث والتطوير في العالم، وهي تعمل بسرعة على تحويل كتلتها السكانية الضخمة إلى “عائد ديموغرافي من المواهب”.
وتتعزز قاعدة المواهب هذه بفضل إطار مؤسسي متميز، حيث تركز الاستثمارات التي تقودها الدولة على الأبحاث الأساسية والمرافق العلمية الكبرى والتقنيات الاستراتيجية، مما يرسخ دعائم الابتكار المستقبلي. وفي الوقت نفسه، تتولى الشركات دفع عجلة المرحلة الحاسمة المتمثلة في “الكيلومتر الأخير” للتطبيق في السوق.
لقد أصبحت الشركات المحرك الرئيسي للابتكار؛ إذ تستحوذ الشركات الصينية حاليا على أكثر من 77% من إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير في البلاد. ويتعزز هذا الزخم المدفوع بالسوق من خلال منظومات ابتكار تعزز التعاون الوثيق بين قطاع الصناعة والأوساط الأكاديمية والمؤسسات البحثية. ففي منطقة “تشونغ قوان تسون” في بكين وحدها، تعمل أكثر من 20 ألف شركة عالية التقنية جنباً إلى جنب مع جامعات عالمية المستوى ومعاهد بحثية رائدة وشركات رأس المال الاستثماري، مما يخلق واحداً من أكثر مراكز الابتكار حيوية في العالم.
وتتجلى النتائج بوضوح متزايد في الصناعات الناشئة؛ فقد تجاوز حجم قطاع الذكاء الاصطناعي الأساسي في الصين 1.2 تريليون يوان (حوالي 167 مليار دولار) في عام 2025، مع وجود أكثر من 6200 شركة تعمل في هذا القطاع. كما أصبحت تجمعات الابتكار – مثل المنطقة التجريبية للقيادة الذاتية في “بكين إي-تاون” (Beijing E-Town) و”جزيرة الذكاء الاصطناعي” في “تشانغجيانغ” بشانغهاي – بيئات اختبار مهمة لتقنيات الجيل القادم، مما يبرهن على كيفية تحويل البحث العلمي إلى منتجات وصناعات على نطاق واسع.
فرص مشتركة عالميا
أصبح الابتكار الصيني متاحا ومشاركا على نطاق عالمي بشكل متزايد.
وفقا لبيانات وزارة التجارة، استضافت بكين بحلول مارس 2026، 332 مركزا للبحث والتطوير بتمويل أجنبي (من بينها 55 مركزا تأسست هذا العام)، بينما ضمت شانغهاي 647 مركزا مماثلا (بما في ذلك 15 مركزا جديدا هذا العام). ولم تعد الشركات متعددة الجنسيات تكتفي بالتصنيع في الصين فحسب، بل أصبحت تمارس الابتكار فيها أيضا.
وينعكس هذا الاتجاه أيضا في تدفقات الاستثمار. وفقا لبيانات الوزارة، بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الفعلي في قطاعات التكنولوجيا الفائقة في الصين 102.73 مليار يوان (15.05 مليار دولار) خلال الربع الأول من عام 2026، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 30.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ومشكلاً ما نسبته 41.2% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد.
وخلال منتدى “دافوس الصيفي” لعام 2026 المنعقد في مدينة داليان، أجمع المشاركون على أن التقدم الذي تحرزه الصين في مجالات مثل الطاقة الخضراء والاقتصاد الرقمي والتصنيع المتقدم يساهم في تعزيز اليقين في ظل اقتصاد عالمي يتسم بتزايد حالة عدم اليقين.
ويرى ستيفان ميرجينثالر، المدير الإداري والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التقدم الذي تحققه الصين في تطبيق الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات يقدم دروسا قيمة للاقتصادات النامية؛ إذ يمكن لهذه الدول الاستفادة من التجربة الصينية لتعزيز قدراتها التنافسية وتحسين مكانتها ضمن سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي.


شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.