
لماذا كسبت السيارات الصينية السوق السعودية؟ ، بقلم : تيان جيانينغ
تكشف أحدث بيانات هيئة الزكاة والضريبة والجمارك السعودية عن تحول تاريخي في سوق السيارات بالشرق الأوسط. فخلال العامين الماضيين استوردت المملكة نحو 1.9 مليون سيارة، وتجاوزت السياراتُ الصينية نظيراتها اليابانية والكورية الجنوبية التي هيمنت لعقود على السوق السعودية، لتصبح الصين أكبر مُصدّر للسيارات إلى السعودية. كما تواصل حصتها السوقية النمو بمعدل يتراوح بين 10% و15% سنويا.
يعزو العديد من المحللين هذا التحول إلى ارتفاع تنافسية السيارات الصينية من حيث السعر والجودة، أو إلى النمو السريع لقطاع المركبات الكهربائية فيها. لكن إذا تتبعنا اتجاهات استهلاك السيارات في السعودية خلال السنوات الأخيرة، وجدنا أن محاور التنافس في السوق قد تغيرت.
ففي الماضي، كان المستهلكون يركزون على أداء المحرك، وكفاءة استهلاك الوقود، والمتانة؛ أما اليوم، فقد أصبحت المقصورة الذكية وأنظمة مساعدة السائق والاتصال الرقمي وتقنيات الطاقة الجديدة عوامل أكثر أهمية عند اتخاذ قرار الشراء. ومع دخول صناعة السيارات العالمية عصر الكهرباء والذكاء الاصطناعي، تمكنت الشركات الصينية من الاستفادة من خبراتها المتراكمة في مجالات البطاريات والأنظمة الذكية وإدارة سلاسل الإمداد، ما أكسبها قبولاً متزايدا لدى المستهلكين.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على السعودية وحدها، بل تتكرر في العديد من الأسواق حول العالم.
وفي الوقت نفسه، أسهمت الأهداف التنموية للمملكة في فتح آفاق جديدة للتعاون بين الجانبين.
وفي إطار رؤية 2030، تعزز السعودية بنشاط تنويع اقتصادها، ساعية إلى تنمية قطاعات صناعية جديدة. وتعتبر صناعة السيارات ذات قيمة عالية ليس فقط لحجم سوقها الكبير، بل أيضًا لقدرتها على دفع عجلة التنمية المتناسقة لقطاعات متعددة كالتصنيع والخدمات اللوجستية والإلكترونيات والبرمجيات والخدمات المالية، مما يجعلها مؤشرا رئيسيا للمستوى الصناعي.
لذا، واصلت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة تعزيز بناء منظومة صناعة السيارات لديها. من تطوير علامة السيارات الكهربائية المحلية “سير” إلى استثمار شركات صناعة السيارات العالمية وإنشاء مصانع لها في المملكة، والتسارع في بناء البنية التحتية لمركبات الطاقة الجديدة، تسعى المملكة جاهدةً للانتقال من سوق إقليمية لاستهلاك السيارات إلى مركز إقليمي لصناعة السيارات.
وفي هذا السياق، وجدت الصين والسعودية مصالح مشتركة متزايدة.
فبالنسبة لشركات صناعة السيارات الصينية، لا تعد السعودية أكبر سوق للسيارات في منطقة الخليج فحسب، بل هي أيضا مركز محوري يربط أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا. أما بالنسبة للسعودية، فإن الصين لا تملك فقط أحد أكبر أسواق السيارات في العالم، بل أنشأت أيضاً سلسلة توريد متكاملة لمركبات الطاقة الجديدة، مكتسبة خبرة واسعة في مجالات مثل تكنولوجيا البطاريات والتصنيع الذكي وإدارة سلسلة التوريد.
كما شهد التعاون الصيني السعودي في قطاع السيارات خلال السنوات الأخيرة توسعا ملحوظا.
فقد تجاوز التعاون حدود التجارة التقليدية ليشمل الابتكار التقني والاستثمار والتكامل الصناعي.. وفي عام 2025، وقعت أرامكو السعودية وشركة BYD الصينية اتفاقية تعاون لاستكشاف سبل التعاون في ابتكار تكنولوجيا مركبات الطاقة الجديدة. قبل ذلك، شاركت أرامكو السعودية في استثمار استراتيجي في شركة HORSE Powertrain، وهي شركة عالمية متخصصة في تكنولوجيا أنظمة نقل الحركة، تأسست بالاشتراك بين جيلي الصينية ورينو الفرنسية، بهدف تعزيز تطوير تقنيات السيارات منخفضة الانبعاثات والهجينة. وتؤكد هذه الخطوات أن اهتمام الجانبين لم يعد يقتصر على بيع السيارات، بل يمتد إلى استكشاف الفرص التي تتيحها منظومة النقل المستقبلية والتحديث الصناعي.
في الوقت نفسه، تواصل العلامات التجارية الصينية، مثل BYD وجيلي وشيري وشانغان وإم جي، توسيع شبكات مبيعاتها وخدماتها في السعودية، حيث تنظر إليها المزيد من الشركات كمركز حيوي في سوق الخليج.
لا تقتصر هذه الشراكات على مجرد توسيع السوق، بل هي خيار متبادل قائم على مزايا تكاملية.
فالشركات الصينية تسعى إلى تعزيز حضورها الإقليمي وتوسيع انتشارها العالمي انطلاقاً من السوق السعودية، بينما تعمل المملكة على الاستفادة من التحولات الجارية في صناعة السيارات العالمية لتعزيز قدراتها التصنيعية ودعم التنويع الاقتصادي وتحقيق تنمية أكثر استدامة. ورغم اختلاف أولويات الطرفين، فإن أهدافهما لا تتعارض، بل تتلاقي في العديد من المجالات.
وفي الواقع، فإن نجاح السيارات الصينية في السوق السعودية لا يعني تراجع القدرة التنافسية للعلامات التقليدية، كما لا يعني أن المنافسة قد حُسمت. فالمستهلك السعودي لا يزال يتمتع بخيارات واسعة ومتنوعة، وتبقى المنافسة المفتوحة أحد أهم عناصر حيوية السوق.
إن نجاح السيارات الصينية في المملكة يعود من جهة إلى تطور قدرتها التنافسية، ومن جهة أخرى إلى انفتاح السوق السعودية وحيوية عملية التحول الاقتصادي التي تشهدها. والأهم من ذلك أنه يعكس الفرص المشتركة التي أتاحتها التحولات الجارية في صناعة السيارات العالمية لكلا البلدين. فعندما تلتقي احتياجات السوق مع خطط التحديث الصناعي والاستراتيجيات التنموية في الاتجاه نفسه، يكتسب التعاون معنى يتجاوز التجارة ليصبح شراكة تصنع فرصاً جديدة للنمو والابتكار.
- – تيان جيانينغ – إعلامية صينية من قناة CGTNArabic .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.