
منطق بناء “مدينة الشعب”: كيف جعلت الصين مئات الملايين يعيشون في مدن حديثة؟ بقلم: ريماس الصينية
إذا كنت تعيش في إحدى مدن العالم العربي، فلا بد أنك تلاحظ تغيرا يحدث أمام عينيك: المدن تتوسع، والأحياء الجديدة تظهر، بينما تخضع المناطق القديمة لأعمال التطوير والتحديث. فالمنطقة العربية بأسرها تمر بمرحلة عميقة من التحول الحضري.
وفي الوقت نفسه، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، تواصل الصين منذ عقود مسيرة التحضر بوتيرة متسارعة. وبحلول نهاية عام ٢٠٢٥، بلغ معدل التحضر في الصين ٦٧.٨٩٪، فيما وصل عدد سكان المدن إلى نحو ٩٥٠ مليون نسمة. وقد لا يكون هذا مجرد رقم ضخم، بل هو قصة حقيقية تعكس تغير أسلوب حياة مئات الملايين من الأسر.
فما الذي حدث في الصين؟ وما الذي نجحت فيه؟ وما التحديات التي واجهتها؟ ربما تبدو هذه الأسئلة مألوفة أيضا للدول العربية التي تخوض اليوم مساراتها الخاصة في التحضر.
عندما يتحول الاهتمام من “بناء المدن” إلى “إدارة المدن”
خلال العقود الماضية، كان منطق التحضر في الصين واضحا: بناء المزيد من الأبراج، وشق المزيد من الطرق، وتوسيع المدن باستمرار. وهو مسار اتبعته معظم الدول التي شهدت نموا سريعا، حيث كان الهدف الأول هو بناء المدينة.
لكن هذا المنطق بدأ يتغير. ففي مطلع عام ٢٠٢٦، أكد المؤتمر المركزي الصيني للعمل الحضري ضرورة الانتقال من مرحلة “التوسع العمراني واسع النطاق” إلى مرحلة “رفع جودة المدن وتحسين كفاءتها”. وبمعنى أبسط، لم يعد التركيز على إنشاء أحياء جديدة، بل على جعل المدن القائمة أكثر ملاءمة للحياة.
وليس من الصعب فهم هذا التحول. فعندما يتجاوز معدل التحضر ٦٥٪، يكون معظم من يرغبون في الانتقال إلى المدن قد استقروا فيها بالفعل. وهنا يصبح السؤال مختلفا: ليس كيف نستوعب مزيدا من السكان، بل كيف نجعل المدينة أكثر راحة لسكانها.
فالمدن، مثل البشر، تتقدم في العمر. شبكات المياه والأنابيب تتقادم، والمرافق تصبح قديمة، والمباني السكنية التي تفتقر إلى المصاعد تصبح أكثر صعوبة بالنسبة لكبار السن. وهي تحديات تواجهها أيضا كثير من المدن العربية، وإن اختلفت درجاتها وسرعتها.
ولهذا أطلقت الصين برنامج “تجديد المدن”. ففي عام ٢٠٢٥ وحده، بدأ العمل في إعادة تأهيل أكثر من ٢٧,١٠٠ مجمع سكني قديم، ليستفيد منه نحو ٤.٩٩ ملايين أسرة، كما جرى تركيب أكثر من ١٤ ألف مصعد جديد، وتحديث ما يزيد على ١٥٦ ألف كيلومتر من شبكات البنية التحتية تحت الأرض.
وتعكس هذه الإجراءات فكرة بسيطة لكنها مهمة: فالمدينة ليست مشروعا يُبنى مرة واحدة، بل كائن حي يحتاج إلى صيانة وتجديد مستمرين.
أين يسكن الناس؟
يبقى السكن أحد أكبر تحديات التحضر، إذ يتعلق بالسؤال الأساسي: كيف يمكن لمختلف فئات الدخل أن تجد مكانا مناسبا للعيش داخل المدينة؟
وهذا ليس تحديا صينيا فحسب، بل تواجهه أيضا مدن عديدة في العالم العربي، حيث تمثل أزمة السكن لذوي الدخل المحدود إحدى القضايا الرئيسية. ولهذا أنشأت الصين منظومة متعددة المستويات للإسكان، تغطي شرائح مختلفة من السكان.
فقد تم حتى الآن بناء أكثر من ٦٨ مليون وحدة من المساكن المدعومة ومساكن إعادة توطين سكان الأحياء العشوائية، ما ساعد أكثر من ١٧٠ مليون أسرة على تحسين ظروفها السكنية. وتضم هذه المنظومة أنواعا متعددة من المساكن، مثل مساكن الإيجار المدعومة، والإسكان العام، والإسكان المشترك الملكية، في محاولة لتوفير حلول تناسب احتياجات الفئات المختلفة.
وبالطبع، لا تزال هذه المنظومة تواجه تحديات عديدة، مثل عدم مواكبة سرعة البناء للطلب المتزايد، والحاجة إلى تحسين آليات التوزيع، ونقص المعروض في بعض المدن.
لكن مجرد وجود هذه المنظومة يعكس اعترافا بحقيقة مهمة، وهي أن السوق وحده لا يستطيع تلبية احتياجات جميع السكان في مجتمع سريع التحضر، وأن للدولة دورا ينبغي أن تؤديه لضمان عدم تحول المدينة إلى فضاء يخدم فئة واحدة فقط.
من تُبنى المدينة من أجله؟
يتكرر في السياسات الحضرية الصينية شعار يقول: “مدينة الشعب يبنيها الشعب، ومدينة الشعب من أجل الشعب.”
وبلغة أبسط، يعني ذلك أن المدينة يجب أن تخدم جميع من يعيشون فيها، لا المستثمرين أو المطورين العقاريين وحدهم.
ويتجسد هذا المفهوم في تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تمس الحياة اليومية مباشرة. ففي عام ٢٠٢٥، أُنشئ أكثر من ٤٦٠٠ “متنزه جيبي” جديد في مختلف المدن الصينية، وهي مساحات خضراء صغيرة تُقام على الأراضي غير المستغلة أو الزوايا المهملة داخل الأحياء.
فتلك الزاوية التي كانت مليئة بالمخلفات، أو تلك الأرض المحاطة بسور مهجور، أصبحت مكانا يجلس فيه كبار السن، ويلعب فيه الأطفال، ويستريح فيه المارة.
ورغم أن هذه المشروعات ليست ضخمة، ولا تحتاج إلى استثمارات هائلة أو عمليات هدم واسعة، فإنها تعكس فكرة أساسية: فجودة المدينة لا تُقاس فقط بارتفاع ناطحات السحاب أو اتساع الطرق، بل أيضا بما إذا كان الإنسان يستطيع أن يجد، على بعد بضع دقائق من منزله، مكانا هادئا يجلس فيه.
لكل مدينة طريقها… ولكل تجربة دروسها
لكل دولة طريقتها الخاصة في الإجابة عن سؤال: كيف ينبغي أن تكون المدينة؟
فللقاهرة شخصيتها العمرانية، وللرياض رؤيتها التخطيطية، ولمراكش طابعها التاريخي الخاص. ولا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع المدن. لكن التجربة الصينية تقدم على الأقل احتمالا جديرا بالتأمل.
فعندما تدخل عملية التحضر مرحلة أكثر نضجا، وتنتهي مرحلة التوسع العمراني السريع، يبقى أمام المدن مجال واسع للتحسن، من خلال التجديد المستمر، وتوفير حلول سكنية لمختلف الفئات، وتحسين الفضاءات العامة بصورة تدريجية.
فالمدينة لا ينبغي أن تكون مجرد محرك للنمو الاقتصادي، بل يمكنها أيضا أن تصبح، شيئا فشيئا، مكانا أكثر ملاءمة للحياة.
- – ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية – الصين .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.