12:40 صباحًا / 3 يوليو، 2026
آخر الاخبار

«مذكرات مطارد: حكايات من زمن الانتفاضة الاولى » بقلم : د. عمر السلخي

«مذكرات مطارد: حكايات من زمن الانتفاضة الاولى » بقلم : د. عمر السلخي


بين الزيتون… كان الخطر يختبئ


كان ذلك في منتصف شهر تشرين الأول، حين كانت أحداث الانتفاضة تتصاعد يومًا بعد آخر، وكانت قوات الاحتلال تملأ شوارع البلدة وأزقتها، وتفرض حضورها في كل زاوية.


بعد شهر كامل قضيته متنقلًا مع رفاق المطاردة في منطقة بيت ريما، عدت ليلًا إلى أطراف بلدتي، كان الليل قد انتصف، وأرهقنا السير الطويل؛ فمن جبال دير بلوط، حيث قضينا ليلة نستجمع فيها ما تبقى من قوتنا، عبرنا وادي العين، ثم صعدنا نحو جبل السحايل، إلى أرض جدي.


هناك… كنت أعرف كل حجر وكل شجرة، كانت الأرض تحفظ خطواتي كما أحفظ تفاصيلها، وبين أشجار الزيتون التي زرعها جدي بيديه، كنت أشعر أنها ليست مجرد أشجار، بل حراس صامتون يقفون إلى جانبنا، يخفوننا، ويحرسون خوفنا، ويمنحوننا شيئًا من الطمأنينة.


أسفل البئر، وبين السناسل الحجرية، شيدنا خلال الأسابيع الماضية مخبأً سريًا، كانت جدرانه من حجارة السناسل، وسقفه من ألواح الإسبست، غطيناه بالتراب، وأخفينا مدخله خلف شجرة زيتون وصخرة كبيرة، حتى أصبح من المستحيل تقريبًا أن يميزه أحد، إلا من يعرف الأرض شبرًا شبرًا.


دخلنا المخبأ بهدوء، وانتظرنا شروق الشمس. لم يكن ما ينتظرنا هو الضوء، بل فرصة لرؤية أهلنا، الذين أصبح الوصول إليهم مغامرة محفوفة بالمخاطر، في ظل الانتشار العسكري الواسع، وعيون أصحاب النفوس الضعيفة الذين كانوا يبحثون عنا في كل مكان.


مع أول صياح للديك، بدأت أصوات الفلاحين تعلو فوق التلال:


“هات السلم… جيب المفرش… ودّي الحمل…”
لقد بدأ موسم قطف الزيتون.
دفعت الصخرة التي تغطي مدخل المخبأ، وصعدت نحو البئر لأجلب الماء، ولألقي نظرة على دار جدي، على أمل أن يرسل أحدهم في طلب والدي ووالدتي.
أمسكت الدلو وربطت الحبل، وبدأت أسحب الماء.
وفجأة…


طارت طيور الشنانير من تحت الخروبة.
وبينما كنت منحنياً أسحب الحبل، وقع بصري على جهاز لاسلكي ملقى على الأرض بجانب العريشة.
تجمدت في مكاني.
رفعت رأسي ببطء، فإذا بجنود الاحتلال يفترشون الأرض بين أشجار الزيتون، تختلط بزاتهم الخضراء بلون التراب والأغصان، وتتناثر بنادقهم في كل اتجاه.
سقط الحبل من يدي، وتدلى الدلو في البئر، بينما اندفعت زحفًا بكل ما أملك من سرعة نحو المخبأ، وأغلقت مدخله بإحكام.


كان صوت ارتطام الدلو في البئر أخف من دقات قلبي، التي شعرت أنها ستفضح مكاني قبل أن يفعل أي شيء آخر، مر الوقت بطيئًا،
غلبني النعاس.


رأيت أمي في المنام، وقد بدت على وجهها علامات التعب والإرهاق. جلست إلى جواري، ومسحت على رأسي، وقالت بلهجتها التي لا تخطئها أذني:
“ضعفان كثير… شكلك ما بتوكل…”


استيقظت على صوت يصدح بين التلال:


“يا ظريف الطول…”
ثم ارتفعت أبيات الميجانا التي اعتاد الفلاحون إنشادها في موسم القطاف.
وبعدها بدقائق، دوّى صوت طالما كان يملأ المكان هيبة منذ طفولتنا:
“الفرع… الفرع…”
ذلك الصوت الذي كان يعلنه جدي كلما امتلأت الأغصان بالزيتون، فيدعو الجميع لمواصلة القطاف.
ابتسمت لأول مرة منذ ساعات.
لقد عاد الأمان إلى المكان…
إنه صوت جدي.


ذلك الرجل الذي عشق الأرض، وزرع الزيتون كما ربّى أبناءه؛ عشرة من الذكور وأربعًا من الإناث، وكان يقول دائمًا إن الزيتونة لا تخون صاحبها.
فتحت باب المخبأ بحذر، ونظرت إليهم يلتفون حول الأشجار، بينما كان جدي يردد بصوته الجهوري:
“بدي أسمع صوت حبّ الزيتون مثل المطر.”


اقتربت منهم مبتسمًا وقلت:
“ما بدكم عونة؟”
التفت إليّ، وحدق في وجهي لثوانٍ، ثم ضحك وقال:
“إنت هون يا قرد؟! أكيد جعان… تحت الزيتونة الجونة.”
ثم التفت إلى أحد الصغار وقال:
“يا ولد… روح نادي أم سمير… هي بتعاون في دار أبوها.”
لم تمضِ دقائق حتى وصلت أمي.
جلسنا معًا على حافة البئر، نتبادل الحديث عن أحوال البلدة، والأهل، والناس، وعن شهر كامل مضى بين المطاردة والغياب.
وحين انتهى الكلام…
أسندت رأسي إلى حضنها.


ولأول مرة منذ أكثر من شهر، غلبني النوم… نومٌ عميق، في المكان الوحيد الذي كان يمنحني شعورًا بأن الدنيا، رغم كل شيء، ما زالت بخير.

شاهد أيضاً

حركة فتح – إقليم السويد تلتقي حزب اليسار السويدي لبحث الانتخابات القادمة وتعزيز الدعم لفلسطين

حركة فتح – إقليم السويد تلتقي حزب اليسار السويدي لبحث الانتخابات القادمة وتعزيز الدعم لفلسطين

عُقد في مدينة أوبسالا السويدية لقاء سياسي جمع وفداً من حركة فتح – إقليم السويد …